وأختم هذ التمهيد -الذي طال واستطال- بما تصوره د. غليون مما تريده الثقافة الغربية من باقي الثقافات. يقول د.غليون (1) : إن الثقافة الغربية لا تكتفي -كالثقافات الكلاسيكية- بإلحاق ثقافات متعددة بها، والسماح لها بالحياة داخل (مدينة) واحدة، تسيطر عليها، وتتحكم فيها القيم، إنها تطلب (حل) جميع الثقافات الأخرى، ثم استبدالها بثقافة واحدة، شكلًا ومضمونًا، ومن هنا يتأتى إخفاق هذه الحضارة في تكوين إمبراطورية عالمية أولًا، وفي تسعيرها للنزعات القومية، بشكل لا سابق له، وهي وإن وصفت نفسها بثقافة (الحرية) ، فهي ترفض كل استقلالية للآخر، وتتحول إلى ثقافة (شمولية) ، لا تعترف من بعيد بالعلاقات الاجتماعية العديدة، المعقولة والممكنة، التي تؤسس للشخص البشري، إلا بعلاقة الفرد بالدولة، وتعكس تناقضاتها التاريخية، كثقافة عالمية، مناقضة لكافة الثقافات الأخرى... إنها تقبل وبحماس فكرة (الإمبراطورية الاستعمارية) ، حيث لا يبقى للشعوب الأخرى الخاضعة إلا الاختيار بين (الفناء الكامل أو الاندماج والذوبان) ومن موقع الدونية واللامساواة...اهـ
وعن ترجمة المفاهيم والمصطلحات يقول د.غليون (1) : (ففي ثقافة متدهورة ومتراجعة، تضعف قدرة اللغة على التعبير الدقيق، وتنمية المصطلحات بصورة مواكبة لتطور المعاني والمفاهيم المستقاة من ثقافة أخرى مهيمنة، كما تضعف القدرة على ضبط المعاني وتنظيم المفاهيم، بقدر ما تنفصل هذه المعاني والمفاهيم عن صيرورة مستقلة وذاتية، للبحث والإنتاج العلمي.. وعندما يرتبط وجود هذه المفاهيم بمصدرها الخارجي، وتعجز النظم اللغوية والعلمية عن استيعابها وضبطها من ذاتها، هنا يحصل شرخ في اللغة، وفي النظم العلمية ذاتها، فتبطل فاعليتها الإبداعية، عندئذ تضطر الثقافة التابعة إلى(استيراد) المفاهيم والمصطلحات معًا، وفي فترة لاحقة المعارف العلمية الجاهزة، والتي يعجز عن إنجازها وإنجابها النظام المعرفي. وهذا ما نلاحظه اليوم في ثقافتنا، حيث تدخل المصطلحات دون ضابط، فتثور مشكلة كبيرة في توحيدها وضبطها، مما يفقد اللغة دقتها ومرونتها، بل يدفعها إلى التفكك والركاكة، كما تبدو إجراءات (التعريب) قاصرة عن استيعاب هذه العملية، وهنا يترك للصحافة اليومية الحرية الكاملة، لتدخل ما تشاء من المفردات الأجنبية...اهـ ).
يعود لتوضيح القضية بعد صفحات فيقول (1) : ... أكثر ما يميز (الثقافة التابعة) الاستخدام الاعتباطي للمفاهيم، وغياب الروح المنهجية والعلمية. إن استيعاب المعاني الجديدة وتوطينها، لا يمكن أن يتم إلا في إطار توسيع قاعدة البحث العلمي، ونشوء علوم وإشكاليات مستقاة من الواقع القائم، مستجيبة لمشكلاته.
إن الثقافة (التابعة) تطرح على نفسها باستمرار مشكلات ليست مطروحة على مجتمعها، ولكن مستوحاة مما تطرحه على نفسها الثقافة الأصل، وهي تجيب على هذه الإشكالات من أفق -أو افتراض- مُماثلة الشرق والغرب، فتظل على هامش المسألة، وقد لا تكون بالضرورة كاذبة، وليست صادقة، ولكنها خارجة عن الموضوع، وهذا هو مصدر عدم فاعلية الثقافة التابعة وتخبطها، واجترارها الدائم لنفس المسائل، خلال عقود، ولذات الموضوعات، ودون قدرة على بلورة حلول أو حركة مكتسبات علمية، وهذا أساس غياب الإبداع والتقدم الفكري -أي تطور الوعي- وهذا يتجاوز مشكلة سيطرة الأيدولوجيات المادية أو المثالية، والعقائد الوضعية العلمانية، أو اللاهوتية.
فالإبداع مرتبط بآليات عمل الثقافة ككل، وعلاقاتها بالمجتمع والبيئة التي تعيش فيها.
وضعفها أو تفككها ليسا في الحقيقة إلا مظهرًا لتعثر الجماعة في بناء أداة تواصلها، ووسائل تفكيرها وفهمها الخاصة والمستقلة، وذلك نتيجة لما أصابها من تهميش واستبعاد عن مصادر الحضارة والغلبة...اهـ.
وهنا استذكر ما كتبه د. هشام صالح -تلميذ د. أركون- من أن من وصل إلى الغرب أيام انتشار الوجودية، صار وجوديًا، ومن وصلها أيام الماركسية صار ماركسيًا، ومثل ذلك البنيوية. وهؤلاء يبحثون قضايا ومشاكل لا توجد في بلدهم، ويعتقد جل هؤلاء أنه متى نقل هذه المفاهيم فقد أدى كل شيء (1) .
الحضارة والعوامل المؤثرة في التحضر
قبل الدخول في تعريف الحضارة هناك قضيتان:
1-أجد في بعض التعاريف نوعًا من الرغبة في الإكثار والتعدد، لدرجة غريبة، فالدولة مثلًا، وهي مؤسسة قد يزيد اليوم عمرها على سبعة آلاف عام، نجد لها أكثر من (145) تعريفًا، وفي الحضارة نجد أكثر من (165) تعريفًا، وهذه الكثرة الكاثرة أمر بات معروفًا يصعب قبوله.
2-لدينا في اللغة العربية عدة مصطلحات متقاربة مثل:
حضارة، وثقافة، ومدنية، يقابلها في الإنجليزية على سبيل المثال (Civilization,Culture ) والذين اشتغلوا بالترجمة لم يلتزموا نمطًا واحدًا، فمرة ترجموا ( Culture ) بالثقافة ومرة بالحضارة، وفعلوا ذات الشي في ( Civilization ) فمرة ترجمت بالثقافة ومرة بالحضارة، وهكذا.
وهذه العملية تربك المتحدث والكاتب لأن عليه أن يحدد ما يعنيه من تلك المصطلحات، تحديدًا دقيقًا، وإلا حصل خلط واختلاط مضر. والآن ما هي الحضارة لغة واصطلاحًا ؟
1-الحضارة لغة واصطلاحًا:
الحضارة في اللغة: تأتي الحضارة على عدة معانٍ (1) :
أ- يقال: حَضَر يحْضَر حُضورًا وحضارة: ضد الغياب.
ب- يقال: حكّمت فلانًا بحضرة فلان: أي بوجوده، كما يقال: كنا بحضرة ماء: أي عنده.
جـ- يشيع اليوم لفلان حضور متميز: أي وجود متميز.
كما يقال: رجل حاضر وقوم حضور وحُضر: ضد الغياب.
د- الحَضَارة: الإقامة في الحَضَر أي المدن. وقد أنشد (القطامي ) :
فمن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا
كما أنشد أبو الطيب:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية
وفي البداوة حسن غير مجلوب
الحضارة ( Civilization) اصطلاحًا:
يعود أصلها الغربي إلى المدينة، وهنا يطابق الأصل العربي (الحاضرة ) بمعنى المدينة، والمتحضر ساكن الحاضرة، وشاع في العربية: سكان الحواضر، وأهل الحواضر، في مقابل البادية وأهل البادية، لكن الاستعمال الغربي للحضارة لم يتبلور قبل القرن الثامن عشر (1) . وسوف استعرض بعض هذه التعاريف:
1)تعريف (ديورنت ) : إنها نظام اجتماعي يُعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه، للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها
يلاحظ أن التعريف جاء جامعًا، ومعه شرحه، علمًا بأن ديورنت خير من اعتنى بالحضارة، وكتابه (قصة الحضارة ) خير شاهد.
2)يركز المفكرون الألمان على الأبعاد المادية من حياة الإنسان، بينما يركز المفكرون الفرنسيون على البعدين المادي والفكري من أبعاد التقدم (2) .
3)يعرفها (جورج باستيد ) الفرنسي: بأنها التدخل الإنساني الإيجابي، لمواجهة ضرورات الطبيعة، تجاوبًا مع إرادة التمرد في الإنسان، وتحقيقًا لمزيد من اليسر في إرضاء حاجاته، ولإنقاص العناء البشري (3) . والتعريف ينصب على الهدف من الحضارة بالدرجة الأولى.