فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 1942

وهناك من المستشرقين من تأثر بالإسلام والمسلمين فاهتدى إلى دين الله عز وجل وأسلم وجهه لله سبحانه وتعالى، ولقد كتب من بين المستشرقين المعتدلين أو لنقل الإيجابيين أصحاب النظرة الموضوعية أو أقرب للموضوعية، المؤرخ الشهير صاحب كتاب"تاريخ الدعوة إلى الإسلام"السير توماس آرنولد، ويعد هذا الكتاب من أفضل الوثائق التي يمكن أن يستفيد منها الباحثون في تاريخ نشر الدعوة الإسلامية ، فهو أولًا كتب بأيد غربية، أي لم يكتبه المسلمون، بالتالي لن يتهم المسلمون بأنهم كتبوا بنوع من التعصب أو الانحياز للإسلام والمسلمين، وهذه الأقلام الغربية اعتمدت على مصادرها وعلى كتبها، وعلى أسلوبها في البحث والدراسة، وهو يعد وثيقة تاريخية تؤكد كيف انتشر الإسلام في العالم القديم، وعلى أن الإسلام انتشر بالكلمة الطيبة والحكمة والموعظة الحسنة، وأن شخصية الدعاة وقدوتهم الحسنة للناس من حولهم هو ما أثر في دخول الناس أفواجًا في دين الله عز وجل، ويذكر نماذج رائعة لهذا الانتشار السلمي للدعوة الإسلامية في العالم القديم، في بلاد"الملايو وإندونيسيا"وفي جمهورية السودان وحتى المحيط الأطلسي غربًا، هذه البلاد كلها دخلت في دين الله أفواجًا دون قوة السيف، وإنما بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة التي كان يمارسها الدعاة في نشر الإسلام بهذه الطريقة السلمية التي كانت تعتمد على قول الله عز وجل:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة".

بالتالي يمكن أن نذكر أن هنالك من حاول نقل التراث الإسلامي بترجماتهم ودراساتهم للإسلام والمسلمين إلى العالم الغربي، وهذا بطبيعة الحال هو نوع من تعريف الآخرين بالإسلام، وإن كتب الكثير منه بروح سوداوية حاقدة على الإسلام والمسلمين ، لكننا لا يمكن أن ننسى أن الكثير منه أيضًا كتب بروح أقرب إلى الحيادية، واتسم بالموضوعية والعلمية في الدراسة.

(الشبكة الإسلامية) مصطفى السباعي ( بتصرف )

يعرِّف الحضارة بعض الكاتبين في تاريخها بأنها"نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي"وتتألف الحضارة من العناصر الأربعة الرئيسية: المواد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون.

ولاطراد الحضارة وتقدمها عوامل متعددة من جغرافية واقتصادية ونفسية كالدين واللغة والتربية، ولانهيارها عوامل هي عكس تلك العوامل التي تؤدي إلى قيامها وتطورها، ومن أهمها الانحلال الخلقي والفكري، واضطراب القوانين والأنظمة، وشيوع الظلم والفقر، وانتشار التشاؤم أو اللامبالاة، وفقدان الموجهين الأكفاء والزعماء المخلصين.

وقصة الحضارة تبدأ منذ عُرف الإنسان، وهي حلقة متصلة تسلِّمها الأمة المتحضرة إلى من بعدها، ولا تختص بأرض ولا عرق، وإنما تنشأ من العوامل السابقة التي ذكرناها.

وتكاد لا تخلو أمة من تسجيل بعض الصفحات في تاريخ الحضارة ، غير أن ما تمتاز به حضارة عن حضارة إنما هو قوة الأسس التي تقوم عليها، والتأثير الكبير الذي يكون لها، والخير العميم الذي يصيب الإنسانية من قيامها ، وكلما كانت الحضارة عالمية في رسالتها ، إنسانية في نزعتها ، خلقية في اتجاهاتها ، واقعية في مبادئها ، كانت أخلد في التاريخ وأبقى على الزمن وأجدر بالتكريم.

وحضارتنا حلقة من سلسلة الحضارات الإنسانية، سبقتها حضارات وستتبعها حضارات. وقد كان لقيام حضارتنا عوامل، ولانهيارها أسباب

أبرز ما يلفت نظر الدارس لحضارتنا أنها تميزت بالخصائص التالية:

1 -الوحدانية المطلقة في العقيدة

-أنها قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة ، فهي أول حضارة تنادي بالإله الواحد الذي لا شريد له في حكمه وملكه، هو وحده الذي يُعيد، وهو وحده الذي يُقصد (إياك نعبد وإياك نستعين) وهو الذي يعز ويذل، ويعطي ويمنح، وما من شيء في السموات والأرض إلا وهو تحت قدرته وفي متناول قبضته.

هذا السمو في فهم الواحدانية كان له أثر كبير في رفع مستوى الإنسان وتحرير الجماهير من طغيان الملوك والأشراف والأقوياء ورجال الدين، وتصحيح العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وتوجيه الأنظار إلى الله وحده وهو خالق الخلق ورب العالمين.

كما كان لهذه العقيدة أثر كبير في الحضارة الإسلامية تكاد تتميز به عن كل الحضارات السابقة واللاحقة، وهي خلوها من كل مظاهر الوثنية وآدابها وفلسفتها في العقيدة والحكم والفن والشعر والأدب، وهذا هو سر إعراض الحضارة الإسلامية عن ترجمة الالياذة وروائع الأدب اليوناني الوثني، وهو سر تقصير الحضارة الإسلامية في فنون النحت والتصوير مع تبريزها في فنون النقش والحفر وزخرفة البناء.

إن الإسلام الذي أعلن الحرب على الوثنية ومظاهرها لم يسمح لحضارته أن تقوم فيها مظاهر الوثنية وبقاياها المستمرة من أقدم عصور التاريخ، كتماثيل العظماء والصالحين والأنبياء والفاتحين.

وقد كانت التماثيل من أبرز مظاهر الحضارات القديمة والحضارة الحديثة؛ لأن واحدة منها لم تذهب في عقيدة الوحدانية إلى المدى الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية.

2 -إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة

-وثاني خصائص حضارتنا أنها إنسانية النزعة والهدف، عالمية الأفق والرسالة، فالقرآن الذي أعلن وحدة النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه، في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات: 13] .

إن القرآن حين أعلن هذه الوحدة الإنسانية العالمية على صعيد الحق والخير والكرامة جعل حضارته عقدًا تنتظم فيه جميع العبقريات للشعوب والأمم التي خفقت فوقها راية الفتوحات الإسلامية، ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب، فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي وابن رشد وأمثالهم ممن اختلفت أصولهم وتباينت أوطانهم، ليسوا إلا عباقرة قدمت فيهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنساني السليم.

3 -مراعاة المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا

-وثالث خصائص حضارتنا أنها جعلت للمبادئ الأخلاقية المحل الأول في كل نظمها ومختلف ميادين نشاطها ، وهي لم تتخل عن هذه المبادئ قط ، ولم تجعل وسيلة لمنفعة دولة أو جماعة أو أفراد، ففي الحكم وفي العلم وفي التشريع وفي الحرب وفي السلم وفي الاقتصاد وفي الأسرة، روعيت المبادئ الأخلاقية تشريعًا وتطبيقًا، وبلغت في ذلك شأوًا ساميًّا بعيدًا لم تبلغه حضارة في القديم والحديث، ولقد تركت الحضارة الإسلامية في ذلك آثارًا تستحق الإعجاب وتجعلها وحدها من بين الحضارات التي كفلت سعادة الإنسانية سعادة خالصة لا يشوبها شقاء.

4 -الحضارة الإسلامية حضارة تؤمن بالعلم في أصدق أصوله ، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها

-ورابع هذه الخصائص أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها، فهي خاطبت العقل والقلب معًا ، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد ، وهي ميزة لم تشاركها فيها حضارة في التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت