وهذا الاحتقان الذي يمكن أن ينفجر في أي لحظة سيستحيل ـ ولا شك ـ إلى فوضى عارمة سببها علاقة الحاكم بالمحكوم , واختيار سبيل تبعية الأنظمة للقوى العظمى في معرض المداهنة، والتي استغلتها القوى العظمى أبشع الاستغلال , ووجدت في الأنظمة ضالتها المنشودة لتحقق مآربها.
وبنظرة استشرافية، نجد أن المستقبل القريب يحمل في خضم الفوضى المتوقعة بذور عالم جديد يعيد صياغة الإنسان العربي المسلم بما يتوافق وطموحه وإرادته بعد أن كسر الأغلال التي فرضها عليه القريب والبعيد.
أما على صعيد المتغيرات التي يشهدها أعداؤنا فإننا نرى تحولًا حقيقيًا لمركز إدارة الصراع, وقد كان هذا المركز من مطلع الخمسينات من القرن المنصرم حتى العقد الأخير منه في الدائرة اليهودية الإسرائلية المتمثلة بدولة العدو.
وبالرغم من التوافق بين هذه الدولة والحكومات الأمريكية المتعاقبة فإن الحكومات الأمريكية ظلت تتعامل مع الصراع من خلال دعمها للعدو اليهودي ومحاولة التفريق بين هذا الدعم المبدئي وكون الولايات المتحدة الأمريكية وسيط محايد في التعامل مع الأحداث ينشد فيها العدالة وتوخي الصدق.
أما اليوم فنجد أن المركز قد انتقل من محيط دولة العدو اليهودي إلى واشنطن وتسلم راية الصراع اليمين المسيحي المحافظ الذي بلغ سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية, ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفسر الموقف الأمريكي تجاه الأحداث , ودفع الشريك اليهودي للمرة الأولى في تاريخه إلى عمليات عدوانية بعد أن كان هذا الشريك هو الملهم والمحرك لهذه العمليات.
ولعل تزامن الحالتين هو أمر رباني يريد الله به أن يهيئ الأمة للامساك بزمام الأمور , والتهيئة لهذه المواجهة على جميع الأصعدة بعد أن تكشفت حقائق الأنظمة من جهة , وحقائق الصراع الحضاري وقيادته من جهة أخرى.
إن بداية الفوضى العارمة تنعكس بوجود أشكال متعددة من التنظيمات الفكرية والعسكرية ذات الولاء العقائدي البعيد عن الولاء للدولة والنظام القائم , وهو ما سوف يضعف مفهوم الدولة أو السلطة المركزية , ويعزز حاجة المجتمع للتمحور حول هذه التنظيمات مع تزايد ضعف السلطة المركزية.
وبأفول نجم السلطة المركزية تخلو الساحة لهذه الكيانات الفتية التي تعتمد في أولوياتها على الفكر العقائدي , ولا تنحصر داخل جغرافيا ما يعرف بالوطن, وهنا بيت القصيد ونقطة التحول, فلن يلبث الحال حتى ينشب صراع حقيقي بين مختلف هذه المحاور الفكرية تنشأ معها التحالفات التي لا تعترف بالحدود , وما أن تضع الحرب أوزارها سوف تتكشف الصورة عن واقع جديد , وحدود جديدة إعيد رسمها لتكون الدولة هي الفكر والفكر هو الدولة.
فإيران ومفهومها الثوري الشيعي سوف تحاول خلق نطاق شيعي مهيمن , كما أن التوجهات السنية سوف تحاول القيام بمشروع مماثل , وكذا الحال للحركات القومية , كالحركة الكردية والحركة الزنجية في جنوب السودان. وهذا غيض من فيض.
والمتأمل لمستقبل الأحداث يدرك تمامًا أنه وبالرغم من وجود إستقطابات وطنية وقومية وعنصرية إلا أن المحاور الرئيسية سوف تكون محاور فكرية في المقام الأول على أسس عقائدية وهو ما سيكسر أغلال المواطنة الزائفة بمفهومها الوضعي لينفتح المسلم على رحابة العالم الإسلامي في تحالفاته ومواقفه.
إن ما يحدث اليوم من حيث تدري أمريكا أو لا تدري ليس إلا دفعا ربانيًا للأحداث في أتجاه التحرر من هذه الهيمنة المباشرة وغير المباشرة التي عانى منها العالم الإسلامي طوال قرن من الزمان.
والله ومن وراء القصد....
بقلم أ. د. عماد الدين خليل
ليس من مهمة هذا البحث متابعة المعطيات الفقهية الخصبة والمتميزة بصدد التعامل مع الآخر، وإنما التأشير على بعض الممارسات التاريخية كشواهد فحسب، من بين سيل من الوقائع لا يكاد يحصيها عدّ، تؤكد فيما لا يدع أي مجال للشك في أن النصارى واليهود من أهل الكتاب، وغيرهما من الفرق الدينية الأخرى، عاشوا حياتهم، ومارسوا حقوقهم الدينية والمدنية على مداها في ديار الإسلام، فيما لم تشهده ولن تشهده أية تجربة تاريخية في العالم.
إن التاريخ هو الحكم الفصل في قدرة المذاهب والأديان على التماسّ مع الواقع، وتحويل"الكلمة"إلى فعل منظور.
ابتداءً.. ما الذي أرادت التأسيسات القرآنية أن تقوله فانعكس ـ بالتالي ـ في نسيج الفعل التاريخي بين المسلم وغير المسلم؟
إن التغاير والاختلاف قائمان في صميم العلاقات البشرية، والتوحّد في وجوهه كافة لا ينفي التغاير، كما أن هذا لا ينفي التوحّد، إنهما يتداخلان ويتوازيان ويؤثر أحدهما في الآخر، بل قد يرفده بعناصر القوة والخصب والنماء.
قد تحدث حالات تقاطع تقود أحيانًا إلى النفي والتعارض، لكن الخط الأكثر عمقًا وامتدادًا هو أن التجربة البشرية من لحظات تشكلها الأولى وحتى يقوم الحساب، إنما هي تجربة تتعدد فيها الانتماءات وتتغير العلاقات وتتنوع القناعات، وأن هذا التغاير في حدوده المعقولة، ومن خلال تعامله مع الثوابت التوحيدية، هو الذي يمنح التاريخ البشري، ليس فقط تفرده وخصوصيته، وإنما قدرته على الفعل والصيرورة.
في المنظور القرآني يبدو التنوع مستقطبًا عبر مجراه الطويل بكلمتي الإيمان والكفر، أو الحق والباطل، ترفده جداول وأنهار متشابكة تجيء من هذا الصوب أو ذاك، ومن خلال هذا التغاير تتحرك مياه التاريخ فلا تركد ولا تأسن، وتحفظ بهذا قدرتها على التدفق والنقاء.
إن الإرادة الحرة والاختيار المفتوح اللذين مُنحا للإنسان فردًا وجماعة، للانتماء إلى هذا المذهب أو ذاك، يقودان بالضرورة إلى عدم توحد البشرية وتحوّلها إلى معسكر واحد.. إن قيمة الحياة الدنيا وصيرورتها المبدعة تكمن في هذا التغاير، وإن حكمة الله سبحانه شاءت ـ حتى بالنسبة للكتلة أو المعسكر الواحد ـ أن تشهد انقسامًا وتغايرًا وتنوّعًا وصراعًا.
والقرآن الكريم يحدثنا عن هذا التغاير في أكثر من صورة ووفق أشد الصيغ واقعية ووضوحًا:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات" [المائدة: 48] ،"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" [هود: 118ـ 119] ،"تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ..." [البقرة: من الآية 253] ،"...ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد" [البقرة:من الآية 253] .
بل إن القرآن انطلاقًا من منظوره الواقعي لحركة التاريخ البشري يبين في أكثر من موضع أن (الأكثريات) البشرية تقف دائمًا بمواجهة الحق الذي لا تنتمي إليه إلاّ القلة الطليعية الرائدة، نظرًا لما يتطلبه هذا الانتماء من جهد وتضحية وعطاء لا يحتملها الكثيرون:"بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون" [المؤمنون: 70] .
وكثيرًا ما يكون اختلاف الألسنة والألوان، الذي يعقبه تغاير الثقافات وتعدد الأعراق، أحد العوامل الأساسية التي تكمن وراء التنوع التاريخي الذي هو بحد ذاته صيغة من صيغ الإبداع الإلهي في العالم:"ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم إذا أنتم بشر تنتشرون" [الروم:20] .
"ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين" [الروم: 22] .