فهرس الكتاب

الصفحة 1532 من 1942

-العمل على إتقان أدوات الحوار تلك، وعلى رأسها اللغات الحية كالإنجليزية والصينية واليابانية والإسبانية وغيرها. وعلى هذا أن يكون من أولويات المرحلة المقبلة في العمل العربي والإسلامي.

إننا محامو هذه الأمة، والمحكمة هو هذا العالم بدوله القوية، والخصم هو سوء الفهم والجهل بالإسلام، ولا يتصورنّ أحد أن هذا محض افتراء أمريكي إذ إن إطلالة على تصورات اليابانيين وخصوصًا الأكاديميين عن الإسلام يجدها لا تختلف كثيرًا عن تصورات الأمريكان، فهناك واقع من التشويه النسقي للإسلام بالدجل حينا، وبواقع المسلمين أحيانا. وأتصور أن الثقافات التي لا تحمل عنا صورة تاريخية -كاليابان والصين- تحتاج منا إلى عمل ثقافي مركز من أجل تحسين صورة الإسلام هناك، وقطع الطريق على كل من يريد الإساءة إلى دين الحب والمساواة والجمال والتسليم لله.

إن واقعنا يقول: إن الإسلام قضية رابحة ابتليت بأسوأ المحامين، وإذا كان المحامي في حاجة إلى إفهام القاضي؛ فإننا -لا شك- في حاجة إلى إتقان أداة الإفهام، وهي: اللغات.

-لقد أثبتت حرب العراق أن العالم الغربي مليء بالمتعاطفين، كما هو مليء بالجاهلين، وأزعم أن عصابة قليلة العدد قد استطاعت إقناعهم بضرب العراق، لا بالإفصاح عن الأسباب الحقيقية وراء إعلان الحرب من قبيل السيطرة وإظهار القوة، ولو فعلت لما وجدت نصيرًا حتى من الجاهلين، فدل هذا على أنه حتى الذين ساندوا الحرب؛ فإنهم في العمق من أصدقائنا، أوقفهم عن نصرتنا جهلهم بواقع ساستهم، فهم لم يساندوا الحرب إلا لأنها تحرير للعراق، ومنع لنظام صدام من استعمال أسلحة الدمار الشامل. هذه المبررات التي صدقها جزء من الأمريكيين تدل على أنهم معنا في الأصل لا ضدنا. ولا يعي هذا إلا من درس التاريخ. إننا لا زلنا نصدق أن المعتصم هاجم عمورية من أجل امرأة صاحت وامعتصماه، فأتى لينقذها، في حرب عمورية التي جهز فيها جيشًا بكامله، وتهيب منها المعتصم حتى استشار المنجمين وأهل الرأي في جدوى الحرب، وجاءه تحفيز أبي تمام صريحًا:

السيف أصدق أنباءً من الكتب ... ...

في حده الحد بين الجد واللعب

هذه الحرب هي في أذهان المسلمين عبر التاريخ وإلى الآن فقط من أجل امرأة، وإذا صح هذا في ميزان التاريخ الفعلي -لا الرمزي-؛ فإن الحرب على العراق هي فعلا من أجل تحريره. صحيح أن إيذاء امرأة مسلمة حفز المعتصم للانتصار لها، وصحيح أن هذا يحفظ في سجل حسناته، ولكن حرب عمورية كان مخططًا لها قبل ذلك، والمعتصم وهو قائد عظيم وإمبراطور ذكي لن يعرض جيشًا من المسلمين بكامله للمهالك من أجل امرأة واحدة لولا تصميمه السابق على الحرب، ووعيه بأهمية عمورية لدار الخلافة؛ فجاءت حادثة المرأة لتتحول إلى حافز رمزي رائع، له أبعاد رومانسية في غاية الشفافية استثمره المعتصم من أجل نفخ الحماس في هذا الجيش، وبث الرعب في العدو:"إن جيشًا إمبراطوريًا يحارب من أجل امرأة مظلومة من الصعب الانتصار عليه"كما هو الشأن بالنسبة لجيش عولمي يحارب من أجل الديمقراطية وتحرير الشعوب. ترى لو لم تظلم تلك المرأة هل كانت عمورية ستبقى مسيحية إلى الأبد؟ وإذًا فنحن أيضًا قابلون لأن نصدق ما يقوله زعماؤنا خصوصًا إذا كانت لهم شرعية ما، ولقد صدقنا كل ما كان يقوله (الصحاف) ، وكنا نتلذذ بصور ذهنية شكلتها بلاغته العجيبة عن جنود أمريكان يحرقون في دباباتهم؛ بل كدنا أن نصدق بأن الأمريكان هربوا، وأن الصحاف بعباراته النارية في أثرهم يرديهم قتلى بشتائمه، لقد صدقنا الصحاف لا لأنه كان يقول الحقيقية؛ بل لأنه كان يقول لنا ما نريد أن نسمعه، ولو كذبناه في تلك اللحظة لرمينا بالخيانة من أقرب أقربائنا، واتهمنا بتثبيط العزائم!.

