السمة الأخرى، هي في التكوين الفكري للأغلبية، فنجد مفهوم أهل السنة لرسالة الإسلام منصبًا على أصل الرسالة، الذي هو العلاقة بين الإنسان وخالقه، التي من أجلها خلق، ثم على نظام الحياة الذي أتت به الرسالة، واللذان يقتضيان وجود نظام سياسي يصون منظومة الرسالة ويوسع رقعتها ويذود عنها.
أي أن النظام السياسي خادم للمنظومة، وسيلة لا غاية، وما فعله أهل السنة المؤسسون في صدر دولتهم كان ممارسة سياسية لتصويب مسار عقدي وفقهي منحرف، والعودة بالمجتمع إلى الطيف الأوسط.
على هذا الأساس حددت الأولويات الفكرية في هذه المدرسة، وكان انشغال المؤسسة العلمية هو في أصل الرسالة، وهي الحالة الطبيعية التي عليها الحضارات في حقب الاستقرار، التي تتفوق فيها المؤسسات العلمية حجمًا وإنفاقًا على ما سواها، وتستقطب الطاقات والعقول، وتضمر فيها المؤسسات الأمنية. لكن هذه النسب تبقى عرضة للتغيير، وقد تنقلب في أوقات الخطر.
هذا المفهوم يوجد مقلوبًا أساسًا عند الأقليات، وفي هذه الأمة نراه مجسدًا عند الأقليات الباطنية (الشيعة) ، حيث تقويض النظام السياسي للدولة هو الأصل، والمذهب هو احتجاج سياسي، ألحق به على عجالة نظام عقدي وآخر فقهي يسبغان عليه الصبغة الدينية، وينقلانه إلى الحياة اليومية للإنسان البسيط، حيث تتداخل السياسة بطقوس الاستغاثة والأدعية التي يمارسها الإنسان الشيعي البسيط، وتبقى روح الثأر والاستنفار النفسي قائمة تجاه محيط الأغلبية، فهما (أي العقيدة والفقه) وسيلتان لغاية.
العجالة في تأسيس المذهب تظهر بجلاء في التناقضات الكثيرة التي يحملها النظامان الفقهي والعقدي، ويصبح من الطبيعي أن تتصدر الغاية (الاحتجاج السياسي) اهتمامات المذهب الأخرى.
هذا الفارق في الأداء والاستنفار الفكري والسياسي بين الأغلبية والأقليات، كانت قد سدت مسده دولة الحضارة العربية الإسلامية بالنسبة لأهل السنة. لكن تلك الدولة زالت، وبزوالها ارتدت المهام السياسية التي كانت تحملها - بتخصصاتها وتعقيداتها - دفعة واحدة على المؤسسة الدينية المثقلة أصلًا بالأزمات، مسببة اختلالًا في معادلة الحكم في الدولة، واختلالًا خطيرًا في الأداء السياسي.
التداعيات الكارثية لزوال الدولة - التي نشهدها اليوم - كانت قد حدّت منها أو أرجأتها الحقبة الانتقالية الهشة التي شكلتها الدولة المدنية المعاصرة، إلى اللحظة التي سقطت فيها هذه الدولة - كما في العراق - ودخول المجتمع حقبة دولة الطوائف التي تلقي بظلالها الكثيفة على المنطقة.
يمكن القول: إن الشخصية السنية والدولة مكونان لسبيكة فاعلة ثنائية المعدن، انفصامها لا يعني تفريق خصائصها بالتساوي على المعدنين، وإنما ردهما عناصر أولية خاملة.
هذه الشخصية لا يمكن أن تبدع أو تنافس في أجواء الشللية والطائفية والكانتونات أو الفيدراليات التي تزدهر فيها الأقليات.
المسار الذي سلكه المؤسسون الأوائل، والشخصية الوسطية التي أسبغوها على أنفسهم وعلى نظامهم السياسي كانت أسباب حياة لدولة ثم حضارة، ولم يكن مصادفة أن أَخرجت هذه المدرسة - رغمًا عن نظريات الاجتماع - من عقم الفسيفسائيات العرقية حضارة متعددة الأعراق، هي على الجملة من أعظم ما قام على وجه الأرض، ومن الهشاشة الاجتماعية لمجتمع الأقليات سبيكة متماسكة فاعلة.
الجمع بين التقدم العلمي والتماسك السياسي والحذر الأمني الذي سارت عليه دولة الحضارة العربية الإسلامية، هو خلاصة ما توصلت إليه أمم القرن الواحد والعشرين وتنكب عليه ولكن بصيغ مختلفة، بدءًا برصد الهوية الثقافية والسياسية للفرد بطرق غاية في الدهاء، وانتهاءً بتتبع هواياته العامة، وحفظها بتقنية رقمية تلاحق صاحبها أينما حل وارتحل.
مازالت مؤسسات المؤسسون الأوائل تُدرس خارج إطار الأسباب الأيديولوجية التي دفعت باتجاهها، وبعيدًا كل البعد عن الأجواء النابضة التي نفذتها، ومازالت - هذه المؤسسات - عند الشاب المسلم البسيط وسيلة قربى إلى الله - وهي إن شاء الله كذلك - يغوص في فنونها، وهو أمر يعني المتخصصين، عوضًا عن أن يوجه هذا الشاب نحو دراسات عليا تضع تلك الصروح في قوالب معاصرة لخدمة ذات الغايات التي تتكرر اليوم.
أهل السنة اليوم أمام حقبة جديدة، فلا الدولة التاريخية عادت موجودة وحامية لهم، ولا الشللية الطائفية آوية لهم، ولا أجواؤها مناخًا لإبداعاتهم، ولا تراخي الأغلبية الموروثة يخدم واقعهم.
واهم من يظن أن بمقدور أهل السنة العيش بأجندات الغير، فهم وبخلاف الغير أمام مسئولية مزدوجة، خاصة وعامة، فهم وعاء الفسيفساء الكبير، وفي تعافيهم السياسي تعافٍ للأقليات التي عاشت في كنفهم قرونًا طويلة ومنجاة لهم وللجميع، وفي سقمهم السياسي، التشظي، وسيناريوهات الشللية والطائفية وحماماتها الدموية، والواقع شاهد على ذلك.
أما على الصعيد العالمي، فأهل السنة أمام مسئولية أممية، وهذا العالم لن يعرف الاستقرار والفراغ السياسي يضرب سدس سكانه الذين يعيشون على رقعة جغرافية اسمها العالم الإسلامي.
أهل السنة اليوم جسد من دون رأس، يتعاملون مع تركتهم الحضارية الضخمة التي أدخلتهم نادي الأمم، كأدوات فقهية أو أكاديمية ليس إلا، خارج مناخها الأيديولوجي، فضلًا عن أن يضيفوا إليها، ولا عجب بعد ذلك ألا يستحثهم مناخهم الراهن، بكل محفزاته، إلى نفرة كنفرتهم الأولى، وجولة جديدة من الإعمار السياسي.
النخب الثقافية والعلمية والسياسية لأهل السنة مدعوة أمام التاريخ للنزول من أبراجها، وتبوء دور يليق بقدراتها الفكرية، يتناسب مع طبيعة الأزمة، يصوب المفاهيم، ويعدل البنية الفكرية بما يلائم الواقع جديد.
في البداية انتفضت الأمة لمواجهة خصم مشتط لكنه صدوق، واليوم تواجه خصمًا كذوبًا وإن صدق (الصفويون الجدد) ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
(*) أزمة الخوارج في تكفير فاعل الكبيرة، والانطلاق منها لتغيير النظام السياسي
عبد الرحمن الثالث .. كتاب بالانجليزية عن خليفة قرطبة الأول
الأحد 21 من شوال 1427 هـ 12 - 11 - 2006 م الساعة 11:12 ص مكة المكرمة 08:12 ص جرينتش
صدر حديثا بالانجليزية عن دار منشورات العالم الواحد في لندن للكاتبة ماربيل فييرو كتاب بعنوان عبد الرحمن الثالث: خليفة قرطبة الأول والكاتبة باحثة متخصصة بتاريخ الأندلس وحضارتها ومن مؤلفاتها تشكيل الأندلس: اللغة، الدين، الثقافة والعلوم واشتراكها مع كتّاب آخرين في كتاب بعنوان الإسلام ..
تقدّم الكاتبة تأريخًا شاملًا لواحدة من أبرز الشخصيات التي صنعت الحضارة والحكم العربيين في الأندلس. أشارت فييرو إلى أن الحضارة الأندلسية وصلت إلى أوجها في عهد عبد الرحمن الثالث الذي أحال مدينة قرطبة - عاصمة الأندلس في عهده - منافسًا رئيسيًا للحواضر الإسلامية الكبرى كبغداد والقاهرة في الثقافة والعلوم وتجاوزت في مناح عديدة مدن الشرق الإسلامي.
ووضعت فييرو توطئة لازمة عن عبد الرحمن الأول وعبد الرحمن الثاني معتبرة أن عبد الرحمن الثالث قد استطاع أن يتفوق عليهما بانجازاته ومساهمته البارزة في الحضارة الأندلسية، رغم أن الأول وصل للأندلس هاربًا من الحكم العباسي وأصبح أميرًا للبلاد مواصلًا حكم الدولة الأموية الذي انتهى في دمشق، فيما الثاني جعل من قرطبة دمشق ثانية عمارةً ونمط حياة.