فهرس الكتاب

الصفحة 322 من 1942

الدين والأخلاق والتقاليد كانت من مفاهيم العصر الإِقطاعي ومن مستلزماته . أما العصر الصناعي فلا دين له ولا أخلاق ولا تقاليد . إنه عصر متحرر ! عصر منطلق كالآلة التي تسيطر عليه . ينشئ مفاهيم جديدة و"أخلاقا"جديدة . وليس الدين من بين هذه المفاهيم ، لأن البشرية في عصر العلوم والصناعة قد شبت عن الطوق . لم تعد في حاجة إلى أساطير الدين وخرافاته . إنها تعيش في الواقع الملموس . الواقع الذي تدركه الحواس . والدين .. وكل الأفكار"الميتافيزيقية"التي لا يمكن للحواس أن تدركها لم تعد تتناسب مع"نمو"البشرية وتطورها .. إنها من مخلفات العصر البائد التي لا يمكن أن تعود !

والتفسير الجنسي للسلوك البشري يرد كل نشاط يقوم به البشر إلى الجنس ..

الطفل يرضع بلذة جنسية . ويتبول ويتبرز بلذة جنسية . ويمص إبهامه بلذة جنسية . ويشعر نحو أمه بميل جنسي . فإذا وقف"الوالد"حائلا دون هذا العشق الجنسي نبتت عقدة أوديب التي تكبت مشاعر الطفل الجنسية نحو أمه . ومن هذا الكبت تنشأ"القيم".. ينشأ الدين والأخلاق والتقاليد والضمير .. ولكن الدافع الجنسي يظل هو الدافع الحقيقي المحرك وراء كل هؤلاء ! ثم إن هذا"الكبت"الذي ينشئ الدين والأخلاق والتقاليد ، هو عملية نفسية ضارة تنشأ عنها الاضطرابات النفسية والعصبية ، والعقد ، وتبدد النشاط البشري في الصراعات النفسية الداخلية بلا طائل .. والأَوْلَى رفع هذا الكبت لتنطلق البشرية بلا قيود !

ومن هذين المفهومين سرى"التطور"الحديث في أوربا !

سرى على أساس حيواني بحت ..

ولا جرم فقد كان"الإِنسان"كما فسره دارون حيوانًا متطورا ولا زيادة .. وهذه المفاهيم المادية الحيوانية هي اللائقة بهذا الإِنسان الحيواني ، الذي أطلقه دارون في التاريخ .

وانحدرت أوربا في منحدرها بلا ضابط ..

انحدرت تحطم القيم الروحية والدينية والأخلاقية في كل منحىً من مناحي الحياة .

الحياة كلها هي المادة ، وهي متاع الحيوان ..

وإذ كان الدين والأخلاق والتقاليد كلها"حواجز"ضد النظرة المادية وضد متاع الحيوان ، فلتحطم بلا هوادة ، ولتستخدم في تحطيمها كل نظريات"العلم"وأبحاثه وتجاربه ... ولْتُنْشَأْ نظريات"علمية !"تقول إن الدين خرافة . والأخلاق قيد ضار بالبشرية . والتقاليد خرقة بالية يمزقهل الجيل الصاعد الجريء . ونظريات تقول إن الجنس عملية"بيولوجية"لا شأن لها بالأخلاق . وإن كل شاب وشابة"ينبغي"لهما أن يفرغا طاقة الجنس كما ينبغي لهما أن يتناولا الطعام سواء بسواء ، حتى تقر نفساهما وتهدأ أعصابهما وينطلقا إلى الإِنتاج المفيد !

وسرت تلك المفاهيم في المجتمع الغربي سريانا ذريعًا لا يقف عند حد .. وقالت أوربا لنفسها إن هذا هو"التطور"وإنه"حتمي"لا يمكن لقوة أن تقف في طريقه ، وإن الذي يقف في طريقه هم الرجعيون المتأخرون الجامدون .. الذين لا يفهمون !

وقالت الببغاوات في الشرق مثل ذلك .

قالت دون أن تسأل نفسها: أصحيح هو ؟

ودون أن تسأل نفسها: أمناسب هو لحياة الشرق حتى إن كان مناسبا لحياة الغرب ؟ وهل هو نبات طبيعي بالنسبة لهذه البيئة وظروفها حتى إن كان طبيعيًا بالنسبة للبيئة هناك ؟

لم تسأل نفسها لأنها مستعبدة في داخل ضمائرها ، وأنّى للعبيد أن يسألوا السادة ويناقشوهم فيما يقولون ؟ .. وهل يمكن أن تخطىء أوربا ؟ هل يخطئ السادة ؟ وهل يعرف أكثر منهم العبيد ؟!

كلا ! كلا ! ما هكذا تكون الأمور !

كل شيء إلا مناقشة ما يستورد من الغرب من الأفكار والمفاهيم ..

أليس هذا الغرب هو الذي يملك الآلة ونحن لا نملك ؟ ويملك العلم ونحن لا نملك ؟ ويملك القوة ونحن لا نملك ؟ ويملكنا نحن ولا نملك أنفسنا ؟

كلا ! كلا !

إذا كان الغرب قد قال لا دين فلا دين . ولا أخلاق فلا أخلاق . ولا تقاليد فلا تقاليد !

أأنتم رجعيون أم ماذا ؟!

ألا تتقدمون وتتحضرون وتتطورون ؟!

فلتنبذوا تلك الخرافة البالية التي اسمها الدين . وتلك القيود العتيقة التي اسمها الأخلاق . وذلك التحجر المشين الذي اسمه التقاليد .

انطلقوا .. تحرروا .. حطموا الأغلال !

اخرجوا أيها الفتيان والفتيات على التقاليد البالية التي يقيدكم بها أهلوكم .. فهم رجعيون . وأنتم الجيل الصاعد المتحضر الذي لا يؤمن بالخرافة .

اصنعوا كما يصنع الغرب .. صداقات . نعم . قبلات وأحضان . نعم . علاقات جنسية"خفيفة"تريحون بها أعصابكم بدل إنفاق الطاقة في الجنس المكبوت .. !

ووقف الاستعمار الصليبي يفرك يديه ساخرًا من الببغاوات ، مسرورا في ذات الوقت من صنيع العبيد .

نعم . لقد كانت أوربا في غشيتها الحيوانية تؤمن بهذا الهبوط الحيواني البشع على أنه تطور وتقدم وارتفاع . ولكن أوربا مع ذلك لم تكن قد فسدت كل جوانبها بعد . كانت ما تزال فيها"فضائل"حقيقية . من أبرزها فضيلة"العمل"و"الإِنتاج"و"التنظيم"والصبر الشديد على الجهد ، والجلد الطويل على الصراع .. كل تلك فضائل حقيقية لم تكن قد فسدت بعد بموجة الفساد الخلقي الهابط ، وموجة الحيوانية الفظيعة ( وإن كانت قد وصلت إلى نتيجتها"الحتمية"فيما بعد في فرنسا وغيرها من البلاد فدمرت كيانها ) .. أما هذا الشرق المستعبد فماذا كان فيه من تلك الفضائل حتى يتحمل هذا"التطور"كله ولا يضعف ولا ينحل من قريب ؟!

لقد كان الضعف السابق في ظل الحكم التركي ، والضعف اللاحق في ظل الاستعمار الصليبي قد دمرا كل فضائله الذاتية القديمة ، التي استمدها من الإسلام يوم كان قوة حية فاعلة ، ممتدة في الأرض في كل فروع الحياة من علم وعمل وإنتاج وفتح واتساع ..

وكان في حاجة إلى"تطور"من نوع آخر .. تطور يعيد إليه إنسانيته المسلوبة وقوته المحطمة .. يعيد إليه أخلاقه وتقاليده على أصولها الحقيقية: قوة حية في داخل النفس ، متحققة في واقع الحياة .

وقد كان هذا هدف الحركات الإِسلامية التي حرص على تحطيمها الاستعمار .

أما هذا"التطور"الأوربي الحيواني ، فقد أسرع الاستعمار يفتح له الأبواب ، ويؤجر له الأبواق من المستعبدين الذين رباهم من قبل و"ثقفهم"وأطلقهم ينشرون سمومه في الآفاق .

ونعود إلى أوربا .. نساير"التطور"هناك .

لقد نشأ من المفاهيم الداروينية للإِنسان رغبة زائدة في"المتاع".

وحب المتاع رغبة طبيعية في البشرية من قديم: ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (68) .

نعم . لا شيء جديد في حب المتاع .. ولكن الأديان والقيم الروحية التي تحملها كانت تعمل دائما على موازنة تلك الرغبة الفطرية في المتاع ، بأن تضع في الكفة الأخرى قيما أعلى من متاع الأرض وأخلد: ( ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ) (69) .

والحياة في نطاق الدين .. في نطاق الفكرة الإِسلامية خاصة .. تحقق أكبر قسط من المتاع النظيف ، دون أن تفسد النفس بهذا المتاع فتترهل أو تتميع أو تهبط إلى مستوى الحيوان ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت