فهرس الكتاب

الصفحة 1744 من 1942

وحلمهم لقيط ، يجري وراء وهم مستحيل ، إذ يريدون نسخ مجتمعات الغرب نسخًا ميكانيكيًا ، وإلباس شعوبنا أثوابًا ، لم تفصل على مقياسها ، بل وتجريعها بالعنف دواءً ، لم يصفه حكيم لأمراضها .

ثم متى كانت الحضارات المختلفة تتناسخ ؟ إنهم يحملون أمتنا مصائب تركيبات ثقافية ، وتطورات دينية، وتحولات اجتماعية ، وتقلبات سياسية ، لم تتفاعل معها ، ولم تعرفها قط . وإذا كان الغرب المسيحي اليوم ، يمتلك أدوات نهضته ، ويعاني بالمقابل من تأثير تلك النهضة ، فله مداره الخاص به ، وله وسائله المتميزة ، لعلاج الخلل الطاريء على تقدمه أو سعادته ، أو استقراره ، هو حر في استنباط تلك الوسائل .

لكننا لا يمكن البتة ، أن نؤسس بيوتنا على أسسه هو ، ولا أن ننبت أشجارنا على تربته هو ، وذلك يعني أننا ، لا يمكن أن نبرأ من عللنا بوصفات دوائية ، وضعها التاريخ لعلته هو ، بعد أن أعد له ملفًا يضم فصيلة دمه ، وأمراضه الوراثية ، وكذلك معدل ضغطه ، ونسبة السكر في الدم.

ذلك حالنا ، إزاء الميالين مع رياح النموذج الغربي ، والحالمين بالمستحيل ، ونحن نعلم ، أن لنا عللا ، وأن لنا خللًا ، ولكن العلاج لن يكون بوصفة مستوردة من وراء البحار ، قد تصلح لمجتمع بعينه ، روعيت فيها معطيات خاصة به ، وقدرت له طبيعة الداء والدواء.

ذلك هو ربما جوهر المد الإسلامي الهاديء الرصين الواثق: إيقاف علاجنا كمسلمين بالوصفة الأوروبية ، والأمريكية ، والروسية ، الجاهزة ، والشروع في تشخيص علاتنا - السياسية والثقافية والاقتصادية - في انتظار شفائنا بما يراه حكماؤنا الأصليون ، وأطباؤنا الصادقون من العلاج الملائم ، الموائم . وتلك رحمة من الله ونعمة ، بل هي طريق نجاتنا المفردة الوحيدة.

أما أهل الجاهلية ، المتجهون كطبق (الدش) ، أو كَعبَّاد الشمس نحو الغرب ، فالحجة لديهم ، أننا يجب أن ندخل إلى عصرنا ، ونصبح عصريين . وفي الحقيقة تم مسخ مصطلح العصرية من أصله اللغوي الحضاري ، كنتيجة راهنة لمسار متشعب وبطيء ، إلى مفهوم تغطية النموذج الغربي (العلماني) ، وإسباغ العصرية العالمية عليه ، كنوع من إكسابه الشرعية ، وإفراده بالريادة.

(ولما كان الأكثر تقدمًا هو دول أوروبا والغرب بصفة عامة ، سواء رأسمالية أو اشتراكية ، فقد سادت خصائصهم الحضارية ، بحسبانها خصائص العصر ، فكرًا وعلومًا وأنماط حياة ، وسلوكًا ، ومذاهب ، وصار حاضر الغرب هو مستقبلنا ، وصارت حياته ، ومجتمعاته ، هي مدينتنا الفاضلة المرجوة .. وأكثر من ذلك ، صار ماضيه ، بما أفضى إليه في حاضرهم ، هو معيار تاريخ العالم ، وبهذا قام مفهوم المعاصرة ، بحسبانه مفهومًا مطلقًا ، يقوم به إطار مرجعي ، ومفهوم شرعي ، يضم المجتمعات والدول التابعة كلها ، إلى الدول والمجتمعات المتقدمة) .

ومن هذا المسخ الحضاري لدار الإسلام ، بدأت تدب في أوصالنا أسباب الوهن ، ومن هذا الكهف ، خرج علينا تنين التبعية والإلحاق ، وكان وصول النخب الوطنية ، خريجة جامعات أوروبا ، إلى سدة الحكم ، عند الاستقلال العسكري والإداري ، استقرارًا للنموذج الغربي المسيحي ، في بلادنا ، وتخلينا عن حاكمية الله ، معتقدين خطأ أننا اخترنا حاكمية الشعب المسماة باللغة اليونانية (ديمقراطية) ، ولكننا في واقع الأمر ، نفذنا حاكمية النظام الاستعماري الصليبي ، وأردنا لأنفسنا حاكمية قوانين السلب والنهب ، التي وضعت فيها مؤلفات لا تحصى ، من أهل أوروبا أنفسهم.

وبدلًا من أن نقول كما أمرنا الله (قل اللهم مالك الملك ) قلنا: إن الغرب المصنع والمسلح ، هو السيد ، وهو القدوة ، وقوانينه الوضعية هي قوانيننا ، وثقافته هي مطمحنا ، وطريقته في الحياة هي غايتنا ، وانطبقت علينا قولة عبد الرحمن بن خلدون: من أن المغلوب يسعى لتقليد الغالب ، في لسانه ، وملبسه ، ومأكله ، وعيشه ، وسائر شؤونه.

من الخلافة الراشدة إلى الخلافة العثمانية

تلك هي روح الإسلام الجديدة في عنفوانها ، وحدة في المشاعر ، وتفاعل مشترك إزاء المتغيرات .. لكنه تفاعل ظل إلى اليوم عاطفيًا ، لعله في زحمة العصر وكثافة المعضلات ، لم يجد مجراه ، لكن غياب المجرى مؤقتًا ، لا يمنع من وجود النهر الواثق العظيم .. فكيف يجد النهر مجراه ؟ بل كيف يعود إلى مجراه؟ هذا هو السؤال.

لم يعد خافيًا على أحد اليوم ، أن الحلم المشترك ، لمليار ومائتي مليون مسلم ، هو تلك الثنائية الرائعة:

(1) فجر الإسلام في عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم وعهد الخلفاء الراشدين الأبرار من بعده ، رضي الله عنهم وأرضاهم ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي.

(2) قوة الخلافة العثمانية ، واتساع دار الإسلام في أزهى عهودها ، وسيطرتها على ثلث مساحات الأرض تقريبًا.

هذان الوجهان للحلم الإسلامي ، يمثلان الخلفية الفكرية ، الأكثر عمقًا ، والأوفر تواجدًا ، في الضمير المسلم ، مهما كان موقع الصحوة جغرافيًا ، وكيفما كانت درجة وعيها حضاريًا ، وطبيعة علاقتها بالسلطة القائمة سياسيًا .

هذان الأساسان التاريخيان ، هما اللذان يتم عليهما عادة إنشاء الصرح السياسي ، الملقب بالمشروع الإسلامي الحضاري ، مثلما يؤسس المشروع الديمقراطي على تاريخ الثورة الفرنسية (1789م) ، ومثلما يؤسس المشروع الاشتراكي على الثورة الروسية (1917م) .

هذان هما المرجعان ، أخلاقيًا ، وسياسيًا ، واقتصاديًا ، وفقهيًا.

-فجر الإسلام ، والخلافة العثمانية.

طبعًا عندما تقرأ آلاف الكتب والمقالات ، الصادرة عن الإسلام الراهن ، وعندما تحضر مئات الندوات والمؤتمرات ، المنعقدة عن أمة الإسلام ، سوف تعجب من وفرة المصادر التاريخية ، والمرجعيات الفكرية ، ولابد أن تعثر على تاريخ الدولة الأموية ، والدولة العباسية ، وفتوح هاتين الدولتين ، وأسباب تقدم الحضارة الإسلامية ، في عهديهما ، شرقًا وغربًا ، وشمالًا وجنوبًا ، ثم لابد أن تلمس العناية بدول: السلاجقة ، والفاطميين ، والموحدين ، والمرابطين ، وأن تجد اهتمامًا فائقًا بمنارات أصبحت رموزًا للإسلام ، أمثال عمرو بن العاص ، وموسى بن نصير ، وعقبة بن نافع ، وصلاح الدين الأيوبي ، وعبد المؤمن بن علي ، وغير هؤلاء الأبطال كثيرون.

لكن الحلم الكامن في الضمير الجماعي ، لدى صفوة المسلمين ، وفي الشارع الإسلامي ، هو بلا منازع المتعلق بالمرجعين: فجر الإسلام في نقائه ، وجلاله وصفاته وسنة رسوله ، وأخلاق خلفائه الأربعة من جهة ، ثم الخلافة العثمانية بقوتها العظمى ، وسيطرتها على البحر والبر ، وسيادتها على المضايق ، وعدم تفريطها في أراضي المسلمين وأعراضهم من جهة ثانية ، كآخر خلافة جامعة للمسلمين حتى العشرينيات من هذا القرن.

ومن الطبيعي أن يكون هذان المرجعان ، هما الحلم الحي ، المنعش لصحوة الإسلام الراهنة ، والمحرك القادر للحركات الفكرية الإسلامية ، في زمن صعب ومتشعب ، يعتبر النقيض تمامًا وعلى كل المستويات لهذين المرجعين الكبيرين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت