ولكن أوربا في"تطورها"خرجت من نطاق الدين . وخرجت من"الضوابط"التي كانت تضبط رغبة المتاع .. ومن ثم غرقت في المتاع بلا ضابط ولا حدود .
بدأت بالمتاع الجنسي . ولكنها لم تقف عنده . وكان طبيعيا ألا تقف عنده . فتلك سنة الله في كل الأرض على مدار التاريخ . كل حضارة من حضارات التاريخ تسربت إليها الرغبة الزائدة في المتاع ، بدأت بالمتاع الجنسي ، وتلاه وسار معه متاع في كل فروع الحياة . متاع يصل في النهاية إلى الترف والاسترخاء .
وكذلك كانت تلك الموجة"المتطورة"في أوربا ..
وساعدتها الصناعة والتقدم االفني في عالم الإِنتاج .
وامتلأت الحياة"بالمباهج"التي تنتجها الصناعة الحديثة: السينما والإذاعة والتليفزيون ، والسيارة الفاخرة . والأثاث الوثير والفراش المريح .. وسعت الصناعة بكل وسيلة إلى"تجميل"الحياة وتزيينها ، وعرضها في صورة براقة مغرية جذابة ..
ولا عيب في هذا في ذاته !
ولكن العيب في"القيم"التي تحكم الحياة ..
فما هدف الحياة في نظر المشرفين على هذا النوع من الإِنتاج ، وما هدفها عند المتلقين لهذا الإِنتاج ؟
ولن ندخل في جدل مذهبي عن"الرأسمالية"وطريقة إنتاجها وأهدافها الاستغلالية ، لتضمن أكبر قسط من الربح يدخل سهلا إلى جيوب أصحاب رأس المال .
المسألة في نظرنا أعمق من ذلك ..
فلو لم تجد الرأسمالية الإقبال الشديد على هذا النوع من الإِنتاج ، لسعت إلى الربح عن طريق غيره ، ما دام الربح هو هدفها الوحيد كما تقول الشيوعية .
المسألة هي الرغبة في المتاع الزائد ، التي ولدت في أوربا في ظل المفهوم المادي الحيواني للإِنسان ، وسعى الصهيونية العالمية إلى إفساد العالم غير اليهودي ( الأميين أو الأمميين كما يدعونهم ) لتكون لهم السيطرة الكاملة عليهم ، يوم يقودونهم من مقود الشهوات !
وأيًا كانت الأمور فقد امتدت تلك الرغبة في المتاع الزائد حتى أصبحت"سمة"من سمات الحضارة الحديثة تنشرها في الآفاق ..
وأيًا كانت نتائجها الحاضرة والمستقبلة في حياة الأمم - كما صنعت في فرنسا في الحرب الأخيرة ، وما تزال تصنع في غيرها من البلدان - فإن الجانب الذي يهمنا منها هنا هو تأثيرها على المفاهيم الروحية والدينية والخلقية في كل مكان تحل فيه
إن التعارض واضح بين الاتجاه الديني ، والرغبة الزائدة في المتاع .. لا لأن الدين - الإِسلامي بصفة خاصة - يحرم المتاع أو يحاربه ، وهو الذي يقول: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) ولكن لأن المتاع الزائد عن الحد يفسد النفس ويرهلها ، ويحبب إليها الحياة الدنيا فتنسى الآخرة وتنسى"التكاليف"المرتبطة بالآخرة .. وتنفر من الضوابط التي تحرمها من ذلك المتاع .
وهذا ما حدث بالفعل .. فكلما غرقت النفوس في المتاع بعدت عن محيط الدين ، ونفرت من قيوده وضوابطه ، وتمنت من صميمها أن يخفت إلى الأبد أو يزول .
ومع"المدنية"التي أغرقت العالم الإسلامي في ظل الاستعمار ، سرت تلك الرغبة الزائدة في المتاع ، باسم التحضر والرقي .. أو بأي اسم من الأسماء .
وكانت كالحمض الأكّال يأكل العقيدة من النفوس .
ولم يكن الإِسلام ليحرم وسائل الراحة التي توفر الوقت والجهد .. من سيارة وطائرة وقطار سريع ، وثلاجة كهربائية وغسالة كهربائية وفرن وما إلى هذه الأشياء ..
ولم يكن ليحرم السينما في ذاتها ولا الإِذاعة في ذاتها ولا التلفزيون (70) .
ولكنه ولا شك يحارب روح الترف والترهل ، ويحارب الفجور الخلقي الذي تنشره السينما الحالية والإِذاعة الحالية .. التي تعرض الحياة كلها كأنها لحظة جنس هابط مسعور .
وأيًا كان الأمر فقد امتد ذلك الحمض الأكال من الغرب إلى الشرق ، وسمي"تطورًا"وحضارة ومدنية .. وأضيف إلى عوامل الهدم السابقة كلها ، التي توجّه لهدم الإِسلام !
حركات التحرر .. وحركات المساواة .. وحركات الإِغراء !
وهي قصة طويلة ما بنا من حاجة إلى سردها بتفاصيلها في هذا المقام .
وقد تحدثت عنها في كتاب"معركة التقاليد"بصفة خاصة وفي كتاب الشبهات .
وإنما يكفي هنا أن نقول إن الحركة النسائية في أوربا كانت حركة"منطقية"مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية هناك . ولكن لم يكن"حتما"أن تأخذ صورتها تلك في أوربا ذاتها لو آمن القوم بغير ما آمنوا به هناك ، ثم لم يكن حتما أن تأخذ نفس الصورة في العالم الإِسلامي حيت لم تكن توجد تلك الظروف على الإِطلاق .
وفرق - كما قلنا من قبل هنا وفي الكتب الأخرى - بين إزالة الظلم الذي كان واقعًا ولا شك بالمرأة المسلمة ، من جهالة وعبودية وحيوانية تخالف الإسلام مخالفة صريحة ، وبين اتخاذ تلك الصورة المزرية التي لا تفسد المجتمع فحسب ، بل ترد المرأة ذاتها متاعًا جسديًا مباحًا لكل راغب تتهيأ له الظروف .
بدأت القصة حين نكل الرجل عن إعالة المرأة في المجتمع الصناعي"المتطور !"فاضطرت إلى العمل بنفسها لتعول نفسها ، وأحيانًا لتعول أسرتها كذلك . فاستغلها أصحاب المصانع وأعطوها نصف الأجر الذي يعطونه للرجل مع أنها تعمل معه في نفس المصنع وتعمل نفس العدد من الساعات !
وهي"عدالة"لا يطيقها إلا الضمير الأوربي المترفع المتطور النبيل !
وكان لا بد للمرأة أن تطالب بحقها الطبيعي المنطقي .. واستعملت كل وسائل المطالبة: الإِضراب والتظاهر والدعاية والإعلان .. ثم بدا لها أنها لا بد أن تشارك في مصدر التشريع لتستخرج تشريعات في صالحها ، لأن التشريعات هناك يضعها أصحاب المصالح لاستغلال الآخرين ، ولا يضعها الله لعباده كلهم كما هو الحال في الإِسلام ، فطالبت بحق الانتخاب ، ثم حق دخول البرلمان .. ثم طالبت بالمساواة في الوظائف والمساواة في التعليم ..
وفي الطريق .. طالبت بأنواع أخرى من المساواة !
ورغم أنه هو كان قد ألقى الدين والتقاليد جانبًا .. فقد رأى أن يستخدمهما لزجر المرأة عن مزاحمته في الميدان .. !
وكان"طبيعيًا"ومنطقيًا في مثل هذا الجو الذي تعيش فيه أوربا ، والمفاهيم الهابطة المنحرفة المسيطرة عليها ، أن تطالب المرأة بحق المساواة مع الرجل في نزع الدين والتقاليد ! وفي حق الفساد الخلقي الذي يمارسه الرجل بلا رادع ، ثم يمنع عنه المرأة باسم التقاليد !
ونالت المرأة الأوربية"حقوقها"واحدًا إثر واحد .. بما في ذلك حق الفساد والفجور !
بل نالت هذا الحق الأخير بمساعدة الرجل وتشجيعه .. فقد وجد الرجل أن ذلك ييسر له المتاع الدنس ، فلا يكلفه أكثر من تهيئة الظروف !
وخرجت المرأة إلى المتجر والمصنع والطريق .
خرجت للكسب وللفتنة في آن ...
وفي ظل تعاليم فرويد الجنسية ، وفي ظل الرغبة في المتاع الزائد عن الحد ، وفي ظل التوجيه الصهيوني الخفي لإِفساد"الأميين" ( أو الأمميين ) والاستحواذ عليهم من طريق الشهوات .. في ظل هذا كله تعلمت المرأة فنون"الإِغراء".
والمسألة ليست في حاجة إلى تعليم .. ففي فطرة المرأة أن ترغب في"الإِعجاب"وأن تسعى لكسبه بكل سبيل (71) ولكن الوسائل تختلف من مجتمع إلى مجتمع ، ومن فكرة إلى فكرة .. ثم إن الإِعجاب يختلف عن الفتنة . فأولهما مباح ونظيف . والآخر لا مباح ولا نظيف ..
ولكن المد الأوربي"المتحضر"لم يكن ليختار الوسائل النظيفة وهو يتلقن على يد فرويد أنه لا نظافة في طبع الإِنسان ! وأن النظافة هي الكبت المدمر للكيان !