فجاءت الشريعة هنا مناقضة للأهواء، أي منطلقة من خالق الإنسان، العالم به ، المسير للكون، بعيدًا عن تقلبات الإنسان ، وتحولات المجتمعات ، كأنما هي الدر المكنون الذي لا تعتريه الشوائب.
وإذا نظرنا اليوم ونحن في قلب القرن الخامس عشر هجري ، إلى أغلب الانحرافات التي حادت بالمجتمعات الإسلامية عن الطريق المستقيم ، وأخلت بتوازنها ، وزعزعت مواطن قوتها لوجدنا أن أسبابها الجوهرية تعود إلى عدم اتباع المسلمين للشريعة من الأمر ، واتباعهم لأهواء الذي لا يعلمون ، حتى ولو ادعوا عكس ذلك نطقًا ، أو ألبسوا سلوكهم الباطل بكلمات حق: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) (الصف:2-3) . وكان ذلك الانقطاع عن الشريعة ، هو السبب المباشر للكوارث التي أصابت الأمة الإسلامية ، منذ الفتنة الكبرى ، إلى فقدان الأندلس ، ومنذ انهيار بغداد تحت أقدام هولاكو ، إلى سقوط الخلافة العثمانية .
وبعكس ذلك لم تكتب للأمة صفحاتها البيضاء الناصعة ، وهي بحمد الله أكثر من صفحات الانكسار والانحدار ، إلا حينما تولى أمر الأمة رجال عضوا على شريعة الله بالنواجذ ، وبدأوا بتطبيقها على أنفسهم وقبائلهم ، فكان لهم النصر ، ومكنهم الله من العنفوان والقوة منذ فجر الإسلام ، وعهد الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم وعهد خلفائه الراشدين ، والخلافات المتتابعة ، التي قامت بواجب الجهاد ، وحققت الفتوحات ، إلى غاية الخلافة العثمانية ، حيث امتدت دار الإسلام إلى جزء عظيم من الأرض ، يتحكم في أخطر المضايق ، ويسود أهم البحار، ويملك أبرز الثروات والطاقات.. ( وفي تلك العهود التي كانت الدولة العثمانية تمد ظلالها على امبراطوريتها الشاسعة ، في شرق وشمال أوروبا ، وفي غرب وجنوب آسيا ، كان العربي يسير من عدن على المحيط الهندي ، صاعدًا إلى الشام ، ولبنان ، والأناضول ، وآسيا الصغرى ، ومن ثم يسير إلى بلغاريا ، ورومانيا ، ويوغسلافيا ، والمجر ، حتى يصل بعد ذلك إلى أسوار مدينة( فينا ) عاصمة النمسا ، وفي كل هذه الرحلة لا يحتاج العثماني والعربي حمل جواز سفر ، ولا هوية ، لأنه كان يمشي في بلاده ، وتحت علمها ، إلى أن يصل إلى حوض نهر الداوب في فينا.. ).
فالله سبحانه هو مالك الملك ، وهو صاحب الخلق والأمر ، مما جعل الحضارة الإسلامية في أعز تجلياتها ، حضارة تؤمن بالغيب ، حسب الشرط الذي اشترطه القرآن في المؤمنين ، عند الآيات الأولى من سورة البقرة ، أولى سور الكتاب بعد الفاتحة: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب .. ) فلا إسلام إلا بالإيمان بالغيب . يقول مالك بن نبي رحمه الله: ( إن الحضارة لا تنبعث كما هو ثابت تاريخيًا إلا بالعقيدة الدينية ، فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء ، يكون للناس شرعة ومنهاجًا. فكأنما قدّر للإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية ، أو بعيدًا عن حقبته ، فحينما يكتشف حقيقة حياته كاملة ، يكتشف معها أسمى معاني الأشياء ، التي تشكل له مركز الرؤية ، وتتفاعل معها عبقريته ، وهذا لا يتحقق دون معرفة الوحي..) .
ولسائل أن يسأل ، وهو محق في سؤاله:
-مادام المسلمون ، انطلقوا في بناء حضارتهم من إيمان بالغيب والوحي ، وما داموا ، أقروا بأن الحاكمية لله ، فما الذي حاد في بعض مراحل تاريخهم ، بتلك الحضارة إلى الانحدار ؟ وما الذي حول مسارهم أحيانًا إلى فتن ، وجعلهم في القرن التاسع عشر مسيحي ، مؤهلين لقبول الاحتلال الصليبي ، حسب عبارة مالك بن نبي ؟ ما الذي تسبب في تغير بعض أساليب الحكم لدى المسلمين ، إلى استبداد فج ، لا يختلف عن أي استبداد ، مسيحيًا كان ، أو يهوديًا ، أو بوذيًا ، أم شيوعيًا ، أم فاشيًا؟
الجواب صعب ومتشعب ، إذا ما تعمقنا في الجزئيات التاريخية كلها ، وملابساتها دينيًا ، وسياسيًا ، واقتصاديًا ، ولكن الجواب واضح ، إذا ما أدركنا ، أن الأسباب نفسها ، تؤدي إلى النتائج نفسها ، من قيام الفتنة الكبرى ، إلى سقوط بغداد ، ومن ضياع الأندلس ، إلى انهيار الخلافة العثمانية ، ومن مقتل حجر بن عدي ، إلى مقتل سيد قطب .
إن السبب يكاد يكون واحدًا: القطيعة بين النموذج ، وتطبيقه .. نعم . ظل النموذج المحمدي ، وفروعه لدى خلفائه الراشدين ، نموذجًا حيًا في الأذهان ، ولكن تعطل التطبيق . الهوة اتسعت بين المثل الأعلى ، والواقع المعاش .. بين المثال الحي في الضمائر ، وبين جهد العقل البشري ، لتنفيذه في الميدان.
بل الأخطر أن الخطاب الإسلامي كرس تلك القطيعة ، حينما أراد عكس ذلك ، أي تطبيق الشريعة بالاجتهاد ، وإعمال العقل .. فهذا الفكر ، تصدى للتغريب والتنصير ، والاحتلال بسلاح المثال ، وهو سلاح قوي وناجع ، لكنه لم يتصد لإنتاج فقه متجدد ، يضع ذلك المثال موضع التنفيذ ، في حياتنا السياسية ، والتربوية ، والاقتصادية ، والثقافية ، وعلاقاتنا مع غيرنا من الأمم ، مما أتاح لأعدائنا فرصة مقاومتنا ، على أساس أن المثال الذي ندافع عنه ، مستحيل التنفيذ ، أو هو سلفي ، أو نظري ، أو طوباوي ، أو غير ذلك ، مما نقرأه صباح مساء ، في كتابات المنبتين ، وأيتام الحضارة ، والجاهلين الجدد.
إن المقاومة الإسلامية ، ترفع سلاح النموذج ، لطرد المحتل الصهيوني من فلسطين ، وطرد المحتل الصربي من البوسنة والهرسك .. والمقاومة الإسلامية ، تقاوم الفكر الصليبي التنصيري ، والصهيوني العنصري ، داخل المجتمعات المسلمة نفسها ، لدرء الخطر الثقافي والإعلامي والسياسي ، برفع النموذج ، لكن المقاومة لن تكون استثمارًا حضاريًا مستقبليًا ، دائمًا وصامدًا ، إلا متى أقمنا بوسائلنا تلك ، الدولة الإسلامية العصرية الحية القوية ، وانصهرنا فيها شعوبًا وقبائل ، حتى نثبت لأنفسها ، ثم للعالم من حولنا ، أن النموذج ليس حلمًا ، وأن جهادنا لا يقتصر على رفعه شعارًا ، بل الجهاد الحق ، ونحن نتوغل في القرن الخامس عشر ، يتمثل في تحقيقه وتجسيمه ، واستشراف المستقبل ، بتضامن إسلامي ، أصلب عودًا ، ووحدة إسلامية ، أعمق جذورًا ، ووعي إسلامي أكثر اتصالًا بقضايا عصرنا المتشعبة الدقيقة .. أي في النهاية ، قدرة المسلم على تنزيل الإسلام في حياتنا ، وتطويع مصيرنا لتقبل رسالته العظيمة.
تلك هي معركة المستقبل ، لفرض الآية الكريمة القائلة ، بأن الله هو مالك الملك ، وأنه له الخلق والأمر سبحانه.
ولكن على أصحاب الفكر الإسلامي ، أن لا يتخلوا عن عقلية المنتصر ، في أي جدل يفرضه عليهم خصومهم ، حين يدعون أننا نسعى نحو مدينة فاضلة ، لم توجد إلا في فجر الإسلام ، وإننا نحلم بنموذج لا يتحقق .. وردنا على هذا الجدل هو أنهم أنفسهم ، يسعون إلى حلم مستحيل . أليسوا يعتبرون الغرب المسيحي الراهن سدرة منتهاهم ، وغاية منالهم ؟! إنهم في كتاباتهم الجاهلية ، المسماة خطأ ، بالعلمانية ، يرسمون لك صورة المدنية الصناعية المادية الغربية ، كأنها الأمل المنشود والمثل الأعلى ، والخير المطلق ، ثم يلهثون وراء سراب ، يسمونه اللحاق بركب الحضارة.
إنهم يحلمون ، ونحن نحلم.
ولكن شتان ما بين الحلمين ، وشتان ما بين النموذجين..
حلمنا يغرس جذوره في ينبوع حضارتنا الإسلامية ، فيستعيد أمجادها ، ويحي قيم الجهاد ، والعدل ، والمساواة ، والمروءة ، والإحسان ، والتواضع ، الزهد ، والإيثار ، التي أتاحت للإسلام فتوحاته ، ومكنته في الأرض..