فهرس الكتاب

الصفحة 1709 من 1942

-وكان الأجدر بهم أن يرجعوا إلى أنفسهم ( قل هو من عند أنفسكم ) لكي يعرفوا الخلل ، ويشمروا عن ساعد الجد ، ويبدأوا عملية التقويم ، وجبر ما انكسر ، والنهوض من السقطة !

وهذا ما يجب علينا أن نفعله عند كل شدة .. أن نعرف إن كنا في موقف ابتلاء أم في موقف عقوبة ؟ لأن الفرق ما بين الموقفين عظيم

( مفاهيم في ضوء سنة الله في الخلق ) 7- - العبادة

والعبادة في الإسلام ليست الشعائر التعبدية من صلاة وصوم وزكاة وحج فقط .. بل إن كل نشاط يؤديه المؤمن يدخل في باب ( العبادة ) مادام يبتغي بهذا النشاط وجه الله .. ولقد سبق الحديث عن أن كل ما في هذا الوجود خاضع لسنن ربانية صارمة لا تتخلف .. وقد اقتضت مشيئة الله سبحانه ، أن تكون العبادة التي افترضها على عباده جزءًا من تلك السنن ، التي لا تستقيم حياتهم إلا بها ، فقد ركب الله عز وجل جبلة الإنسان من مركبين اثنين هما:

-الجسد، والنفس.

وأخضع كلا من هذين المركبين لسنن ضرورية لابد من مراعاتها حتى يصلح أمرهما .. فالجسد يحتاج إلى طعام وشراب ونوم وتزاوج ، وحاجات أخرى عديدة حتى يستطيع المحافظة على حيويته ونشاطه ، وحتى يستطيع التناسل والتكاثر للإبقاء على نوعه .. وهذه كلها سنن لازمة لوظائف الجسد ، فإن أصابها أي اختلال ، أصيب نظام الجسد بالاختلال والاضطراب .. وربما الموت والهلاك!

وكذلك هي النفس البشرية .. فهي تخضع لمجموعة من السنن التي لا غنى عنها ، حتى تحيا هذه النفس حياة سوية بعيدة عن الخوف والقلق والشقاء وشتى أنواع الاضطرابات النفسية .. وكما أن الإخلال بالسنن، التي يخضع لها الجسد يؤدي إلى اختلال وظائفه ، فكذلك الإخلال بالسنن التي تخضع لها النفس البشرية يؤدي إلى اختلال أكيد في سلوكها ، وفي استقرارها النفسي ..

وقد حذر القرآن الكريم مرارًا من الغفلة عن السنن التي تصلح أمر النفس ، لأن هذه الغفلة توقع المرء في الشقاء لا محالة .. ومن الآيات البليغة ، التي دلت على ذلك قوله تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين ) (الزخرف: 36) فالغفلة عن ذكر الله وعبادته ، تفتح الباب للشيطان ، لكي يوسوس في النفس ، ويعكر عليها صفوها وهدوءها ، ويوقعها تحت وطأة القلق والهم والحزن ..

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) (طه:134 - 136) ، فإن سنة الله هذه تقتضي أن تصبح حياة الإنسان حافلة بالضنك والتعب والنصب ، حين يغفل عن ذكر الله أو عن عبادته ، وهذه سنة ربانية ماضية في الناس إلى يوم القيامة .

هذا وقد أشار القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى أن العبادات المختلفة .. من صلاة وصيام وذكر .. تؤدي بالنفس البشرية إلى السمو ، وتترفع بها عن الدنايا ، وترقى بها إلى مراتب الفلاح والنجاح ، كما قال تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) (العنكبوت: 45) وقال كذلك: ( قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى ) (الأعلى: 14 - 15 ) فالزكاة والذكر والصلاة وشتى العبادات .. سبل إلى الفلاح والسكينة وراحة البال .

ومن هنا يظهر أن العبادات في الإسلام ليست مجرد شعائر ، تقام للتقرب إلى الله فحسب ، بل هي أيضًا سنن لازمة للكيان البشري ، حتى يستكمل وظائفه على الوجه الأكمل ، ودليل هذا أن الكيان البشري سرعان ما يصاب بالتفسخ والاضطراب إذا ما امتنع عن القيام بالعبادات المفروضة عليه .. وها نحن اليوم نرى أمراض النفس وقد تفشت بصورة مروعة في كثير من بلدان العالم ، التي حادت عن منهج الله ، وانقطعت عن العبادة .. حتى باتت الأمراض النفسية فيها تشكل أوبئة خطيرة تهددها بالفناء !

ولا غرابة في ذلك ، فإن الإنسان حين يغفل عن عبادة ربه ، فإنما هو يغفل عن سنة أساسية ، لا يمكن أن تستقر حياته إلا بها .. فكما أن الإنسان الذي يمتنع عن الطعام والشراب ، لا يلبث أن تتدهور صحته وتخور قواه .. فكذلك الذين يمتنعون عن العبادة ، فإن نفوسهم لا تلبث أن تضعف وتخور .. ثم تموت .. وإذا بهم (أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ) (النحل: 21) حتى وإن قاموا وقعدوا ، وتكلموا وتنفسوا ، وظنوا أنهم من الأحياء !

وهكذا حال المؤمنين .. فحين يدرك المؤمن أن أعماله كلها عبادة ، فإنه يصبح حريصًا على التزام جانب الصواب من أموره كلها ، بحيث توافق سنة الله التي سنها لعباده الصالحين .. وبهذا يكون المؤمن قد أدرك معنى الإحسان ، الذي أشار إليه الهادي البشير صلوات الله وسلامه عليه حين سأله جبريل عله السلام عن ( الإحسان ) فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .

( مفاهيم في ضوء سنة الله في الخلق ) 8- - الاجتهاد في الشريعة الإسلامية

.. عندما تناولنا بالبحث خصائص السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه ، خرجنا من ذلك بنتيجة ذات أهمية خاصة ، وهي أن لكل أمر في هذا الوجود سنة مخصوصة ، لا يتم إلا من خلالها ، ولا يمكن أبدًا أن يتم بغيرها من السنن .

وقلنا: إننا كلما أردنا تحقيق هدف من الأهداف ، علينا أولًا أن نعرف بالتفصيل طبيعة السنة ، التي تتعلق بهذا الهدف ..

وقلنا كذلك: إن اجتهادنا في تحقيق أهدافنا يجب أن يتوجه أولًا ، وقبل أي شيء آخر ، نحو معرفة تلك السنة .. حتى إذا عرفناها معرفة يقينية ، أصبح لزامًا علينا أن نأخذ بها ، وأن نلتزم بمعطياتها ، ولا يجوز لنا أبدًا - بعد ذلك - أن نختلف حول الموضوع المتعلق بهذه السنة .. لأن اختلافًا من هذا القبيل هو سبيل أكيد للفشل الذريع !

وتقودنا هذه النتيجة إلى مناقشة قضية الاجتهاد في الشريعة الإسلامية .. ونبدأ بإيراد مثالين اثنين نعرضهما كمدخل لهذا الموضوع ، وهما تركيب الماء وإنجاب الأطفال:

فنحن نستطيع الحصول على الماء بعدة طرق ، ومنها إجراء تفاعل كيميائي بين عنصري الهيدروجين والأكسجين ، كما نستطيع الحصول على الماء من حرق بعض المواد العضوية ، حيث ينتج عن هذا الاحتراق الماء وغاز الكربون ، ومواد عضوية أخرى ، وهناك طرق أخرى للحصول على الماء ، وهذه مسألة مادية بحتة لنا الحرية الكاملة فيها ، فلا فرق ولا ضير في أن نحصل على الماء بأية طريقة من تلك الطرق ، مادام الأمر متروكًا أصلًا لاجتهادنا ، فهذا الأمر وأمثاله يدخل تحت عنوان ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) كما جاء في الحديث النبوي الشريف الذي سنعود إليه بعد قليل.

وأما المثال الآخر ، فهو إنجاب الأطفال ، فالجنين البشري يمكن أن يتخلق بإذن الله عندما تلتقي نطفة الرجل ببيضة المرأة ، وهذا الالتقاء يمكن أن يتحقق بطرق عديدة ، منها الزواج الشرعي ، المحكوم بالكتاب والسنة ، ومنها الجمع بين نطفة الزوج وبيضة الزوجة في أنابيب الاختبار ، ومنها كذلك الزنا..

غير أن مسألة الإنجاب ليست كمسألة الحصول على الماء ، فإن الإنجاب محكوم بمجموعة من الأحكام الشرعية المعروفة ، ولم يترك لاجتهادنا واختيارنا ، وأما تركيب الماء فليس محكومًا بشيء من تلك الأحكام .. مما يعني أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط للتعامل مع مسائل الحياة المختلفة ، بحيث يمكن تقسيم هذه المسائل إلى قسمين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت