لا ريب أن للدعاء وظيفة عظيمة الأهمية في حياتنا ، ودليل ذلك تلك الآيات الكثيرة والأحاديث التي تحثنا جميعًا على التضرع لله ، وطلب المعونة منه .. (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) (غافر:60) ، (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان ) (البقرة: 186) ، (الدعاء مخ العبادة ) .. ولكن ليس معنى هذا أن يتوقف كل نشاط الإنسان على الدعاء وحده .. فاللدعاء مواضع يجدي فيها بإذن الله ، ومواضع لا جدوى للدعاء فيها كما سبق أن بينا .. ويكفي أن نشير إلى القاعدة العريضة التي ترتكز عليها الأعمال الناجحة ، وهي أن يستكمل الإنسان الشروط ، التي يعتقد أنها لازمة للعمل ، الذي يزمع القيام به ، ثم يقبل على العمل متوكلًا على الله ، سائلًا إياه التوفيق والرشاد .
وأما الإقدام على العمل من غير توفير تلك الشروط ، فإنه يعد إخلالًا بالقيام بمهمة الاستخلاف بالأسباب التي ناطها الله بنا.. لأن من شروط القيام بهذه المهمة أن نأخذ أولًا ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي ترك دابته سائبة ، وادعى أنه متوكل على الله في الحفاظ عليها: (اعقلها وتوكل ) اعقلها .. خذ بأسباب حمايتها وحفظها .. ثم توكل على الله .
وهكذا يجب أن يكون سلوكنا في هذه الحياة .. نأخذ بالأسباب ونهيئ الظروف ، ونراعي الشروط .. ثم تبقى قلوبنا معلقة بالله ، ضارعة إليه أن يسدد خطواتنا ، وأن يلهمنا الرشاد ، وأن يهدينا إلى السبل ، التي تعيننا على إنجاز أعمالنا على أحسن ما نحب ونشتهي .. وعندئذ يجدي الدعاء بإذن الله.
6 -- الابتلاء والمحنة
.. لقد شاءت إرادة الله عز وجل أن تكون حياة الإنسان فوق هذه الأرض سلسلة متواصلة لا تكاد تنتهي من الابتلاءات والمحن ، وفي هذا يقول سبحانه وتعالى: (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور ) (الملك: 1-2 ) وهذا الابتلاء قد يكون بالخير أو بالشر: (كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) (الأنبياء: 35 ) وقد يكون الابتلاء للمؤمنين في سبيل تمييز المجاهدين منهم والصابرين (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) (محمد: 31) فالابتلاء يمكن أن يكون في أي شأن من شؤون الحياة ، فالله عز وجل خلق البشر ، واستخلفهم في الأرض ، ولم يتركهم يهيمون على غير هدى ، بل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، فبينوا لهم سنن الهداية والرشاد ، وبشروهم بالفوز في الدنيا والآخرة ، إن هم أخذوا بها واتبعوها ، كما حذروهم من مخالفة هذه السنن ، وأنذروهم من عذاب الله إن هم ضلوا عنها ، وتنكبوا جادة الصواب .. فلم يعد إذن للناس من حجة بعد الرسل ، بل أصبحوا بعد الرسالات في غمرة الابتلاء والاختبار ، وغدوا مطالبين بتحري الصواب في شؤونهم كلها ، وإلا سقطوا في الامتحان , خسروا الدنيا والآخرة .. ويالها من خسارة !
وفي هذه الطريق الصعبة ، طريق الابتلاء تعترض الإنسان شدائد ومحن شتى فنجد أنه يتخذ حيالها أحد موقفين:
* الموقف الأول:
حين تصيب الإنسان شدة من غير قصد منه ، ولا إرادة ، ولا تدبير ، فهذا الموقف هو ما يصح أن نطلق عليه اسم ( الابتلاء ) ، والعبد المؤمن مأمور حين يبتلى على هذه الشاكلة أن يصبر على الشدة ، وألا يقنط من رحمة الله ، وأن يسأل الله تفريج كربه .. وهو مأجور بإذن الله على ذلك كله .
* الموقف الثاني:
حين تصيب الإنسان شدة نتيجة تدبير منه ، واختيار ، أو ممارسة فعلية خاطئة ، فهذا النوع من الابتلاء يصح أن نسميه مصيبة أو عقوبة ، حلت به نتيجة ما قدمت يداه .
ونضرب لهذين الموقفين مثالين من عالم الطب والصحة .. فالمرض يمكن أن يصيب الإنسان دون أن يكون قد عرض نفسه للأسباب الداعية للمرض ، بل قد يكون اتخذ الاحتياطات الوقائية ، التي يغلب على ظنه أنها تمنع المرض ، ولكنه مع هذا يصاب بالمرض .. ففي مثل هذه الحال نقول: إن الشخص تعرض للابتلاء .
وأما المثال الآخر ، فهو نقيض للأول ، ونشاهده عندما يصاب الشخص بالمرض نتيجة تفريطه في أمور صحته ، وعدم أخذه بأسباب الوقاية ، كأن يتناول طعامًا أو شرابًا يضر بصحته ، أو يزني ، أو يتناول المخدرات .. فهذا الشخص يعد مفرطًا في أمر صحته ، ومن ثم يصح أن نعد ابتلاءه نوعًا من العقوبة ، التي حلت به نتيجة مخالفته لقواعد الصحة أو للسنن التي بها يمتنع المرض بإذن الله .
ويظهر لنا هنا الفارق الجوهري ما بين الابتلاء والعقوبة .. ويمكن أن نسوق أمثلة كثيرة لزيادة الإيضاح ، ولا بأس أن نتناول موضوع الجهاد من هذا المنظور ، وبخاصة أنه كثر الحديث حول هذا الموضوع في أيامنا الحاضرة .. فالمؤمنون مأمورون ابتداءً بالإعداد لمواجهة أعدائهم قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) (الأنفال:60 ) فبعد هذا الأمر الرباني الصريح بالإعداد لا يصح أن يغفل المؤمنون عن أخذ الأهبة ، وتجهيز ما يلزم من عتاد وعدد ، استعدادًا للجهاد ، ولا يجوز لهم أن يدخلوا المعركة ضد معسكر الكفر ، إلا بعد أن يستوفوا شروط القتال ، فيخططوا للمعركة تخطيطًا دقيقًا واعيًا بكل الملابسات ، ويجندوا طاقاتهم البشرية والمعنوية تجنيدًا مناسبًا ، حتى يغلب على ظنهم أنهم أخذوا بالأسباب ، التي تكفل لهم النصر بإذن الله .. فإن هم فعلوا هذا ، ودخلوا المعركة صابرين مقبلين غير مدبرين ، ثم لم ينتصروا ، كانت هزيمتهم حينئذ ابتلاء من الله ، لأن الهزيمة وقعت لأسباب خارجة عن إرادتهم وتدبيرهم .. والمجاهدون حينئذ مأجورون بإذن الله على جهادهم على الرغم من هزيمتهم .
وعلى النقيض من ذلك تكون حال المؤمنين ، لو أنهم دخلوا المعركة بلا إعداد ولا تخطيط ولا معرفة بأصول القتال .. لأن هزيمتهم حينئذ تكون عقوبة على ما فرطوا في أمرهم ، ولمثل هذا ألمحت الآيات الكريمات من سورة آل عمران ، والتي حملت المؤمنين مسؤولية ما أصابهم يوم ( أحد ) ، عندما قصر بعضهم ، فغادروا مواقعهم التي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتزامها ، وذلك طمعًا منهم في الغنيمة ، فقال الله تعالى في حق هؤلاء: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا ، قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) (أل عمران: 165) والمصيبة التي تشير إليها الآيات الكريمات ، هي ما أصاب المسلمين يوم أحد من قتل السبعين منهم ، وأما الإشارة في قوله تعالى: (قد أصبتم مثليها ) فتعني يوم بدر ، فقد قتلوا في ذلك اليوم سبعين رجلًا من المشركين وأسروا سبعين آخرين ، وقد أرجعت الآيات سبب المصيبة التي أصابتهم يوم أحد إليهم هم أنفسهم (قل هو من عند أنفسكم ) (آل عمران: 165) بمعنى أن هزيمتهم كانت عقوبة لهم على تفريطهم!
ولعلنا بهذه الأمثلة قد أوضحنا بما يكفي الفرق ما بين معنى الابتلاء ، ومعنى العقوبة ، إذ كثيرًا ما يخلط الناس بين المعنيين ، فيظنون أن المصائب التي تنزل بهم نتيجة أخطاء يرتكبونها ، أو نتيجة مخالفة لسنة معروفة من السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق .ز يظنون ذلك نوعًا من الابتلاء يكرمهم الله به ، فنراهم يستبشرون بما ينزل بهم ، لاعتقادهم بأن الله اختارهم للابتلاء كرامة لهم ، حتى يجزل لهم الجزاء!!
-وكان حريًا بمثل هؤلاء أن يحسوا بالندامة على ما بدر منهم ..