-التعاون مع الحكام تعاونًا صادقًا دون السكوت على مظاهر الانحراف في إطار الحرص على المصلحة الوطنية، وإسداء النصح الناضج والعملي للحكومات.
-على العلماء ألا ينضموا لحركات أو أحزاب معينة؛ لأنهم ضمير هذه الأمة، وروحها الموحدة، فمن غير المقبول أن يستمر العلماء محسوبين على إطار دون آخر؛ باستثناء نوع من العلماء الذين إذا تكلموا أو كتبوا لا يتأثرون بأولويات تنظيماتهم، ويكاد أن يستحيل هذا النوع وجودًا.
-على الشباب المستقيم والمثقفين النزهاء أن ينضموا إلى كل الأحزاب القائمة، ويعملوا في إطارها صبرًا واحتسابا، فليس المشكل في الأنظمة فقط؛ بل إن الأحزاب على اختلاف أطيافها أيضا تحتاج إلى إصلاح.
-الحرص على خلق فرص الحوار الدائم والمستمر في كل فرصة بين كل الحساسيات الإيديولوجية والفكرية بدون هدف في الاستقطاب أو الكسب الجماهيري، وليكن الحوار منظمًا متسقًا مع أنماط أخرى من الحوار غير الرسمي.
-على الأحزاب الإسلامية أن تقلل وربما أن توقف تعيين أعضائها في المناصب الانتخابية، وأن تعمل بدلًا من ذلك على ترشيح المستقيمين من خارج أطرها، بشرط أن يكونوا من الوجهاء، ومنحدرين من أسر علم وتدين وصلاح. إن بريق المناصب يخطف الألباب، وخصوصًا أولئك المحرومون والذين مهما أظهروا من زهد فإن نفسياتهم قد تركبت في جو من الحرمان يمنعهم من الوفاء بأمانة المسؤولية، وأدائها على الوجه الأحسن، ثم إن العمل للإسلام ينبغي أن يتخلص من كل سعي إلى المكسب الدنيوي وهي ضريبة يقدمها المصلحون في كل زمن وعلى رأسهم الأنبياء. وأنا هنا أتحدث عن الغالب، لا أن نحرم كل داعية من منصب سياسي قد يستحقه بشرط ألا يتخذه بابا للكسب. والمراد أن يتحول التيار الإسلامي إلى قوة ضغط شعبية، وليس إلى مجرد طرف من أطراف اللعبة السياسية.
-على الحركة الإسلامية أ أن تعمل على إحياء الورع من جديد والذي به نستطيع محاربة الفردية والاتجاه نحو الاستمتاع المادي الاستهلاكي، وهو ما لم تستطع الحركة الإسلامية التحديثية محاربته؛ بل إنها هي أيضا خلقت المسلم المادي الذي لا يكفيه راتبه مهما كان، والذي يعيش في دوامة استهلاكية لا تتوقف، تجعله غير قادر على العمل الصحيح من أجل حل مشاكل مجتمعه، أو ربما قول كلمة حق في مكانها.
ما العمل بعد حرب العراق؟ بدأنا بالإجابة على هذا السؤال على المستوى الداخلي، وناقشنا أولويات الحركة الإسلامية وكيفية تجاوبها مع الغير على قانون استخلاف الله للمؤمنين على هذه الأرض واليوم نتابع معكم الحلقة الثانية بمتابعة مجالات استراتيجية العمل لما بعد العراق على المستوى الخارجي..
على المستوى الخارجي
-إيجاد قنوات جديدة للحوار البناء مع الهيئات والمنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان، والعودة إلى قيم الفضيلة: إن في أمريكا وأوربا واليابان وكوريا عددًا هائلًا من المنظمات العالمية والمحلية غير المتحيزة إيديولوجيا، والتي تشتغل بجدٍ من أجل ما تريده أوطاننا وأوطانهم من تحرر وديمقراطية، وعلى جيل الصحوة العربية والإسلامية أن يعي بقدرة العمل الرمزي على إحدات الأثر الواقعي؛ فمثلا تنظيم ندوة عالمية عن الشعر أو الرواية، أو الصناعة التقليدية، أو حتى عن الطبخ المغربي أو غيره، ودعوة المختصين في هذا الميدان أو ذاك من كل بقاع العالم، والحرص على إبقاء أواصر الود قائمة بيننا وبينهم كفيل بجعل حلقات الحوار تتسع والتعرف إلى قيم الإسلام العالمية تمتد. لم يعد تجييش الناس في مظاهرات لشتم الغرب وإظهار مؤامراته عمليًا في جعل الآخر يعرفنا؛ لأننا ونحن تحت ظرف الهزيمة أحوج إليه لنعرفه بأنفسنا، لا أن يعرفنا من خلال جهلنا به.
-إعادة النظر في القول بأن"الكفر ملة واحدة"، والحقيقة أنه يستدل به في غير موضعه، وهذا جهل بالتاريخ وسننه، وتجاوز للرؤية القرآنية للآخر، وإمعان في التعميم السطحي القائم على اختزال الظواهر الاجتماعية والتاريخية؛ فالقرآن والتاريخ -الترجمة الحية لمعانيه السامية- يقسمان الكفار إلى فرق عديدة، فمنهم العدو، ومنهم دون ذلك، ومنهم الأقرب مودة ومنهم الأبعد، ومنهم أمة قائمة ساجدة، ومنهم أمة لا تألونا خبالًا ودوا لو نكفر، ومنهم أمة تفي بالعهد، وأخرى لا تقيم لذلك وزنا، وليس عليها في الأميين سبيل. إن الوعي التقسيمي للأمم قائم على العلم بتاريخها ومللها ونحلها وطبائع العمران الفاعلة في مخيلتها، أما جمع الأمم الأخرى في سلة بعينها، وادعاء أن"الكفر ملة واحدة"، والاستدلال به في غير موضعه؛ فلا يحتاج إلا إلى قليل من الجهل، وحفنة من قلة الفهم، وجزء يسير من تجاهل التاريخ، وبعض هين من الذهول عن معاني القرآن، وهذا لعمري عمل يسير وأعتقد أن أمتنا -التي تستفحل فيها الأمية- قادرة على فعل هذا وزيادة!.
-الشروع في قراءة الغرب: علينا أن نخجل من أنفسنا؛ لأننا لم ندرس الغرب دراسة شاملة كما فعلت مراكز الدراسات الشرقية في دراسة الحضارة الإسلامية. إن أقسام الدراسات الإسلامية في الغرب تمتلئ بعلماء فطاحل ومحققين كبار، والذين مع كامل الأسف نكتفي برميهم بكلمة جهل واحدة: مستشرق، لكي نبعد حتى الذباب من الاقتراب من كتبهم التي أفنوا فيها أعمارهم، والتي كتبت حتى يستفيدوا منها في التخطيط للهيمنة علينا، أو على الأقل لاتقاء شرنا المفترض. ولو رجعت إلى جامعاتنا لما وجدت فيها قسمًا قائمًا للدراسات الغربية، أو الدراسات النصرانية، وكل ما هنالك كتب بالية في إظهار انحراف مللهم مع أن أغلب الثيولوجيين المسيحيين يؤمنون بتحريف كتبهم، ومع ذلك فلهم تفسير آخر في فهم الظاهرة الدينية، أما نحن فإننا نحاور المسيحيين وكأنهم مسيحيو القرون الوسطى، ونستعمل في ذلك كتب أجدادنا العظام الذين حاوروهم بمقتضى ما يتطلبه عصرهم، وكأننا في العلوم النظرية كمثل من يحارب صاروخًا بنبل صادق الرمي.
-الإيمان غير التكتيكي بقيم الديموقراطية الغربية وحقوق الإنسان مع التوفيق بينهما وبين قيمنا وديننا الحنيف. إن التجربة الإسلامية في هذا المجال مبشرة، إذ إن الحركة الإسلامية في قطاعها العريض مؤمنة بضرورة التعددية وشرعيتها، غير أن لي ملاحظة على هذا؛ إذ يبدو أن الإيمان بالديمقراطية تكتيك مرحلي قد ينتهي بالإسلاميين إلى إلغاء الديمقراطية بالديمقراطية على طريقة الأمريكان في محاربة أسلحة الدمار الشامل بأسلحة الدمار الشامل، أو إنهاء حرية العراق عن طريق تحريره. ودليلنا على ذلك أن الحركة الإسلامية رحبت بانقلابات عسكرية أوصلت"إسلاميين"إلى السلطة في حين نددت بانقلابات عسكرية ضد الإسلاميين، حدث هذا في المغرب، حيث تغنى الإسلاميون"الديمقراطيون"بانقلاب السودان على"الديمقراطية"في الوقت الذي نددوا فيه بانقلاب عسكر الجزائر على"الديمقراطية"، أما الإخوان المسلمون فإنهم يرفضون حالة الطوارئ في مصر المحروسة، ويرحبون بها في السودان الشقيقة، لا لشيء إلا لأن طوارئ مصر لا تمكنهم من التداول على السلطة، أما طوارئ السودان فعلى الرحب والسعة؛ لأنها أوصلت أحد قادتهم إلى ضمان وزارة من الوزارات، وأبعدت غريمًا لهم عن سدة القرار. إن هذا الواقع لينبئ بازدواجية رهيبة في الخطاب الإسلامي، توحي بأن الإسلاميين يحتاجون إلى الشجاعة الفكرية من أجل تمثل القيم الديمقراطية، لا باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة؛ بل باعتبارها أسلم وأكمل ما وصل إليه الفكر البشري في بناء الدول واستمرارها.