إن نجاحنا في إقناع أغلب الأمريكيين في أن يفهموا ظلم سياستهم الخارجية؛ هو تمامًا نجاحنا في القضاء على أمريكا في صورتها الحالية. إن نجاحنا في خلق وعي أمريكي مختلف عن طريق الفعل الرمزي؛ هو تمامًا نجاحنا في خلق واقع أمريكي مختلف، وهذا ليس مستحيلًا؛ لأن اليهود استطاعوا عن طريق الرموز الدينية والثقافية تحويل جزء لا يستهان به من صناع القرار في أمريكا من مسيحيين محافظين إلى مسيحيين صهاينة ، ليس بصهينتهم ولكن عن طريق صهينة مسيحيتهم.

بعث الحضارة الإسلاميّة من جديد... دور النُّخبة

د. بدران بن الحسن 9/11/1426

لقد قضى العالم الإسلامي وقتًا طويلًا من عمره الحضاري باحثًا عن نقطة بداية لإعادة بناء حضارته من جديد، وإعطاء نفسه الحضاري دفعة تخرجه من حالة التراوح والتبطل التي استنفدت قدراته في جهود مضنية.

وكان لمالك بن نبي -عليه رحمة الله- رأي في مسألة التخلف الحضاري الشامل التي يعانيها العالم الإسلامي، ورأى منذ الأربعينيات من القرن الماضي أن العالم الإسلامي يهدر طاقته في حل مشكلات جزئية متغاضيًا عن المشكلة الكلية التي تحتوي كل تلك المشكلات، ألا وهي مشكلة الحضارة.

ورأى أيضًا أنه طالما أن العالم الإسلامي يفتقد إلى الرؤية الواضحة لما يريد أن يقوم به فإنه لن يتمكن من صياغة مشروع للنهضة أو الخروج من التخلف، ولن يتمكن من تحديد وجهته ولا بناء منهج لبناء الحضارة، وذلك في تصوره راجع إلى أن"الرؤية تحدّد المنهج والوجهة".

وبعبارة أخرى، فإن تصورنا لمشكلة العالم الإسلامي تصوّر جزئي ومفكّك، ولذلك فإن فهمنا للمشكلة فهم جزئي وعقيم؛ لأنه لا يحيط بكل أبعاد المشكلة، ولذلك فإن الحلول التي طُرحت كلها حلول جزئية؛ إن اهتمت بجانب أغفلت -عن قصد أو غير قصد- جوانب أخرى لا تقل أهمية عن الجانب الذي أولته اهتمامها. فأنتجت هذه التصورات الجزئية رؤى متناقضة ومشوهة وقاصرة في أغلب الأحوال، وغير قادرة على صياغة منهج لحل المشكلة الأم، ولا لحل المشكلات الجزئية المتراكمة.

ولذلك فإن أسئلة كثيرة تطرح نفسها بقوة على كل متأمل في ما نحن فيه من تردٍّ وتهلهل وتخلف شامل في العالم الإسلامي؛ فلماذا لم نستطع امتلاك هذه الرؤية المتكاملة لمشكلتنا في العالم الإسلامي؟ ولماذا لم نستطع بناء منهج قادر على الخروج بنا من المحنة التي نحن فيها؟

لعل هذا النوع من الأسئلة تراود كل من اهتم بأمر المسلمين، وسعى إلى المساهمة في فك خيوط الأزمة التي أُحكمت. ولا شك أن كثيرًا من الإجابات راودت كل من طرح هذه الأسئلة على نفسه.

وفي تصوري، فإن الإجابة عن الأسئلة السابقة يمر حتمًا بالإجابة عن سؤال أو أسئلة أخرى تتعلق بمن يتولى صياغة الرؤى الحضارية، ومن يقوم على بناء مناهج التغيير؟ هل هم عامّة الناس؟ أم هم النخبة من المجتمع؟

وإذا استقرينا التاريخ؛ تاريخ التغيرات الكبرى في تاريخ المجتمعات رأينا أن هناك دائمًا"فرقة"تقوم بالمبادرة بحمل لواء التغيير، وتتبنى الأفكار والمشاريع والبرامج الجديدة التي تسوّغ على وفقها نمطًا جديدًا للتفكير وصورة جديدة عن العالم، وبالتالي منهجًا جديدًا لمعالجة الأمور.

ولنا في الأنبياء وأتباعهم أسوة حسنة، ولنا في تاريخ النبوات، وتاريخ الأفكار الكبرى، والأمم التي تعاقبت الريادة الحضارية في العالم، والمجتمعات التي سادت ثم بادت. لنا في كل هؤلاء خير دليل على أن هناك"نفرًا"من كل"فرقة"يقومون بتغيير"القوم"وبصياغة منهج جديد للحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت