فهرس الكتاب

الصفحة 1530 من 1942

د. المصطفى تاج الدين* 23/5/1424

لعل من أهم الأسئلة المركزية المطروحة في مرحلة ما بعد حرب العراق سؤال: ما العمل؟ وكيف السبيل إلى الإبقاء على الذات العربية الإسلامية مكتنزة بكل آمال النهوض رغم هذا الواقع الكئيب؟ سؤالان لم يعد هناك مجال لتجاهلهما أو محاولة إخفائهما بادعاء امتلاك الجواب الجاهز، أو ربما بإنكار شرعية السؤال ذاته.

يقدم القرآن الكريم توصيفين لمستقبل هذه الأمة، وكلاهما متعلق بشرط سنني لا تتحقق نتيجته إلا بتحقق شرطه الموجب، فهناك الوعد بالنصر شرط التحقق بشروطه"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم"، وهناك إمكانية الهزيمة التي تركها القرآن الكريم ممكنة إذا تحققت شروطها"ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا"، فربط نصرهم بالاستطاعة، والتي هي بدورها مرتبطة بدور المسلمين -الموجه لهم الخطاب- في إيجاد هذه الاستطاعة وخلقها.

إن أي قراءة للقرآن الكريم بخلفية النصر المحتوم موقف غير قرآني، وإن بدا مبشرًا ومدغدغًا للعواطف الزائلة؛ لأنه يقع في خطأ تجاهل مرير لقوة الآخر ووهن الذات، وإن الإيمان باحتمال الهزيمة يشحذ الهمم لتجنب أسبابها. كما أن قراءة القرآن بنفسية الهزيمة المحتومة لا شك موقع في اليأس من رحمة الله الواسعة، وتصور قدري ينفي القدرة على التغيير والإصرار على الإصلاح. فاعتبار التوصيفين مؤذن بخلق التوازن في الشخصية المسلمة حتى لا تستسلم لموقفين سلبيين موقف الشعار، والذي يجعل الحناجر تصرخ بالويل والثبور على كل شيء، وتصيح بأننا منصورون وأننا سنفعل ونفعل، وأن أمريكا ستسقط ليس في العراق هذه المرة، بل ولا قدر الله في سوريا وربما في مصر أو السعودية، هكذا حتى تسقط كل القلاع. الموقف الشعاري موقف منكفئ على نفسه، رومانسي الطابع يستلهم شخوص التاريخ: عمر و صلاح الدين، دون الوعي بالظروف التي صنعت الرجلين العظيمين وأمثالهما. إن مثل هذا الموقف كمثل موقف بطل في الملاكمة لم يقبل بالهزيمة فقط؛ لأن تاريخه مليء بالانتصارات، ولم تسمح له كرامته بالانسحاب. و قد يكلفه هذا حياته، يمنعه من رجعة أخرى والأيام دول!.

وموقف الهزيمة الذي لا يرى في التراجع سوى نهاية التاريخ، والصراع عنده لحظات تاريخية متقطعة لا تعاد في الزمن، وإن مثله كمثل بطل في الملاكمة رفض النزال لأنه سيهزم كما هزم في معركة سابقة.

ولو ادعينا القدرة على أن نضع تصورًا تفصيليًا لاستراتيجية مستقبلية للعمل من أجل العودة التاريخية لهذه الأمة؛ لكان محض تقول لا تسمح بتحقيقه طبيعة الأشياء، فحسب هذه الحروف أن تكون إطارًا لبرنامج عمل يفضله العاملون على بعث هذه الأمة والمرابطون على ثغورها المختلفة.

على المستوى الداخلي:

لقد أصبحت الدولة القطرية أمرًا واقعًا، والوحدة الإسلامية -بل والعربية- أمرًا ثقافيًا ونفسيًا، والدليل على ذلك فلسطين، والآن العراق، وقبل ذلك الكويت، حيث إن صدق العواطف في مساندتها سرعان ما تتكسر على المعطيات المحلية التي أفرزتها الدولة القطرية. فنحن لا نستطيع أن نفعل شيئا ذا بال رغم أعدادنا الغفيرة، وإيماننا بعدالة القضية. وإذا كان الأمر كذلك فإن خطابات التخوين والتفسيق بسبب الوقوف إلى جانب أمريكا ومساعدتها في ضرب العراق يجب أن تتوقف، ليحل محلها خطاب جديد يرنو إلى المستقبل، ويشكل نواة فكر وحدوي جديد سنبرز بعض ملامحه. هل الكويت مذنبة لأنها قدمت أرضها للمحتل للهجوم على العراق؟ وهل الأكراد متواطئون لأنهم فتحوا الشمال للعدو أو ربما"الصديق"ليلتف على أرض العراق؟ نعم إنهم كذلك، و لكن من لم يخن فليرم الكويت والأكراد بحجر. ترى من أين مرت السفن الحربية الأمريكية؟ ألم تمر من البحر المتوسط عبر بلدان عربية؟ ومنها بلدان"ثورية"؟!

إن عقلية البحث عن المذنب عقلية غير مثمرة، والسبب بكل بساطة: كلنا مذنبون. إننا ومن موقع قومي ضيق ننتقد تركيا؛ لأنها تريد الاستفادة من الوضع العربي لتعزيز دورها الإقليمي في الشرق الأوسط، ونحن ننسى أننا نحن الذين ضربنا الخلافة العثمانية في العمق، حينما أقنعنا لورنس العرب بإقامة الدولة العربية الحديثة على حساب دولة الخلافة (أقول هذا وأنا على علم بالاستبداد التركي ونتائجه في تحطيم دولة الخلافة) نعم لكل منا نصيب من الخطأ ينبغي أن يعترف به، ولكل دولة عربية وإسلامية نصيبها مما نحن فيه. أجل لقد أصبحنا -ومع كامل الأسف- متساوين في الخيانة بعد أن كنا متساويين في صنع قصة الكرامة العربية الإسلامية. فهل نوقف السباب والشتائم؟ ترى إن لم نتوحد في الهزيمة، فهل نأمل فيها بعد النصر إن كان ثمة نصر؟

ينبغي إذًا التركيز على خلق تصور جديد لعلاقتنا بالأنظمة السياسية التي تحكمنا في إطار الدولة القطرية، ويقوم هذا التصور على:

الحرص على استقرار الأنظمة السياسية ذات التوجه التعددي:

على أي حركة جماهيرية أن تتجاوز فكرة تغيير الأنظمة وإحلال أنظمة جديدة مكانها، والسبب أن كل نظام جديد سيكون أقل نفوذًا من سابقه وعليه أكثر ارتباطًا بالخارج حيث يستمد قوته ونفوذه.

إن علينا العمل بكل إخلاص من أجل تقوية الأبعاد الوطنية والدينية في أنظمتنا عن طريق خلق مصالحة شاملة مع أنظمة الحكم في العالم العربي والإسلامي، بشرط أن يوفر هذا النظام السياسي أرضية لممارسة الحريات، واحترام حقوق الإنسان، وما على التجمعات السياسية وخصوصا الإسلامية والوطنية سوى تقوية المجتمع المدني، ودعم النظام السياسي في اتجاه سياسات الإصلاح، وبذل النصح الخالص من أي شوائب المنافسة والاستقطاب، وعلينا أن نربي شبابنا على ثقافة سياسية إسلامية قوامها العمل من أجل البناء لا الهدم، والقدرة على ابتكار الأفكار وصياغتها في إطار برامج عمل قابلة للتنفيذ، بدلًا من فناء الأعمار في النقد الهدام، والاحتشاد لخلق اضطراب هنا أو مشكلة هناك.

تخليص العمل الإسلامي من بعده الحزبي:

لقد أنتج واقع الدولة القطرية واقعًا جديدًا في الممارسة السياسية الإسلامية لم يتعودها العقل الإسلامي، وهو تشكيل أحزاب من أجل تغيير مسار الحكم من العلمانية إلى الإسلام. ورغم أن الحركة الإسلامية تحاول جاهدة التأريخ لظهورها بالحركات التحررية من الاستعمار- باستثناء جماعة الإخوان المسلمين التي شاركت فعليا في طرد المستعمر -إن طرد فعلًا- فإن ثمة فرقًا واضحًا بين الخطاب الإسلامي والخطاب الوطني. حيث تحول الحزب الإسلامي إلى ما يشبه الطائفة الدينية، فكل حزب له علماء محسوبون عليه، وله مفتون، وله منبر إعلامي يمتلئ بما يوافق توجهات الحزب؛ بل ولكل حزب آيات قرآنية مفضلة تختزل رؤيته السياسية، أي أن البعد الطائفي في التحزب الإسلامي ليس مقصودًا ولكنه نتيجة طبيعية لأساليب العمل وطبيعة الخطاب المتحكم في الأداء السياسي. ولقد أنتج هذا الواقع توجها للأحزاب الإسلامية نحو الاستقطاب، وخصوصًا في الانتخابات، وهذا ما أدى بالخطاب الإسلامي إلى الانكماش رغم الزخم الظاهر؛ لأن الطائفة تبقى طائفة رغم امتدادها الظرفي لسبب أو لآخر، كما أن المواطن البسيط لا يستطيع التمييز بين الإسلام والحزب الإسلامي، وأي تمثيل سيئ للإسلام فإنه يؤدي إلى الشك في المبادئ الدينية ذاتها وقدرتها على الإصلاح (نموذج السودان، الجزائر، أفغانستان، اليمن) ، وعليه فعلى الأحزاب الإسلامية أن تعالج هذا عن طريق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت