فهرس الكتاب

الصفحة 1842 من 1942

(آل عمران:70) ، وقوله: (ما أشهدتهم خلق اسموات والأرض ) (الكهف:51) ، أي ما أطلعتهم..

والشهادة تأتي على نوعين:

أ- أشهد بكذا: أعلم بكذا، ولا تقبل إلا بهذا اللفظ.

ب- أشهد: يجري مجرى القسم، فيقال: أشهد بالله أن فلانًا كذا.

4-شهادة الله بمعنى إيجاد، مثل قوله: (شهد الله أنه لا إله إلا هو ) (آل عمران:18) ، فشهادته تعالى بوحدانيته، تكون بإيجاد ما يدل على وحدانيته في العالم وفي نفوسنا.

5-الشهيد: يطلق على المشاهد والشاهد، يقول تعالى: ( وجاءت نفس معها سائق وشهيد ) (ق:21) ، والشهيد من قتل في سبيل الله.

6-الشهداء: جمع شهيد، وتأتي بمعنى من يشهد وبمعنى الأعوان، قال تعالى: (وادعوا شهداءك ) (البقرة:23) أي أعوانكم، أو من يشهدون لكم، وتكون على الغير قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) (البقرة:143) .

7-الشهادة، أي شهادة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وقد وجدت د. نصر يولي الشهادة في القرآن الكريم عناية طيبة، فيرى أن لها أربع دلالات متكاملة، تؤدي معنى الحضارة، أو الشهادة في الفهم الإسلامي، وهي لا يمكن أن تتجزأ، وإلا فقدت مضمونها، وكل دلالة تمثل جزءًا من بناء مفهوم الحضارة، ولا بد من توافرها جميعًا، في نسق واحد، وهذه الدلالات هي (1) :

1)الشهادة بمعنى التوحيد والإقرار بالعبودية لله، والاعتراف بتفرده سبحانه بالألوهية والربوبية، وهي محور العقيدة الإسلامية، وعليها يتحدد التزام الإنسان بمنهج الله، أو الخروج عنه.

2)الشهادة بمعنى قول الحق، وسلوك طريق العدل، أو الإظهار والتبيين، أو الإخبار المقرون بالعلم، أو الملاحظة والمراقبة، وتعد مدخلًا من مداخل العلم، ووسيلة من وسائل تحصيل المعرفة.

3)الشهادة بمعنى التضحية والفداء، وتقديم النفس في سبيل الله حفاظًا على العقيدة، ودفاعًا عن تحرير الإنسان من عبادة العباد، وإخراجه إلى عبادة الله وحده.

4)الشهادة كوظيفة لهذه الأمة: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) (البقرة:143) .

وينصرف معناها إلى الشهادة في الدنيا والآخرة، ذلك أن واجب الشهادة لا تقوم به إلا الأمة الوسط، الخيرة المتميزة.

(وطبقًا لهذه المعاني الأربعة، فإن الحضارة هي الحضور والشهادة بجميع معانيها، التي ينتج عنها نموذج إنساني، يستبطن قيم التوحيد والربوبية، وينطلق منها كبعد غيبي، يتعلق بوحدانية خالق الكون، وواضع نواميسه وسننه، والمتحكم في تسييره، ومن ثم فإن دور الإنسان ورسالته هي في تحقيق الخلافة عن خالق هذا الكون في تعمير أرضه وتحسينها، وتزجية معاش الناس فيها، وتحقيق تمام التمكين عليها، والانتفاع بميزاتها، وحسن التعامل مع المسخّرات في الكون، وبناء علاقة سلام معها، لأنها مخلوقات تسبح الله، أو رزق لا بد من حفظه وصيانته. كذلك إقامة علاقة مع بني الإنسان، في كل مكان على ظهر الأرض، أساسها الأخوة والألفة، وحب الخير والدعوة إلى سعادة الدنيا والآخرة ) (1) .

الموقف من الحضارات الأخرى:

يبقى سؤال يفرض نفسه: كيف يمكن النظر للخبرات الحضارية خارج إطار الإسلام، هل نتجاهلها، كما يفعل الغرب مع الحضارة الإسلامية؟ هل نعترف بها ونفيد منها ؟

ابتداءً نجد القرآن الكريم يفرد لحضارات الأمم السابقة ثلثه للحديث عنها، في جوانبها الإيجابية والسلبية.

وورد أن أبا بكر رضي الله عنه نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: أراك شبت يا رسول الله، فرد عليه صاحب الرسالة: (شيبتني هود وأخواتها ) (1) . والذي يقرأ سورة هود يجدها تتحدث عن (ست ) حضارات، مضى عليها ألوف السنين، وكل واحدة أصابها (مرض قاتل ) ، فمن تلاعب بالموازين، إلى عبث بالأمن وإخافة للناس، إلى شذوذ جنسي، وتعاط للزنى علنًا ... إلخ. وكانت الثمرة أن كل أمة من هذه الأمم، أصابتها عقوبة موجعة، وضربة ربانية قاتلة.

ومعلوم أن بين هذه الأمم وبين عصر الرسالة ألوف السنين، ولكن الكتاب الكريم -وهو كتاب هداية بالدرجة الأولى- سرد أخبار هذه الحضارات وغيرها بتفصيل ليوجه رسالة للأمة الإسلامية، مفادها: من استقام على أمر الله فله السعادة في الدنيا والآخرة، ومن تنكب عن شرائع الله وهجرها، فمن السنن أن يناله العقاب في الدنيا -مع كونها ليست دار حساب وعقاب- وله مثل ذلك في الآخرة، لا فرق بين البشر، ومن هنا جاء تخوف صاحب الرسالة، أن تسقط أمته، وهي المنوط بها الشهادة على العالم، أن تسقط فيما سقط فيه غيرها، فيحل فيها ما حل فيهم.

أما تصور (البعض ) أنهم شعب الله (المختار ) فتلك من الأماني -والتمني رأس مال المفلس- فالله لا يحابي أحدًا، وعدالته تأبى ذلك.

حرب الروم والفرس:

قضية أخرى يسجلها القرآن النازل في مكة، ويفرد لها سورة باسم (الروم ) .. وفي ستين آية، تتحدث السورة عن صراع الفرس والروم، فيقول تعالى: (ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (الروم:1-6) .

فالمسلمون المحاصرون بمكة، والواقعون تحت الإرهاق والتعذيب، ينزل عليهم قرآن يتلى' إلى يوم القيامة، يتعلق باحتكاك مسلح بين أمتين على أطراف الجزيرة، واحدة صاحبة كتاب (الروم ) ، وأخرى مُشْرِكة (الفرس ) ، تكون الغلبة والانتصار من نصيب الفرس، فيحزن لذلك المسلمون وتفرح قريش وتباهي بهذا النصر، ثم لتتخذ منه عبرة فتقول: كما انتصر الفرس وهم مثلنا، على الروم وهم مثلكم، فكذلك سننتصر عليكم، فيأتي وعد من الله بأن النصر سيكون من نصيب الروم، وذلك في (بضع سنين ) . ويلاحظ أن القرآن غير سالك مثل التوراة في ذكر الأسماء والسنين، وحتى عدد الجنود والمقاتلين، ومع ذلك خرج على سنته، وحدد لفوز الروم بضع سنوات، وعقب على ذلك تعقيبًا، وهو الأهم، إذ قال: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) (الروم:4-5) . وهذا درس للأمة إلى قيام الساعة، كي لا تقف موقفًا سلبيًا لا مبالاة فيه مما يجري في الكون، والشهادة تقتضي ذلك.. وسوف أؤجل بعض الحديث إلى بحث الأهداف الكبرى من خلق الإنسان.

ومما له صلة بالموضوع أن نجد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين المضطهدين بمكة أن يهاجروا للحبشة، لأن فيها ملكًا لا يظلم الناس عنده، وتتكرر الهجرة، كما تحاول قريش استرداد المسلمين من هناك، فيرفض النجاشي ذلك ويمنحهم حماية كانوا بأمس الحاجة لها.

الحديث عن مصير الفرس والروم:

ليس من أهداف الإسلام الحديث عن الأمم -كما فعلت التوراة- لكنا وجدنا صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يتحدث عن أمتين مجاورتين: الفرس والروم، فيصف مصيرهما، كما يصف بدقة علاقة المسلمين بهما، يقول عليه الصلاة والسلام: (فارس نطحة أو نطحتان، ثم لا فارس بعد هذا، والروم ذات القرون، كلما هلك قرن، خلفه قرن، أهل صبر، وأهله أهل لآخر الدهر، هم أصحابكم، ما دام في العيش خير ) (1) .

وفي مسند الإمام أحمد حديث لصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم يقول: (أشد الناس عليكم الروم، وإنما هلكتهم مع الساعة ) (1) .

وما حصل بالفعل أن جيوشنا هزمت الفرس في القادسية ونهاوند، فقضت على الإمبراطورية الفارسية نهائيًا. أما الروم فقد قذفنا بهم خلف البحر، ويقول أحد مؤرخي الغرب، بأننا اصطدمنا مع الروم (الغرب ) بـ (3700 ) معركة كبيرة، وما زالت المعارك حتى اليوم مستمرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت