قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (161) سورة الأنعام
الربانية أولى خصائص التصور الإسلامي، ومصدر هذه الخصائص كذلك.. فهو تصور اعتقادي موحى به من الله -سبحانه- ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره .. وذلك تمييزًا من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية، أو الحقيقة الكونية، أو الحقيقة الإنسانية، والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق، وتمييزًا له كذلك من المعتقدات الوثنية، التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية.
ويستطيع الإنسان أن يقول -وهو مطمئن-: إن التصور الإسلامي هو التصور الاعتقادي الوحيد الباقي بأصله"الرباني"وحقيقته"الربانية". فالتصورات الاعتقادية السماوية، التي جاءت بها الديانات قبله، قد دخلها التحريف - في صورة من الصور- كما رأينا. وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة، شروح وتصورات وتأويلات وزيادات، ومعلومات بشرية، أدمجت في صلبها، فبدلت طبيعتها"الربانية". وبقي الإسلام -وحده- محفوظ الأصول، لم يشب نبعه الأصيل كدر، ولم يلبس فيه الحق بالباطل. وصدق وعد الله في شأنه:
"إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون"… (الحجر: 9)
وهذه هي الحقيقة المسلمة، التي تجعل لهذا التصور قيمته الفريدة.
ومفرق الطريق بين التصور الفلسفي والتصور الاعتقادي -بصفة عامة- أن التصور الفلسفي ينشأ في الفكر البشري - من صنع هذا الفكر - لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به. ولكنه يبقى في حدود المعرفة الفكرية الباردة. فأما التصور الاعتقادي -في عمومه- فهو تصور ينبثق في الضمير، ويتفاعل مع المشاعر، ويتلبس بالحياة. فهو وشيجة حية بين الإنسان والوجود. أو بين الإنسان وخالق الوجود.
ثم يتميز التصور الإسلامي بعد ذلك عن التصور الاعتقادي -في عمومه- بأنه -كما أسلفنا- تصور رباني، صادر من الله للإنسان. وليس من صنع الإنسان. تتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها. وليست الكينونة الإنسانية هي التي تنشئه، كما تنشئ التصور الوثني، أو التصور الفلسفي -على اختلاف ما بينهما- وعمل الإنسان فيه هو تلقيه وإدراكه والتكيف به، وتطبيق مقتضياته في الحياة البشرية.
وينص المصدر الإلهي الذي جاءنا بهذا التصور -وهو القرآن الكريم- على أنه كله من عند الله. هبة للإنسان من لدنه، ورحمة له من عنده. وأن الفكر البشري -ممثلًا ابتداءً في فكر الرسول -صلى الله عليه وسلم - أو فكر الرسل كلهم - باعتبار أنهم جميعًا أرسلوا بهذا التصور في أصله - لم يشارك في إنشائه. وإنما تلقاه تلقيًا، ليهتدي به ويهدي. وأن هذه الهداية عطية من الله كذلك، يشرح لها الصدور. وأن وظيفة الرسول -أي رسول- في شأن هذا التصور، هي مجرد النقل الدقيق، والتبليغ الأمين، وعدم خلط الوحي الذي يوحي إليه من عند الله بأي تفكير بشري - أو كما يسميه الله سبحانه بالهوى! أما هداية القلوب به، وشرح الصدور له، فأمر خارج عن اختصاص الرسول، ومرده إلى الله وحده في النهاية:
"وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا. وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور"… (الشورى: 52-53)
وهذا التوكيد على مصدر هذا التصور، هو الذي يعطيه قيمته الأساسية، وقيمته الكبرى.. فهو وحده مناط الثقة في أنه التصور المبرأ من النقص، المبرأ من الجهل، المبرأ من الهوى .. هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري، والتي نراها مجسمة في جميع التصورات التي صاغها البشر ابتداء من وثنيات وفلسفات. أو التي تدخل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة! وهو كذلك مناط الضمان في انه التصور الموافق للفطرة الإنسانية، الملبي لكل جوانبها، المحقق لكل حاجاتها. ومن ثم فهو التصور الذي يمكن أن ينبثق منه، ويقوم عليه، أقوم منهج للحياة وأشمله.
ولكن إذا كان الفكر البشري لم ينشئ هذا التصور، فإنه ليس منفيًا من مجاله، ولا محظورًا عليه العمل فيه. بيد أن عمله هو التلقي والإدراك والتكيف والتطبيق في واقع الحياة .. غير أن القاعدة المنهجية الصحيحة للتلقي - كما أشرنا في"كلمة عن المنهج"- هي هذه .. إنه ليس للفكر البشري أن يتلقى هذا التصور بمقررات سابقة، يستمدها من أي مصدر آخر، أو يستمدها من مقولاته هو نفسه، ثم يحاكم إليها هذا التصور، ويزنه بموازينها.. إنما هو يتلقى موازينه ومقرراته من هذا التصور ذاته، ويتكيف به، ويستقيم على منهجه. كما يتلقى الحقائق الموضوعية في هذا التصور من المصدر الإلهي الذي جاء بها، لا من أي مصدر آخر خارجه. ثم هو الميزان الذي يرجع بكافة ما يعين له، من مشاعر وأفكار، وقيم وتصورات، في مجرى حياته الواقعية كذلك. ليزنها عنده، ويعرف حقها من باطلها، وصحيحها من زائفها:
"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"… (النساء: 59)
وفي الوقت ذاته يعتبر الفكر البشري - في ميزان هذا التصور- أداة قيمة وعظيمة، يوكل إليها إدراك خصائص هذا التصور ومقوّماته - مستقاة من مصدرها الإلهي- وتحكيمها في كل ما حوله من القيم والأوضاع. دون زيادة عليها من خارجها، ودون نقص كذلك منها .. ويبذل منهج التربية الإسلامي لهذه الأداة العظيمة من الرعاية والعناية، لتقويمها وتسديدها وابتعاثها للعمل، في كل ميدان هي مهيأة له .. الشيء الكثير ( ) .
على أن"الفكر"ليس وحده الذي يتلقى هذا التصور. إنما هو يشارك في تلقيه. فميزة هذا التصور - المنبثقة من خاصية الربانية- أنه يلبي الكينونة الإنسانية بجملتها .. ويدخل كذلك في دائرة إدراكها.. والذي لا تدركه منه إدراك ماهية وحقيقة، أو إدراك عليه أو كيفية .. لا يتعذر عليه التسليم به في طمأنينة. لنه داخل في مفهوم منطقها المعقول. منطقها الذي يسلم بالحقيقة البسيطة: حقيقة أن المجال الذي يتناوله هذا التصور - بما فيه من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها، ومن تعلق إرادة الله بالخلق وكيفيته - أكبر وأوسع من الكينونة الإنسانية بجملتها. فهو مجال السرمدية الأزلية الأبدية الكلية المطلقة. والكينونة الإنسانية - ككل ما هو مخلوق حادث - متحيزة في حدود من الزمان والمكان، لا تملك مجاوزتها على الإطلاق، ولا تملك من باب أولى الإحاطة بالكلي المطلق بأي حال:
"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان"… (الرحمن: 33)
"لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير"… (الأنعام: 103)
ومن ثم فلا قدرة للكينونة البشرية بجملتها - لا الفكر وحده- على العمل خارج هذه الحدود. إنما وظيفتها أن تتلقى من الذات الإلهية المطلقة المحيطة بالوجود. وأن تتلقى في حدود طبيعة الإنسان، وفي حدود وظيفته.
ونزيد هذه الجملة الأخيرة إيضاحًا.. فالإنسان محكوم أولًا، بطبيعته: طبيعة أنه مخلوق حادث. ليس كليًا ولا مطلقًا. ليس أزليًا ولا أبديًا. ومن ثم فإن إدراكه لابد أن يكون محدودًا بما تحده به طبيعته .. ثم هو محدود بوظيفته. وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق معنى العبادة لله فيها -كما سيجئ- ومن ثم فقد وهُب من الإدراك ما يناسب هذه الخلافة. بلا نقص ولا زيادة .. وهناك أمور كثيرة لا يحتاج إليها في وظيفته هذه. ومن ثم لم يوهب القدرة على إدراكها -إدراك ماهية أو إدراك كيفية- وإن كان موهوبًا أن يدرك إمكانها. وأن يحيل هذا على معرفته بطلاقة المشيئة الإلهية من ناحية، ومن ناحية أخرى على معرفته بأنه هو مخلوق حادث، غير كلي ولا مطلق، فلا يمكن -من ثم- أن يحيط بخصائص الأزلي الأبدي، الذي هو بكل شيء محيط.
والقرآن الكريم يشير إلى بعض هذه الجوانب، التي لم يزوَّد هذه الجوانب، التي لم يزوَّد الإنسان بالقدرة على الإحاطة بها .. بماهيتها أو بكيفيتها .. إما لأنها لا تدخل في حدود طبيعة البشرية المحدودة. وإما لأنها لا تلزم له في النهوض بوظيفته المحددة كذلك .. كما يشير إلى طريقة الفطرة السليمة المؤمنة في تلقي هذه الجوانب، وطريقة الفطرة المنحرفة الزائغة:
من هذه الجوانب مسألة كنه الذات الإلهية. فالكينونة الإنسانية لا تدركها وليس مما تعرفه شيء يماثلها فيمكن أن تقابلها به، وتقيسها عليه:
"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار".. (الأنعام: 103)
"ليس كمثله شيء".. (الشورى: 11)
ويبين الله -سبحانه- كيف ينبغي تلقي هذه وأمثالها، مما هو فوق مدركات الكينونة البشرية:
"هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب. وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله - وما يعلم تأويله إلا الله - والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا- وما يذّكر إلا أولوا الألباب- ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب".. (آل عمران: 7-8)
وفيما عدا هذه الجوانب فإن الفكر البشري - أو الإدراك البشري بتعبير أشمل- مدعو للتدبر والتفكر، والنظر والاعتبار، والتكيف والتأثر، والتطبيق، في عالم الضمير وعالم الواقع، لمقتضيات هذا التصور، والإيجابية في العمل والتنفيذ وفق هذا التصور الشامل الكبير.
وما من دين احتفل بالإدراك البشري، وإيقاظه، وتقويم منهجه في النظر، واستجاشته للعمل، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة، وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة.! وصيانته في الوقت ذاته من التبديد في غير مجاله، ومن الخبط في التيه بلا دليل .. ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام..
ومن من دين وجه النظر إلى سنن الله في الأنفس والآفاق، وإلى طبيعة هذا الكون وطبيعة هذا الإنسان، وإلى طاقاته المذخورة وخصائصه الإيجابية، وإلى سنن الله في الحياة البشرية معروضة في سجل التاريخ .. ما من دين وسّع على الإدراك في هذا كله ما وسّع الإسلام.
في تربية وتقويمه وتقويم منهج النظر والحكم:
"ولا تقف ما ليس لك به علم. إن السمع والبصر والفؤاد. كل أولئك كان عنه مسؤولًا".. (الإسراء: 36)
إن التصور الرباني الذي يتلقاه الإنسان من"الله"هبة لدنية خالصة.. قد أعفى البشر الضعاف الجهال من الكد فيها، ووفر عليهم همّ إنشائها، وتبديد طاقتهم في هذا المجال الذي لم يهبهم الله دليله ولا أداته.. وذلك ليفرغوا لتلقي هذه الهبة وإدراكها، والتكيف بها، ، واتخاذها أساسًا لمنهج حياتهم، وميزانًا لقيمهم، ودليلًا هاديًا يصلون به ومعه.. فإذا فارقوه ضلوا وتاهوا، وخبطوا وخلطوا، وجاءوا بما يضحك ويبكي من التصورات والانحرافات، وشقوا وتعسوا بالمناهج والأنظمة التي يقيمونها على أساس من ذلك الجهل العميق! ومن ذلك الخبط والتخليط!
وفي هذا يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه القيم:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين":
"وقد كان الأنبياء -عليهم السلام- أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله. وعن بداية هذا العالم ومصيره. وما يهجم عليه الإنسان بعد موته. وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفوًا بدون تعب. وكفوهم مؤونة البحث والفحص، وفي علوم ليس عندهم مبادئها، ولا مقدماتها التي يبنون عليها بحثهم، ليتوصلوا إلى مجهول. لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، ولا تعمل فيها حواسهم، ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأولية."
لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة، وأعادوا الأمر جذعًا، وبدأوا البحث أُنفًا، وبداوا رحلتهم في مناطق مجهولة، لا يجدون فيها مرشدًا ولا خِرّيتًا ( ) . وكانوا في ذلك أكثر ضلالًا، وأشد تعبًا وأعظم اشتغالًا بالفضول .. من رائد لم يقتنع بما أدى إليه العلم الإنساني في الجغرافية، وما حدد وضبط في الخرائط على تعاقب الأجيال، فحاول أن يقيس ارتفاع الجبال وعمق البحار من جديد، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه .. على قصر عمره، وضعف قوته، وفقدان آلته .. فلم يلبث أن انقطعت به مطيته، وخانته عزيمته، فرجع بمذكرات وإشارات مختلة.. وكذلك الذين خاضوا في الإلهيات، من غير بصيرة، وعلى غير هدىن جاءوا في هذا العلم بآراء فجة، ومعلومات ناقصة، وخواطر سانحة ونظريات مستعجلة.. فضلوا وأضلوا" ( ) ."
على أن أمر الذين حاولوا إنشاء تصورات اعتقادية من عند أنفسهم، أو إنشاء تصورات فلسفية لتفسير الوجود وارتباطاته كانوا أشد ضلالًا من هذا الذي صوره الأستاذ الندوي، وأكثر خطرًا على حياة البشرية. أما الأخطر من هذا كله، فكان هو تحريف العقائد السماوية -وبخاصة النصرانية- وقيام كنيسة في أوربا تملك السلطان باسم هذه النصرانية المحرفة، وتفرض تصوراتها الباطلة بالقوة كما تفرض معلوماتها الخاطئة والناقصة عن الكون المادي، وتعارض بوحشية خط البحث العلمي في ميدانه الأصيل، بمقولات تعطيها طابع الدين. والدين منها برئ..
وقد نشأ هذا كله من تدخل الفكر البشري بالإضافة والتأويل والتحريف للأصل الرباني للعقيدة النصرانية وللتصور النصراني. وإلحاق هذا كله بالأصل الرباني والعقيدة السماوية.
فإذا نحن تكرنا أن جميع النزعات الأوربية، التي نشأت معادية للدين وللفكر الديني، كان منشؤها هو هذا الانحراف، وهذه الأوضاع التي قامت على أساس هذا الانحراف.."من عقلية مثالية"إلى"وضعية حسية"إلى"جدلية مادية".. إذا تذكرنا هذا أدركنا أن هذا البلاء الذي يعم البشرية كلها اليوم، إنما نشأ من عقابيل تدخل الفكر البشري، في أصل التصور الرباني. وهو بلاء لا يعد له بلاء آخر في تاريخ البشرية الطويل ..
ولعله يحسن - لتكون هذه النقطة واضحة وضوحًا يناسب خطورتها - أن نذكر خلاصة موجزة للخط الذي سار فيه الفكر الأوربي، بوصفه نتيجة طبيعية مباشرة لانحراف التصور الديني. بتدخل الفكر البشري فيه، وبإخضاعه للعوامل السياسية، والخلافات العنصرية والمذهبية.
ولعل هذه الخلاصة أن تكشف لنا عن حكمة الله ورعايته في حفظ أصول التصور الإسلامي بعيدة عن تحريف البشر. وعن خطورة أية محاولة باسم"التجديد الديني"أو"التطور في الفكر الديني"أو غيرهما، لإدخال أي عنصر بشري على التصور الرباني .. فهذا التصور هو الوحيد الباقي من غير أن يعبث به جهل البشر وقصورهم وهو وحده ملاذ البشرية، لتفئ إليه في يوم من الأيام. فنجد عنده الهدى والسكينة والاطمئنان.
وسنكتفي في هذا التلخيص لخط سير الفكر الأوربي - في اتجاه مضاد للكنيسة وتفكيرها الديني - بمقتبسات من الفصل الذي كتبه الدكتور محمد البهي بعنوان:"الدين مخدر!"في كتابه"الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي":
"الصراع بين الدين والعقل والحس في تاريخ الفكر الغربي: أربع مراحل في تاريخ التفكير الأوربي، منذ القرن الرابع عشر إلى الآن. شهدت فيها العقلية الأوربية صراعًا فكريًا، واتجاهات عقلية مختلفة، تدور حول"تبرير"مصدر من مصادر المعرفة، التي عرفتها البشرية في تاريخها حتى الوقت الحاضر. وهي: الدين. والعقل. والحس أو الواقع، وفي كل مرحلة من هذه المراحل ينشأ سؤال عن"قيمة"أي واحد من هذه الثلاثة كمصدر للمعرفة المؤكدة، أو اليقينية. ثم يكون الجواب على هذا السؤال إيجابًا أو سلبًا. ومن السؤال وما يدور حوله من جدل، وأخذ ورد، تتكون المذاهب الفلسفية التي تعبر عن قيمة المصدر، الذي وضع للاختبار والتقدير."
"سيادة النص أو الدين"كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائدًا في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته، وفي فهمه للطبيعة. وكان يقصد بالدين"المسيحية"، وكان يراد من المسيحية"الكثلكة"، وكانت الكثلكة تعبر عن"البابوية". والبابوية نظام كنسي ركز"السلطة العليا"- باسم الله- في يد البابا، وقصر حق تفسير"الكتاب المقدس"على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسوى في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وأفهام الكنيسة الكاثوليكية، وجعل عقيدة"التثليث"عقيدة أصيلة في المسيحية، كما جعل"الاعتراف بالخطأ"و"صكوك الغفران"من رسوم العبادة وغير ذلك مما يتصل بالكاثوليكية كمذهب وكنظام لاهوتي.
"حتى كان القرن الخامس عشر، وحتى ابتدأت الحروب الصليبية تثمر ثمرتها الإيجابية في العقلية الأوربية. فقام مارتن لوثر (Luther) (1453-1546م) وكافح"تعاليم الشيطان"-كما سماها- وهي تعاليم البابوية والكنيسة الكاثوليكية، فحارب صكوك الغفران، ونظر إليها كوسائل للرق والعبودية. وحارب عقيدة"التثليت"، كما حارب سلطة البابا. وجعل السلطة الوحيدة في المسيحية هي الكتاب المقدس، وكلمة الله:"النص"وطالب بالحرية في بحث الكتاب. ولكن ليست أية حرية على العموم. ومع ذلك جعل الكتاب المقدس نفسه هو مصدر الحقيقة فيما يتصل بالإيمان. ثم جعل الإيمان في الاعتبار، سابقًا على أي شيء آخر عداه، من العقل أو الطبيعة."
"وجاء بعد لوثر -في طريقه- كالفن (Calvin) (1509-1564م) واقر لوثر على أن الإنجيل وحده هو المصدر"للحقيقة المسيحية"وأن عقيدة التثليث لا تقبلها المسيحية الصحيحة."
"و بحركه لوثر وكالفن الإصلاحية تعرضت المسيحية للجدل الفكري، وأصبحت موضوعًا للنقاش العقلي، والمذاهب الفلسفية.. والمسيحية التي تعرضت لذلك هي المسيحية التي تناولها لوثر بإصلاحه. أي الكاثوليكية البابوية. ومن أنكر من الفلاسفة على الدين أن تكون له"سلطة"أنكر سلطة البابوية. ومن وضع العلاقة بين الدين والعقل كشيئين متقابلين أو متناقضين، حدد العلاقة بين الكثلكة - وما فيها من عقيدة التثليث ومراسم صكوك الغفران - وبين العقل الإنساني العام. ومن دافع عن المسيحية من الفلاسفة، كهجيل، دافع عن"التعاليم النقية للمسيحية"التي احتضنها لوثر، في مقابل تعاليم الكنيسة الكاثوليكية."
"وهكذا كان"الدين"الذي جعل موضوعًا للصراع العقلي الأوربي، نوعًا خاصًا من الدين، والذي قبل منه باسم الفلسفة، كان جملة خاصة من تعاليمه، والذي رفض منه باسم الفلسفة أيضًا، كان كذلك جملة خاصة من تعاليمه."
"سيادة العقل": استمر اعتبار الوحي، كمرجع أخير للمعرفة، على خلاف في تحديد تعاليمه، حتى كان النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وهو عصر"التنوير"في تاريخ الفلسفة الأوربية. وعصر التنوير له طابعه المشترك في الفكر الألماني والإنجليزي والفرنسي، في الفترة الزمنية التي تحدده، وله فلاسفة في دوائر الفكر الثلاث كونوا الطابع الفكري الذي عرف به..
"وطابعه الفكري:"
( أ) تزايد شعور العقل وإحساسه بنفسه، وبقدرته على أن يأخذ مصير مستقبل الإنسانية في يده، بعد أن يزيل كل عبوديه ورثها هو، حتى لا تحجبه عن التخطيط الواضح لهذا المصير ( ) .
( ب) الشجاعة والجرأة التي لا تتأرجح في إخضاع كل حدث تاريخي لامتحان العقل. وكذلك في تكوين الدولة والجماعة، والاقتصاد، والقانون، والدين، والتربية، تكوينًا جديدًا، على الأسس السليمة المصفاة، التي لكل واحد منها!
( ج) الإيمان بتعاون جميع المصالح والمنافع، وبالأخوة في الإنسانية، على أساس من هذه الثقافة العقلية، المستمرة في التطور..
"ومعنى ذلك كله: سيادة"العقل"- كمصدر للمعرفة- على غيره. وغيره الذي ينازعه"السيادة"هو الدين. أي المسيحية الكاثوليكية أولًا. وقد تكون معها البروتستانتية، كمذهب عرف للإصلاح الديني هناك."
"فللعقل الحق في الإشراف على كل اتجاهات الحياة، وما فيها من سياسة، وقانون، ودين، و"الإنسانية"هي هدف الحياة للجميع."
"وكما يسمى هذا العصر بـ"عصر التنوير"يسمى أيضًا بـ"العصر الإنساني"، وكذا بعصر الـ Deism أي عصر الإيمان الفلسفي بإله، ليس له وحي، وغير خالق للعالم. إذ كل مسميات هذه الأسماء تعتبر من خواصه. فالتنوير لا يقصد به إلا إبعاد الدين عن مجال التوجيه، وإحلال العقل فيه محله. والإنسانية التي يبشر بها هذا العصر ليست إلا عوضًا عن"القربى من الله"كهدف للإنسان في سلوكه في الحياة. والإله، الذي ليس له وحي ولا خلق، يتفق مع تحكيم العقل وحده، وطلب سيادته على أحداث الحياة واتجاهاتها."
"وإذن في عصر التنوير كانت الخصومة الفكرية بين الدين والعقل. واتجه التفكير فيه إلى إخضاع الدين للعقل. ولذلك عد زمن هذا العصر فترة سيادة العقل. كما عد العصر السابق عليه فترة سيادة الدين .."
"ومن هذا يتضح أن صراع العقل مع الدين، هو صراع الفكر الإنساني مع مسيحية الكنيسة. وأن دوافع هذا الصراع هي الظروف التي أقامتها الكنيسة في الحياة الأوروبية. سواء في مجال التوجيه والبحث، أو في مجال السياسة، أو نطاق العقيدة والإيمان…"
"سيادة الحس": انتهى عصر التنوير بانتهاء القرن الثامن عشر تقريبًا، وابتدأ عصر آخر من عصور الفكر الأوربي، وبظهور فجر القرن التاسع عشر. وموضوع الصراع واحد لم يختلف عن ذي قبل، هو: الدين، والعقل، والطبيعة. ولكن تميز القرن التاسع عشر بفلسفة معينة. لأن اتجاه الفكر فيه مال إلى"سيادة الطبيعة"على الدين والعقل، وإلى استقلال"الواقع"كمصدر للمعرفة اليقينية إزاء الدين والعقل. تميز القرن التاسع عشر بأنه عصر"الوضعية" (Positivism) . والوضعية نظرية فلسفية نشأت في دائرة"المعرفة". وقامت في جو معين، وعلى أساس خاص، أما جوها المعين فهو أولًا وبالذات سيطرة الرغبة على بعض العلماء والفلاسفة في معارضة الكنيسة. والكنيسة تملك نوعًا خاصًا من المعرفة، وتستغله في خصومة المعارضين لنفوذها من العلماء والباحثين. وقد تسود به على هؤلاء المعارضين فترة من الزمن. وهذا النوع هو"المعرفة المسيحية الكاثوليكية"بوجه خاص -كما سبق أن ذكر- أو هو المعرفة الدينية، أو المعرفة الميتافزيقية بوجه عام. يضاف إلى هذه الرغبة القوية في معارضة الكنيسة، ومعارضة ما تملك من معرفة خاصة، أن فلسفة عصر"التنوير"وهي الفلسفة"العقلية"أو"المثالثة"قد أفلست - في نظر فلاسفة"الوضعية"- فيما أرادت أن تصل إليه: وهو إبعاد التوجيه الكنسي كلية عن توجيه الإنسان، وتنظيم الجماعة الإنسانية. فقد مالت هذه الفلسفة على عهد"هيجل"إلى تأييد الوحي والدين من جديد !!!
"فالغاية الأولى للمذهب الوضعي، من منطقة، هي معارضة الكنيسة، أو معارضة معرفتها. ومن باب التغطية باسم"العلم"! هي معارضة الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة) والمثالية العقلية. وإلا فالمذهب الوضعي في الوقت الذي ينكر فيه دين الكنيسة يضع دينًا جديدًا بدله، هو دين"الإنسانية الكبرى"، ويقوم على"عبادة"و"طقوس"- كما تقوم المسيحية - وله قداسة واحترام على نحو ما للكثلكة!"
"وأما الأساس الخاص الذي قامت عليه الوضعية فهو تقدير"الطبيعة"والطبيعة، والحقيقة، والواقع، والحس.. كلها سواء في نظر الوضعيين. وتقدير الطبيعة - لا كمصدر مستقل فحسب للمعرفة - بل كمصدر فريد للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة. ومعنى تقدير الطبيعة على هذا النحو: أن الطبيعة هي التي تنقش الحقيقة في عقل الإنسان، وهي التي توحي بها، وترسم معالمها الواضحة. وهي التي تكوّن عقل الإنسان. والإنسان -لهذا- لا يملي عليه من خارج الطبيعة، مما وراءها، كما لا يملي عليه من ذاته. إذ ما يأتي من"ما وراء الطبيعة"خداع للحقيقة، وليس حقيقة! وما يتصوره العقل من نفسه وهم وتخيل للحقيقة، وليس حقيقة أيضًا! وبناء على ذلك: الدين وهو وحي"ما بعد الطبيعة"- خداع. هو وحي ذلك الموجود، الذي لا يحدده ولا مثله كائن من كائنات الطبيعة. هو وحي الله الخارج عن هذه الطبيعة كلية.. وكذلك"المثالية العقلية"وهم لا يتصل بحقيقة هذا الوجود الطبيعي. إذ هي تصورات الإنسان عن نفسه، من غير أن يستلهم فيها الطبيعة المنثورة، التي يعيش فيها، وتدور حوله."
"وإذن ما يتحدث به الإنسان، ككائن شخصي، عن الإنسان، كموضوع للوصف. أو ما يتحدث به الإنسان عن الطبيعة التي يعيش فيها، كموضوع للحكم عليها - مستمدًا حديثه عن هذه أو ذاك من معارف الدين، أو المثالية - هو حديث بشيء غير حقيقي، عن شيء حقيقي. هو حديث غير صادق، خضع فيه الإنسان المتحدث إلى خداع الدين بحكم التقاليد، أو إلى"الوهم"بحكم غرور الإنسان بنفسه!"
"إن عقل الإنسان -أي ما فيه من معرفة- وليد الطبيعة، التي تتمثل في: الوراثة، والبيئة، والحياة الاقتصادية، والاجتماعية.. إنه مخلوق. ولكن خالقه الوجود الحسي .. إنه يفكر. ولكن عن تفاعل مع الوجود المحيط به. . إنه مقيد مجبر. وصانع القيد والجبر هو حياته المادية… ليس هناك عقل سابق، كما أنه ليست هناك معرفة سابقة للإنسان. عقل الإنسان ومعرفته بوجدان تبعًا لوجود الإنسان. هما انطباع لحياته الحسية المادية."
"الطبيعة تنطق عن نفسها. ويجب على الإنسان أن يعتمد منطقها. إذا أراد أن يعيش فيها. ومنطقها وحده - لا منطق المؤهلين، ولا منطق العقليين، ولا منطق أصحاب النظرية السيكولوجية في معرفة الإنسان - هو الذي يخط الطريق المستقيم في حياة الإنسان فيها. وهو الذي يحدد أهدافه فيها!"
"وطريق الإنسان في حياته الطبيعية يبتدئ من الفرد، وينتهي بالجماعة، وإذن: الفرد نفسه ليس غاية. وحياته التي يعيشها ليست هدفًا لسعيه. إنما غايته الأخيرة التي يجب أن يسعى إليها، ويذهب فيها - كما يذهب العابد الصوفي، صاحب عقيدة"الاتحاد"فيما يؤهله ويعبده - هي"الجماعة"وطالما كانت الجماعة هي غاية الفرد الأخيرة، فهي معبوده، وتذهب حريته، لتبقى لها الحرية! وتفنى حياته لتبقى لها الحياة! ( ) ".
"الماركسية": -الجدلية المادية- ولماركس نظرية مادية، تأثر فيها بكومت (من فلاسفة الوضعية) . وهو لا ينكر وجود"العقل"كما ينكره المذهب المادي الميكانيكي. ولكنه لا يدعي فحسب أن المادة توجد قبل العقل، بل أيضًا المادة أكثر أهمية واعتبارًا من العقل متوقف على المادة في وجوده، ولا يمكن أن يوجد منفصلًا عنها. ونتيجة ذلك: ان ماركس لا يرفض فقط أن يبقى العقل (أو الروح) بعد الجسم - كما يذكر الدين- بل يرفض الفكرة الأساسية في الدين. وهي الإيمان بالله. كموجود أزلي مستقل تمامًا ومتجرد تمامًا على المادة.. وكحقيقة واضحة: كل دين بالنسبة لماركس - من حيث المبدأ- لعنة. وهو يحدثنا أن"كل دين مخدر للشعب"!
"وتبعية العقل للمادة، يصورها ماركس في صورة: أن العقل انعكاس للمادة، وليس كما يصرح"هيجل"بأن المادة انعكاس للعقل. وهذا يعني أن العقل نوع من المرآة العاكسة للعالم المادي. وهذا التصور الماركسي للحقيقة المادية، على أنها الأصل، يشمل عموم منطق الماركسية كل الأحداث الطبيعية وما يحيط بها من وجهة نظر متعددة، هي القوة المادية الرئيسية أيضًا. أما الأحداث السياسية والاجتماعية، والأخلاقية، فهي انعكاس للأحداث الاقتصادية الراهنة. وماركس وإنجلز، عن وجدا مغزى التاريخ في أحداث الحياة الاجتماعية بصفة عامة، لكنهما ينظران إلى الجانب الاقتصادي بالذات، من بين أحداث هذه الحياة. والأحوال الاقتصادية تبعًا لذلكن هي العوامل المحددة في كل الحالات الاجتماعية، وهي التي تكوّن البواعث الأخيرة، لكل الأعمال الإنسانية في تاريخ الجماعة البشرية."
"وتغير الأحوال الاقتصادية وتطورها يؤثر لذلك - وحده - على حياة الدولة، وعلى سياستها، وكذلك على العلم، والدين. وهكذا كل الإنتاج الثقافي والذهني فرع عن الحياة الاقتصادية. وكل التاريخ لهذا يجب أن يكون تاريخ اقتصاد" ( ) .
وهكذا انتهت محاولة الهروب من الكنيسة، وتصوراتها الدينية لا المحرفة المشوبة بالأفكار البشرية، وسوء استغلالها لسلطانها باسم الدين .. انتهت أولًا إلى الفلسفة العقلية المثالية - على اختلاف اتجاهاتها ما بين معارضة الدين وإعلان سيطرة العقل في رأي فيشته .. وبين تأييد الدين باعتبار أن الله -سبحانه- عقل! في رأي هيجل - ثم انتهت ثانيًا إلى الفلسفة الحسية الوضعية على يد كومت واشتين تال. ثم إلى الجدلية المادية على يد كارل ماركس وزميله إنجلز.
وكان هذا الخط الطويل من الانحراف في الفكر الأوربي نتيجة مباشرة لتشويه التصور الديني بمقولات وتصورات بشرية، من صنع الكنائس والمجامع المتوالية. هذه المقولات التي استغلتها الكنيسة ذلك الاستغلال المنفر البغيض.
وإلا فإن نظرة إلى هذا التخبط في خطواته المتعثرة تكشف للباحث المتثبت أن الهاربين من"الله"- لكي يهربوا من قبضة الكنيسة - لم يصلوا إلى أية حقيقة"مضبوطة"يصح أن تكون عذرًا أو حجة لمن يريد أن يقول: إنه يلجأ إلى هذا هروبًا من معميات ما وراء الطبيعة!
وإلا فأي شيء"مضبوط"وصلت إليه الفلسفة العقلية المثالية مثلًا؟ ما هو هذا"العقل"الذي وكلت إليه أمر المعرفة بعيدًا عن الله وعن الطبيعة؟ ماذا تعرف عن ماهية العقل أو عن خصائصه؟ وماذا تعرف عن طريقة عمله وتأثراته وتأثيراته؟ أين يقع هذا العقل؟ أين يوجد؟ ما طبيعته؟ ما قانونه؟ .. كلها أسئلة لا جواب عليها حتى في القرن العشرين!
ثم هذه المقولات التي ابتدعتها هذه الفلسفة، وجعلتها حتمية، وبنت عليها كل قضاياها؟
"مبدأ النقيض"الذي قام عليه المذهب - والذي اعتمد عليه كارل ماركس فيما بعد - ما هو ؟ ما قيمته الواقعية؟ إنه ليس سوى مقولة عقلية مجردة، لا تتعامل مع الواقع في شيء:
استخدم"فيشته"مبدأ النقيض على النحو التالي.
"تصور الإنسان لنفسه -وحده- هو بداية الطريق. وأشبه بالمقدمات التي تستلزم نتائجها، على النحو الذي حدد به غاية فلسفته. فإذا تصور الإنسان نفسه، أي إذا"أنا"تصورت"أنا"نشا عنه أن"أنا"هو"أنا"و"ما ليس أنا"هو"غير أنا"فهنا"أنا"وهنا أيضًا"ليس أنا". ولكن وجود"ليس أنا"منطو في وجود"أنا الحقيقي"وإذن"أنا"باعتبار أنه يطوى في ذاته وجود"ليس أنا"هو"أنا وليس أنا".. وتصور الإنسان لنفسه أنتج إذن خطوات ثلاثًا في الفكر - أو ثلاثية!"
"وبما أنه ليس هناك في الأصل، عندما تصور الإنسان نفسه، إلا"أنا"فالأشياء الخارجة عن أنفسنا - أي الأشياء التي هي"ليس أنا"- نتصورها فقط عن طريق أن"أنا"يطوى في نفسه حقيقة أخرى، وهي:"ليس أنا". وهذه الأشياء الخارجة عن أنفسنا ليست منطوية فقط في"أنا"بل هي عمل لـ"أنا"ومن إنتاجه" ( ) !
والآن .. ما الذي يحتم -من الواقع- أن يكون"أنا"هو وحده الموجود. وأن يكون"ليس أنا"لا وجود له ابتداء، إنما هو من عمل"أنا"ومنطو في"أنا"؟ ومن إنتاجه؟
ماذا يحتم هذه المقولة من الواقع؟ لا شيء! وإنما هو مجرد تحكم عقلي من"فيشته"لبناء مذهب! ومن هنا يكون هذا الأساس العقلي"المثالي"لا يتعامل مع الواقع في شيء. وليس له رصيد في حياة البشر! وكان من حق المدرسة الوضعية أن تسخر من هذه"المثالية"التي لا مدلول لها في دنيا الواقع، ولا فاعلية ما في حياة الناس! لولا أنها لم تسخر منها لتأتي بما هو خير. بل بما هو أشد إحالة وأبعد عن الصواب!
إن فيشته يتخذ من المبدأ السابق، الذي لا رصيد له من الواقع كما رأينا، قاعدة يثبت بها أن العقل هو الموجود الحقيقي الذي لا يتوقف وجوده على غيره.
"ومنطق هذا المبدأ - على هذا النحو الذي استخدمه فيشته - أن العقل مستقل تمامًا عن غيره. وموجود من أجل نفسه. ووجوده هو وجوده هو، لا وجود غيره. وماهية العقل تتضح إذن من العقل نفسه. وليست مما هو خارج عنه. إذ لو توقف العقل على غيره الخارجي عنه، لكان معنى ذلك أن"ليس أنا"هو نقطة البداية. وفي ذلك إلغاء للعقل نفسه، قبل أن يصل إلى غيره. لأنه لا معنى لوجود"ليس أنا"إلا نفي وجود"أنا"أي نفي العقل" ( ) !
فما الذي يحتم -من الواقع- أن يكون معنى وجود"ليس أنا"هو نفي وجود"أنا"؟ ولماذا هذا التحتيم؟ إنه مجرد تحكم ينقضه العقل ذاته، حين يتخلص من إسار المذهب!
فإنه ليس هناك ما يمنع -عقلًا- أن يكون"أنا"موجودًا و"ليس أنا"موجودًا كذلك، و يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر !!
ولكن المسألة كلها كانت هي إقامة إله آخر، غير إله الكنيسة! إله ليس له كهنة ولا كرادلة ولا بابا ولا كنيسة! ومن ثم أقيم هذا"العقل"إلها، لا سدنة له ولا كهنة! وهذا هو الهدف النهائي المقصود !!!
كذلك استخدم هيجل مبدأ النقيض، مع استخدام مصطلحات جديدة غير مصطلحات فيشته:
"وإذا كان فيشته قد استخدم مبدأ"النقيض"في دعم سيادة العقل كمصدر للمعرفة، مقابل الدين أو الطبيعة -على نحو ما رأينا- فـ"هيدل"استخدم نفس المبدأ لتأكيد قيمة العقل. ثم لدعم فكرة الألوهية من جديد، وتأكيد"الوحي"كمصدر أخير"للحقيقة" على اعتبار أن الله عقل. وبدل المصطلحات الثلاثة التي تعرف لـ"فيشته"في استخدامه مبدأ النقيض، والتي تعبر عن الخطوات الثلاث للفكر عند تطبيقه - يعبر هيجل عن ذلك بعبارات خاصة به، هي: الدعوى. ومقابل الدعوى. وجامع الدعوى ومقابلها."
…"فقد تصور - في مجال"الفكرة"- أن هناك فكرة مطلقة أسماها"العقل المطلق"ولهذا العقل المطلق وجود ذاتي أزلي قبل خلق الطبيعة وقبل خلق العقل المنتهي. هذا العقل المطلق هو الله. وقد انبثقت منه"الطبيعة"وهي تغيره. إذ أنها بعيدة متفرقة بينما العقل المطلق واحد وحدة مطلقة من كل قيد. وبوجود الطبيعة ظهرت أو انتقلت"الفكرة"في العقل المطلق غير المحدد، فيما وجوده مقيد محدد. فالطبيعة هي خروج"الفكرة"من دائرتها الأولى. ومن أجل ذلك هي ضرورة وصدفة. وليس فيها حرية واختيار. وتعتبر بذلك مقابلًا ونقيضًا للفكرة في العقل المطلق. وإذا كان العقل المطلق"دعوى"فالطبيعة عندئذ"مقابل الدعوى". و"الفكرة"بذلك انتقلت من المطلق إلى المقيد، أو من النقيض إلى نقيضه. فالفكرة من حيث هي فكرة، انطوت على نقيضها، حتى الآن، ولكن"الفكرة"في الطبيعة، تسعى من جديد لتكسب الوحدة، بعد أن افتقدتها في تفرق الكائنات فيها، وتسعى لتحصيلها وتحقيقها. وتحصيلها هو"العقل المجرد". والعقل المجرد هو نهاية الطبيعة وغايتها. وهو عندئذ جامع الدعوى ومقابل الدعوى!" ( ) .
وهذا نموذج كذلك من"المثالية"التي ضاقت بها"الوضعية"في أوربا. وحق لها أن تضيق! وهي هكذا تتعامل مع تصورات عقلية مجردة، ومع مصطلحات لا رصيد لها من الواقع ولا علاقة لها بالإنسان الواقعي ولا بالحياة الواقعية!
ولكن السادة الوضعيين حين كفروا بغله الكنيسة، ثم كفروا بإله"العقل"، لم إلى ما هو أهدى. لقد أقاموا من الطبيعة إلها .. ولكن ما هي هذه الطبيعة؟ ما هي هذه الطبيعة التي"خلقت"العقل، والتي كما يقولون:"تنقش الحقيقة في العقل"؟ أهي كائن محدد؟ أهي ذات كلية؟ أم هي هذه"الأشياء"المتفرقة من أجرام وأشكال وحركات وهيئات؟ أهي شيء له حقيقة مستقلة عن تصور العقل الإنساني لها؟ أم هي الصورة التي تنطبع في العقل عن المحسوسات التي يدركها؟ أم هي شيء له حقيقة في ذاته، وما ينطبع منها في العقل قد يطابق حقيقتها وقد لا يطابقها؟
وإذا كانت هذه الطبيعة هي التي"خلقت"العقل البشري، فهل هي"خالق"له إيجابية"الخلق"من العدم؟ ولماذا إذن خلقت العقل في الإنسان ولم تخلقه في الحيوان؟ أو في النبات؟ أهي ذات إرادة مميزة مختارة؟ تختار كائنًا بعينه من الكائنات لتمنحه هذه المنحة الفريدة؟
أما إذا كانت حقيقتها لا تتجلى إلا في الفكر البشري. أفلا يكون ظهور هذه الحقيقة إذن متوقفًا على وجود العقل البشري؟ فكيف تكون هذه الطبيعة"خالقة"له، بينما هي لا تظهر إلا فيه؟!
ثم إن هؤلاء السادة يحيلوننا على معمى لا ضابط له ولا حدود .. وهم يشيرون إلى الطبيعة !!!
فما الطبيعة؟ أهي مادة هذا الكون؟ وما هي ماهية هذه المادة؟ إن ما كانوا يسمونه"المادة"ويحسبونه شيئًا ثابتًا قد تبين لهم هم أنفسهم أنهم لا يستطيعون تحديد ماهيته. إن المادة تنحل فإذا هي إشعاع. فهل الإشعاع هو الطبيعة. وهو المادة؟ أم إن المادة -والطبيعة كذلك- هي الصورة التي يتجسم فيها هذا الإشعاع؟ إنه لا يثبت على حال هذا الإله! فبينما هو متجسم إذا هو منطلق. وبينما هو منطلق إذا هو متجسم! ففي أي حالة من حالاته يا ترى تكون له القوة الخالقة للعقل البشري؟ وهل هو الذي يخلق كذلك صورة نفسه المتوالية المتحركة أبدًا؟ من إشعاع إلى ذرات. ومن ذرات إلى كتل.. ومن كتل إلى ذرات. ومن ذرات إلى إشعاع! - ودع عنك الحياة والخلية الحية والحياة المترقية!- متى يكون لهذا الإله قوة الخلق؟ في أي حالاته؟ ومن الذي خلق الإنسان الذي تخلق الطبيعة عقله؟ أهي خلقته ابتداء؟ أم اكتفت بأن تخلق عقله بعد وجوده؟!
وإذا كانت الطبيعة هي التي"تنقش الحقيقة في العقل الإنساني".. فلماذا العقل الإنساني بالذات؟ أليست تنطق وتسمعها كل الكائنات الحية؟ فهل يا ترى تنقش هذه الحقيقة كذلك في عقول البغال والحمير والببغاوات والقرود أم لا تنقشها؟ وهل الحقيقة التي نقشتها في عقل الببغاء أو عقل القرد هي ذاتها التي نقشتها في عقل"أوجست كومت"أو عقل كارل ماركس؟!
وإذا كانت الطبيعة هي التي تنقش الحقيقة في العقل الإنساني فما هي الحقيقة الصحيحة؟ هل كانت هذه الحقيقة والعقل يجزم بأن الأرض مركز الكون؟ أم وهو يجزم بأنها ليست سوى تابع صغير من توابع الشمس؟ هل كانت والعقل يجزم بأن المادة هي هذه الأشياء الصلبة المحسة؟ أم وهو يجزم بأن المادة ليست سوى طاقة متجمعة، في صور متحولة؟ هل كانت والعقل يجزم بأن الطبيعة ليست شيئًا سوى"عمل العقل"؟ أم هو يجزم بأن العقل ليس شيئًا سوى انطباع المادة؟
أيّ هذه المقررات العقلية كانت هي الحقيقة التي نقشتها الطبيعة في العقل البشري؟ تراها تخطئ في النقش؟ أم أن العقل نفسه هوا لذي يشوه النقش؟ وهل له إذن فاعلية ذاتية وشخصية مستقلة؟ في حين يقول السادة الوضعيون: إنه ليس شيئًا آخر سوى ما تنقشه هذه الطبيعة؟!
وندع الحياة ونشأتها وأسرارها -كما قلنا- إلى موضع مناقشة هذا السر في التصور الإسلامي والتصورات الأخرى.. ندع الحياة وأسرارها فلا نناقشها هنا ونسأل: أي إله هذا الذي يقدمه لنا السادة الماديون؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا في عقولنا ولا في واقعنا منه شيئًا"مضبوطًا"فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به. وهو هباء لا يثبت على اللمس، ولا يثبت على الرؤية، ولا يثبت على النظر العقلي أيضًا؟ نحن - والحمد لله - لسنا هاربين من الكنيسة؟!!
أما هذا المسخ الذي يثير الاشمئزاز في تصور كارل ماركس وانجلز للحياة البشرية ودوافعها ومجالها الذي تتحرك فيه، وحصرها في حجر"الاقتصاد"فإن الشعور بالاشمئزاز منه يزداد، عندما يقف الإنسان أمام عظمة الكون المادي نفسه. وما فيه من موافقات عظيمة عجيبة، يبدو فيها كلها كأنما هي تمهيد للحياة البشرية بوجه خاص: فلا يتمالك نفسه من الاحتقار والاشمئزاز لمثل هذا التفكير الصغير، ولمثل هذا الشعور الذي لا تروعه عظمة هذا الكون ذاته، ولا تروعه الموافقات الكامنة فيه لاستقبال الحياة البشرية.. فإذا به يدير ظهره لكل هذه العظمة، ولكل هذه الروعة، ليخنس في حجر الاقتصاد، والآلة والإنتاج- لا بوصفها غاية للإنسان ومحركًا فحسب - ولكن بوصفها كذلك العلة الأولى، والإله الخالق، والرب المتصرف، المصرّف لهذه الحياة!
ولكنا نعود بعد ذلك كله فنذكر أن هذا البلاء كله - من مبدئه إلى نهايته- إنما جاء ثمرة طبيعية لانحراف الكنيسة والمجامع بالتصور الرباني. ومحاولة الفكر الأوربي أن يأبق من وجه الكنيسة وإلهها الذي تستطيل به! فنحمد الله أن ظل التصور الإسلامي"الرباني"محفوظًا! وإن لم تقم عليه كنيسة! وإن لم يقع بينه وبين العقل البشري والعلم البشري ذلك الصدام، الذي قادم الفكر الأوروبي إلى هذا التيه وهذا الركام!
ونذكر أن التصور الإسلامي يدع العقل البشري وللعلم البشري ميدانه واسعًا كاملًا - فيما وراء أصل التصور ومقوّماته - ولا يقف دون العقل يصده عن البحث في الكون. بل هو يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه إليه دفعًا. ولا يقف دون العلم البشري في المجال الكوني. بل هو يكل أمر الخلافة كله -في حدود التصور الرباني- للعقل البشري وللعلم البشري.. وندرك مقدار نعمة الله ومقدار رحمته في تفضله علينا بهذا التصور الرباني، وفي إبقائه وحفظه على أصله الرباني..