فهرس الكتاب

الصفحة 1841 من 1942

4)يعرفها (تايلر ) بأنها ذلك الكيان المعقد الذي يضم المعرفة والمعتقدات، والفنون والآداب، والقوانين والعادات، وجميع القدرات، والتقاليد الأخرى، التي يكسبها الإنسان، بصفته عضوًا في المجتمع (4) . التعريف يركز على مشتملات الحضارة، بشكل عام.

5)يعرفها د.قسطنطين زريق: بأنها حياة المجتمع المتمثلة في نظمه ومؤسساته ومكاسبه وإنجازاته، وفي القيم والمعاني التي تنطوي هذه الحياة عليها (1) .

وهذا التعريف قريب جدًا من تعريف تايلر، وكأنه مأخوذ منه، أو هو اختصار له.

6)د. برهان غليون يحاول أن يقارن بين الحضارة والمدنية فيقول: (إذا كانت الحضارة هي النمو المطرد، في المنظومات المادية، والعقلية والروحية، التي تنقل المجتمع من البدائية إلى التحضر، وتجعله يتجاوز -كما ذكر ابن خلدون- إنتاج الحاجيات إلى الكماليات، أو تطوير نوعية إرضاء الحاجات، فإن المدنية هي المبادئ التي تقوم عليها هذه المنظومات، أو التي تشكل نواتها الأولى. وإذا كانت الحضارة مرتبطة أساسًا بتنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة، ودرجة سيطرته عليها، وأنماط إنتاجه المادي والروحي، فالمدنية ترتبط بتنظيم علاقات الإنسان الاجتماعية، وبدرجة تحول هذه العلاقات إلى علاقات مبنية على التواصل والتبادل السلمي، لا على العنف والإكراه، وعكسها ) (البربرية) .

إن المدنية ثمرة الثقافة، لكنها ليست نتيجة تلقائية لها (2) . الحضارة إذن النمو في الماديات والعقليات والروحيات، أما المدنية فهي المبادئ التي تقوم عليها الحضارة، والتي تنظم علاقات الإنسان الاجتماعية.

7)د. نصر عارف يرى أن المترجمين العرب لمصطلح ( Civilization ) قد انقسموا قسمين (1) :

أ- القسم الأول: ترجمها (حضارة ) ، وقد بدأ ذلك في أوائل القرن التاسع عشر، فقد ظهرت في كتابات (رفاعة الطهطاوي ) -المشرف على البعثات المصرية إلى أوروبا- فهو حين يتحدث عن التمدن يقول: إن للتمدن أصلين: معنوي وهو التمدن الأخلاقي، وفي العوائد والآداب، ويعني التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة، التي تسعى باسم دينها وجنسها للتميز عن غيرها.

والقسم الثاني تمدن مادي، وهو التقدم في المنافع العمومية.. وقد استمر هذا الفهم للتمدن، حتى أوائل القرن العشرين، وابتداء من الربع الثاني للقرن العشرين، شاع هذا الاستعمال كثيرًا، أي ترجمة ( Civilization ) إلى حضارة.

يعلق د. نصر على ما تقدم، فيرى: أن الترجمة إلى الحضارة بدت صحيحة في ضوء أحد معاني (الحضارة ) ، لكن تطور المفهوم العربي، وتلبسه بالدلالات الغربية، قد أخرج مفهوم الحضارة عن نطاقه ومحتواه (2) . كما يرى أن ثمة إجماعًا في القواميس والمعاجم، على اعتبار الحضارة هي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي والعلمي والفني والتقني، الموجودة في المجتمع، و التي تمثل مرحلة راقية في التطور الإنساني (1) .

أسباب الاختلاف:

من أسباب الاختلاف والارتباك عندنا، أن الغرب الذي ننقل عنه المصطلحات عنده مصطلحان: (( Civilization ، Culture ) )، يقابلهما في لغتنا أربعة مصطلحات هي: حضارة، ثقافة، مدنية، تقنية. من هنا جاء الارتباك والاختلاف والتداخل.

ومن البدهيات أن أي مصطلح يبدأ غامضًا وغير محدد بدقة، ولكن مع مضي الوقت، وكثرة الاستعمال، يذهب الغموض، ويتحدد المصطلح، ولما كان الغرب يختلف، بل يتوسع في الاختلاف، بحيث يضع للثقافة أكثر من (165) تعريفًا، ومثلها الدولة والحضارة، جاء الاختلاف عندنا وشاع، كما هو شائع في الغرب.

إن التناول الغربي لمصطلحي (( Civilization ، Culture ) )، يجعل منهما مترادفين -كما لدى تايلور- وهناك من جعل ( Civilization ) قاصرًا على التقدم المادي مثل الألمان.. وهناك من يجعله شاملًا لكل أبعاد التقدم، مثل الفرنسيين.. فريق ثالث يحصر التقدم بما هو خاص بالفرد، ورابع يجعله شاملًا للفرد والجماعة.. وهناك فريق خامس، حاول أن يجعل من مصطلح ( Civilization ) مفهومًا عالميًا، أي هناك حضارة واحدة، تساهم المجتمعات فيها كل بنصيب، أما الثقافة فهي خاصة بكل شعب.. وهناك فريق سادس يعكس القضية فيجعل الثقافة عامة، والحضارة خاصة (1) .

هذا الاختلاف يصل إلينا، ونحن ما زلنا في دور المتلقي المترجم، ولسنا في دور المنتج المبدع. لذا وجدنا الاضطراب يسود كتاباتنا، فمن ترجم (Culture ) إلى ثقافة، جعل

ويعتقد د. محمد حسين هيكل، ومثله محمد عزيز الحبابي، أن العالم تسوده حضارة واحدة، ساهم فيها الكل، وهي ملك للكل.

يقول د. هيكل: إن الحضارة تراث عالمي، لا يجوز شطره جزئين منفصلين، فلا وجود لحضارة شرقية، ولا حضارة غربية، وإنما هناك حضارة عالمية واحدة، يجب الإيمان بها، والإخلاص لها (3) .

ويقول الحبابي: ... والحضارة تراث مشترك يجمع بين جميع الشعوب، قديمها وحديثها، وإنها إرث إنساني، في نمو لا ينقطع، مثل بحر زاخر بالمياه والأمواج، وله روافد عديدة تصب فيه على الدوام، تلك الروافد هي الثقافات القومية (1) .

والذي لا شك فيه أن الحضارة حين تعطي كل ما لديها، تم تجف منابعها تسقط، فترثها حضارة أخرى تالية، لتبدأ من حيث انتهت سابقتها، وليس من الصفر، ولذا فهناك دومًا (إرث حضاري ) ، لكن الحضارة التالية تضيف وتحذف، تستبعد أشياء، وتستحدث أشياء، ومن هنا يأتي تميز الحضارات.

فإذا نظرنا للإرث، فهي واحدة، وإذا نظرنا للمستجدات فهي متعددة، وإن كان الغرب يريد أن ينكر هذه الحقيقة، خصوصًا على الحضارة الإسلامية، فلا يعترف لها بفضل، لكن يلاحظ أن أمثال شبنجلر وتوينبي يرفض ذلك، كما تتعالى اليوم أصوات ترفض هذه النظرة العنصرية وإنكار أي أثر للحضارات السابقة.

الحضارة في المدلول الإسلامي:

لقد وجدت د. نصر محمد عارف، يبحث عن الجذر اللغوي لكلمة حضارة، واستعمالاتها اللغوية، فيعد سبعة معان، ثم يبين الأكثر دورانًا واستعمالًا، فيقول (2) :

1-الحضور نقيض المغيب والغيبة.

2-بمعنى عنده: كنا بحضرة ماء، ورجل حاضر.

3-قرب الشيء: الحضرة، كنت بحضرة الدار.

4-جاء أو أتى: حضرت الصلاة، أو حضر القاضي.

5-الحضر خلاف البدو، والحضارة الإقامة في الحضر.

6-الحاضرة: الحي العظيم.

7-الحاضر: ضد المسافر.

وتأتي حضر بمعنى شهد، كقوله: {إذا حضر أحدكم الموت } (البقرة:180) ، وقوله تعالى: (اذا حضر القسمة أولو القربى ) (النساء:8) .

كما تأتي (شهد ) معنى حضر، كقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) (البقرة:185) .

وقد اعتدت في مثل هذه الموضوعات، أن أعود للفيروزآبادي، فهو خير من يتابع المصطلح في كتاب الله، وألخص ما قال (1) في مصطلح الشهادة:

1-الشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر أو البصيرة، يقال: شهدت كذا أي حضرته، كما يقال شهدت على كذا. قال تعالى: (ما شهدنا مهلك أهله ) (النمل:49) ، أي ما حضرنا.

2-الشهادة: قول صادر عن علم، حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة، قال تعالى: {ستكتب شهادتهم ويسألون } (الزخرف:19) ، تنبيهًا إلى أن الشهادة لا بد أن تكون عن شهود.

3-الشهادة بمعنى العلم، قال تعالى: (لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت