فهرس الكتاب

الصفحة 1455 من 1942

وفي الحال الثانية, لا يخلو الأمر من الزيادة في الخبر الأصلي, والزيادة بدون حق تعد كذبًا وتقولًا على السابقين, وأيضًا فيه المحاكاة إن كان 'التمثيل' حقيقة بتمثيل معين, والمحاكاة منهي عنها بإطلاق؛ لأن فيها التقليد في الحركات والشخصية والأقوال, وهذا باب من أبواب الغيبة الفعلية والقولية.

ويدلك على بغض الناس للمحاكاة والتقليد أن الطباع تنفر من مشاهدة من يحاكيها حتى في مواطن المحمدة, وإن عشاق اللهو من العظماء والمترفين لا يمكن التجاسر بمحاكاتهم على ملأ من الناس, ولو في مواطن الشجاعة والكرم, فكيف تهدم حرمات قوم مضوا 'وكل المسلم حرام دمه وماله وعرضه'.

والسؤال ليرد على من يعتني بمثل هذا النوع من الأعمال ويتلذذ بتمثيل غيره معينًا بتأليف أو إخراج أو مشاهدة, هل يرضى أن يُمثل في مشاهدته وهو يتحدث إلى زوجته أو قائم في صلاته أو حال تلبسه في معصية, أو في دور من أدوار حياته!!

ثالثًا: المروءة من مقاصد الشرع, وخوارمها من مسقطات الشهادة قضاء, والشرع يأمر بمعالي الأخلاق, وينهى عن سفاسفها, فكم رأى المشاهدون 'الممثل' يفعل بنفسه الأفاعيل في أي عضو من جسمه وفي حركاته وصوته واختلاج أعضائه, بل ويمثل دور مجنون وساقط وماجن.

ومن المسلمات أن 'التمثيل' لا يحترفه أهل المروءات والمراتب العالية, ولا من له صفة تذكر في العقل والدين.

رابعًا: الوقت من أنفس الموجودات, فهل الاشتراك في مثل هذه الأعمال أو الجلوس خلفها دأب الجادين والعالمين لماذا خلقوا في هذه الحياة؟ ناهيك أن التجهيز للمسلسلات والأفلام وغيرها يحتاج الساعات ولربما السنوات, وهذا عدو كاسر لوقت المسلم النفيس, لاسيما وقد صار حرفة, بل علمًا له تخصصاته وأساتذته, وكم أنفقت عليه من أموال, والنتيجة هراء في هراء ورعونة يأنف من مشاهدتها العقلاء.

وبعد هذه المقدمة المهمة التي تحدد معالم الشخصية الإسلامية تجاه ما يتعلق بحقيقة التمثيل, أشرع في الكلام عن فيلم الساعة.

فيلم المسيح:

لم يسبق لفيلم أن أثار ضجة دينية وتباينًا بالآراء مثل ما فعل فيلم المخرج الأسترالي الأصل 'ميل جيبسون' ـ ذو النزعة الدينية النصرانية ـ والذي وضع له عنوانًا مستمدًا من الإنجيل وهو: 'آلام المسيح'.

ولقد صاحب هذا الفيلم ضجة, ولم تكن ردود الفعل الإسلامية سلبية ـ ويا ليتها كانت كذلك ـ ولم يكن صوتها خافتًا, بل الرأي بلغ أعلى مداه من قبل المراجع الدينية في الكويت, وحتى في العراق وإيران وأيضًا في مصر, كل ذلك جاء موازيًا لعرض هذا الفيلم, الذي تكالبت عليه بعض المنظمات الصهيونية بالتشويه وردود الفعل الغاضبة, فولدت له نجاحًا هائلًا من خلال صراخها بالتأييد أو المعارضة, ففي العالم النصراني خصوصًا, تشوق العوام لرؤية هذا الحدث المثير الجديد, وفي العالم الإسلامي عمومًا والمترقب والمتعلق بأي شيء يغيظ اليهود, فصدرت الفتاوى التي تأذن بعرض هذا الفيلم على المسلمين, بغض النظر عن بحث محتوى السيناريو والقصة, أو هل يوافق عقيدتنا أم يضرب بها عرض الحائط؟!

وفي وسط هذه الضجة الكبيرة, والاهتمام الواسع المتزايد الذي أثاره فيلم 'آلام المسيح' والذي سيعرض حاليًا, سيجد الكثير من الآشوريين ومن الكلدانيين, فرصة نادرة لسماع لغتهم الأصلية التي تحدث بها السيد المسيح عليه السلام, وذلك لأن بعض لقطات الفيلم تدور أحداثه باللغة الآرامية القديمة.

ومن الأمور التي تثير النقاش المقارنة بين تلك اللغة في القرن الأول الميلادي وبينها الآن.

وينظر الكثير من أبناء الكلدان والآشوريين والسريان وغيرهم بفخر إلى لغتهم الأصلية وهم الآن فرحون لاحتواء فيلم شهير كهذا على لقطات يتحدث الممثلون بها.

وبعد أن ذكرت مقدمة موجزة عن التمثيل وبدايته قبل أن أذكر بعض الشروط الواجب عدم إغفالها من الوجهة الشرعية الإسلامية, أذكر بشيء من الإيجاز كيف أن هذا الفيلم اكتسح شباك التذاكر في أمريكا الشمالية فقط, وما قصة هذا الفيلم, ولماذا الضجة العالمية حوله؟

وفاة رفاعة الطهطاوي ـ رائد التغريب

الثلاثاء 5 ربيع الآخر 1425 هـ - 25 مايو 2004 م

الزمان/ 1 ربيع الآخر ـ 1289 هـ.

المكان/ القاهرة ـ مصر.

الموضوع/ وفاة الشيخ رفاعة الطهطاوي رائد التغريب في العصر الحديث.

الأحداث:

مقدمة:

إن تجربة الالتقاء الحضاري الشامل بين المجتمع العربي الإسلامي والحضارة الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي الموافق القرن الثالث عشر الهجري، وما خلفته من آثار ما زالت الأمة تتجرع مرارتها حتى الآن ـ لجديرة بالتأمل والتدبر وإمعان التفكير؛ ذلك لأنه قد صبغت وجهة العالم الإسلامي وحددت مساره النفسي والفكري والقيمي لفترة طويلة، وأفرزت عند الأمة هذا المسخ العقلاني القبيح المسمى بالعلمانية التي تسللت لحياة المسلمين واحتلت جانبًا كبيرًا من عقولهم وقلوبهم من حيث لا يعلمون، ولولا رحمة الله عز وجل لهذه الأمة ثم الدعوة والصحوة الراشدة التي صححت مسار الأمة بعدما كانت على شفا هلكة وغرق حتمي في مستنقع العلمانية النتن.

والجدير بالذكر أن كافة الانحرافات التي تتصدى لها الصحوة اجتماعيًا وأخلاقيًا وثقافيًا وإعلاميًا جاءت عند حدوث الصدمة الحضارية التي وقعت لبعض المسلمين عندما التقوا مع الحضارة الغربية، وهذه الصدمة أدت للانبهار والهزيمة النفسية والوعي المنقوص، والرغبة في رقي المسلمين كما ارتقى الغربيون، فوقع الخلل، وانحرف المسار، وتشوه التفكير، وانحرفت الأمة إلى طريق التبعية والتقليد الأعمى للغرب، فصارت حضارة المسلمين مثل حضارة القرود تقلد ما تراه ولا تعلم معناه، ونحن على هذه الصفحة نقلب دفاتر أول رائد للتغريب، وأول من تلقى الصدمة الحضارية، لنعلم مدى الأثر البالغ التي خلفته تلك الصدمة المشئومة.

رفاعة رافع الطهطاوي:

في أتون المواجهات العسكرية العنيفة بين الشعب المصري المسلم في صعيد البلاد وبين قوات الحملة الفرنسية النابليونية وبالتحديد سنة 1216 هـ ولد رفاعة رافع بمدينة 'طهطا

' من أعمال مديرية 'جرجا' بمحافظة 'المنيا' بعائلة تؤكد شرف انتسابها لآل البيت من الفرع الحسيني، وهذه الدعوة منتشرة بأرض مصر خصوصًا، ولهم نقابة خاصة بهم تعرف بنقابة الأشراف بعضويتها ستة ملايين مصري!!! كلهم يدعي الانتساب لآل البيت، والله يعلم من منهم ينتسب ومن منهم ينتحل، والظن أن أغلبهم منتحلون.

نشأ رفاعة كعادة أبناء جيله على حفظ القرآن الكريم حتى أتمه، وحفظ بعض المتون الشرعية المتداولة حتى توفي أبوه وهو صغير السن، فانتقل للدراسة بالجامع الأزهر، ولم تمر عليه بضع سنين حتى ظهرت نجابته وقوة فهمه وتحصيله العلمي حتى فاق أقرانه، وانتقل إلى طبقة المدرسين وهو في العشرين من عمره، ولكن ضيق ذات اليد كانت تكدر عليه صفو حياته وتعطل مسيرته العلمية وتفرغه للتدريس.

الشيخ المجهول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت