كان هذا المجتمع في مجموعه أدنى درجة من مجتمع العصر الأموي .. ولكنه بعد مجتمع"مسلم"يعيش على مفاهيم الإِسلام ، مع درجات من الانحراف في هذه المفاهيم هنا أو هناك .
وجاء العصر التركي .. حين استولى الأتراك العثمانيون على مقاليد الإِسلام .
وقد حقق الأتراك للإِسلام أمجادًا حربية رائعة ما في ذلك شك . ولكن لا شك كذلك في أن مفاهيم الإِسلام قد عانت انحسارًا كبيرًا على يد الأتراك . أو الأحرى أن نقول إنها جمدت وتحجرت على أيديهم وتوقفت عن النماء .
لقد كان أبرز ما في الإِسلام منذ مولده أنه"حركة".. حركة فاعلة في كل اتجاه ، في ميدان الفتح ، كما هو في ميدان العلم ، وميدان الفقه ، وميدان الاقتصاد والاجتماع والفكر والسياسة .. وكل منحى من مناحي الحياة .
فلما تولاه العثمانيون امتدوا به في ميدان الفتح ما شاءت لهم عبقريتهم الحربية وقوتهم العسكرية . ولكنهم جمدوا به جمودا معيبًا في بقية الميادين .
لم يكن لهم كبير اهتمام بالعلم .. ومن ثم توقف المد العلمي الإِسلامي في ذات الوقت الذي بدأت فيه أوربا تنهل من المنابع الإسلامية لتستمد منها كل أسس النهضة الحديثة ، كما هو مسجل ومعروف لدى المؤرخين .
ولم يكونوا أصلاء في الفقه .. فكل ما دفعتهم إليه تقواهم هو الحرص على التراث الفقهي القائم بالفعل ، وتجميده على ما هو عليه .
والفقه هو التعبير الدائم عن نمو المجتمع في ظل الفكرة الإسلامية . ومن ثم تلاقي تجميد الفقه وتجميد المجتمع الإِسلامي في وقفة هائلة منكرة لم يصب الإِسلام بأسوأ منها في تاريخه الطويل .
حافظ المجتمع على تقاليده الموروثة ولكن هذه التقاليد ذاتها فقدت معناها . صارت مظهرًا بغير روح . مظهرًا مقدسا في ذاته ولو لم يؤد إلى المعنى المقصود به . ومن ثم كان الحجاب التركي - مثلا - مظهرا مقدسا من مظاهر المجتمع ، ولو كان الفسق والفجور في أيام الدولة الأخيرة يجري داخل القصور .. المحجبة التي لا تصل إليها عين إنسان !
ومن هذه الوقفة المنكرة بدأ الخطر الحقيقي على الإِسلام ... فليس أخطر على أية فكرة أو نظام من أن يقف نموه ويتجمد على صورة من الصور .. لأنه يأخذ بعد ذلك حتما في الاضمحلال والضمور .
وفي أثناء ذلك كله كان الإسلام قد تعرض لأحداث عنيفة أليمة من الداخل والخارج على السواء . من صراعات الأسر الحاكمة ، ومن هجمات المغول والتتار ، وهجمات الصليبيين حينا بعد حين .. فلما جاءت هذه الوقفة المتحجرة على يد الحكم العثماني ، كان ذلك إرهاصا بضربة قاصمة تصيب الإسلام .
ولم يفت ذلك العالَمَ الصليبي المتحفز الواقف بالمرصاد ، فقد كانت هذه فرصته السانحة المرتقبة من أزمان .
وانقض الصليبيون انقضاضتهم الهائلة على العالم الإِسلامي ليدمروه ويقضوا عليه
ومع ذلك .. مع ذلك كله الذي أصاب الإسلام من داخله وخارجه .. فهل كان الإِسلام قد مات وكتب عليه الفناء ؟!
كلا !
فقد اقتضى الأمر من الصليبيين قرنا كاملا ليتغلبوا على العالم الإسلامي بكل ما يملكون من قوة وعتاد .
واقتضاهم قرنا آخر ليحاولوا تدميره والقضاء عليه بعد أن حكموه . مع كل ما يملكون من كيد ومكر وتدبير .
وقد حدث تحول هائل في العالم الإسلامي بعد هذا الغزو الصليبي الأخير .
هو أكبر تحول في تاريخه كله .. وأكبر انحراف .
لقد كان المجتمع الإسلامي قد ضعف وتجمد . نعم . ولكنه لم يكن في طريقه إلى الزوال .
فالحيوية العجيبة التي تتمثل في هذه العقيدة .. الحيوية التي احتملت الهزات السابقة كلها ، من صراع الأسر الحاكمة ، وغارات التتار والصليبيين ، وأفاقت منها بعد فترة وتغلبت عليها .. هذه الحيوية العجيبة كانت قد بدأت تتحرك من الوقفة العثمانية المنكرة ، وبدأت تتحرر من ثقلة القيد التركي ، لتعاود الانطلاق من جديد .. تلك الحركات التي تمثلت فيما بعد في الحركة الوهابية في الحجاز ، والحركة المهدية التي قام بها المهدي الكبير في السودان .. وكانت تلك الحركات قمينة أن تعيد للإِسلام حيويته وانطلاقه ليكتب فصلا جديدا في حياة البشر يضاف إلى ما مضى من الفصول .
ولكن الاستعمار الصليبي كان قد عاجل العالم الإسلامي قبل تلك اليقظة الحية .. ليقضي على عدوه القديم .
وصنع الاستعمار الصليبي كل ما وسعه وما وسعته شياطين الأرض .. لتكون هذه الضربة هي القاضية ، وليقتلع الإسلام من الجذور .
في هذه المرة لم تكن وسيلتهم هي الجيوش وحدها كما كان الأمر في الغزوات السابقة . ولكن كان إلى جانب الجيوش كل ما يملكون من علم وكيد وتدبير ومكر ، يشوهون به تعاليم الإسلام ذاتها ، وينشرون هذه الصورة المشوهة في قلوب المسلمين أنفسهم ، ليصرفوهم عن الإِسلام في الواقع بعد أن فشلوا في تنصيرهم على يد المبشرين ! (58)
وحين جال الاستعمار الصليبي جولة في العالم الإِسلامي ، كان الانحراف في المجتمع المسلم قد أخذ مداه ، وكانت قد وجدت تلك الأفكار الغريبة - التي لم توجد قط من قبل في أي عصر من عصور الإِسلام في رفعته او هبوطه - الأفكار التي تقول: ما للدين ونظام المجتمع ؟ ما للدين والاقتصاد ؟ ما للدين وعلاقات الفرد بالمجتمع وبالدولة ؟ ما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة ؟ ما للدين والتقاليد ؟ ما للدين والملبس - وخاصة ملابس المرأة ؟ ما للدين والفن ؟ ما للدين والصحافة والإِذاعة ، والسينما والتليفزيون ؟ وباختصار: ما للدين والحياة ؟ ما للدين والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض ؟!
وكان قد وجد المسلم الذي يقول: أنا مسلم ما دمت أصلي وأصوم ، ولكن لا عليّ أن آخذ نظامي الاقتصادي من أية فكرة على الأرض غير إسلامية ، وآخذ أفكاري وتقاليدي من أي نظام على الأرض غير مسلم .
وكانت قد وجدت المسلمة التي تقول: أنا مسلمة ما دامت نيتي حسنة .. ولكن لا عليّ أن أخالط الشبان وأخرج معهم ، ولا عليّ أن ألبس أحدث أزياء الموضة ولو كانت عارية الصدر أو الظهر أو الذراعين أو الساقين .. أو عارية البدن كله إلا قليلا على شاطئ البحر .. ولا عليّ أن أتزين بكل أنواع الزينة .. ولا عليّ أن أرقص في الحفلات إذا اقتضى الأمر .
وفوق هذا وذلك كان قد وجد"المسلم""والمسلمة"اللذان ينسلخان من دينهما علانية ، ويعلنان أن الدين رجعية وجمود وانحطاط وتأخر .. ينبغي تحطيمها"لتنهض !"الأمة وتخطو إلى الأمام !
وكان ذلك هو حصيلة الجهد الجبار الذي بذله الاستعمار الصليبي في العالم الإسلامي خلال قرنين كاملين من الزمان ، ولكنه لم يكن يعمل وحده .. فقد كانت إلى جانبه - في العالم كله - تيارات مادية منحلة ، تنسلخ من الدين وتندد به وتدعو إلى حيوانية بشعة لا مثيل لها من قبل بهذه الضراوة ، تسند هذا الانحلال الشنيع بنظريات"علمية !"سيكلوجية واجتماعية ، وتضيف إليها أسطورة ضخمة اسمها"التطور"!
من هذه وتلك حدث أكبر انحراف في تاريخ الإسلام .
وفي الفصلين القادمين بيان لكيد الاستعمار الصليبي من ناحية ، والتيارات العالمية من ناحية . ونبدأ بالكيد الصليبي في داخل العالم الإسلامي ، وهو ما سميناه"عوامل محلية".
بدأت بالحملة الفرنسية على مصر صفحة جديدة في التاريخ الإِسلامي .. صفحة سيئة .
لقد هجمت الجيوش الصليبية من قبل على العالم الإِسلامي هجمات متكررة .. ثم ردت مدحورة في كل مرة ، مهما كان مدى لبثها في بعض الأراضي الإِسلامية ، ومهما كانت الخسائر التي تكبدتها الجيوش الإِسلامية في صد العدوان وطرد المعتدين .