إن التطورات ليست حتمية إلا حين يلغي الإِنسان كيانه الإِيجابي ويترك نفسه للأحداث . فعندئذ تقوده الأحداث بطبيعة الحال إلى حيث ينتهي بها التيار ، ما دامت لا تجد تعديلا ولا مقاومة من جانب الإِنسان .
وهي حتمية كذلك حين يكون الإنسان أضعف من أن يقاوم التيار .. وكذلك كان العالم الإِسلامي بعد أن حكمه الاستعمار الصليبي في كل مكان .
وقد أوحى الاستعمار الصليبي بلا شك إلى العالم الإِسلامي المستعبَد ، أن هذا التطور حتمي أولا وخيّر كذلك . حتى لا تجنح البقية الباقية فيه من عقيدة إلى مقاومة التيار المفسد المدمر . وأخذ يقوي هذا الإِيحاء الخبيث ، بأن يبث في الأذهان أن كل مقاومة لهذا التطور العالمي الخيّر هي رجعية لا ينبغي للإِنسان أن يتصف بها ، وجمود وانحطاط وتأخر ، ينبغي الإِقلاع عنه والتخلص من كل آثاره . فمن ذا الذي يزج بنفسه في هذا المنحدر ، ويلصق بنفسه تهمة الجمود والانحطاط ؟! أو ليس الأسلم والأمثل أن يسير الإِنسان"مع التيار"فيضمن السمعة"الحسنة !"سمعة الرقي والتقدم والرفعة ، وينجو من تهمة الرجعية والجمود ؟!
يذكرني ذلك بمنظر حدث على الشاطئ .. قبل سنوات !
فتاة ( كان ) بها بقية ضئيلة من حياء .. حياء الأنثى الطبيعي الفطري .. ولو أنها تلبس"المايوه"وتسير به على الشاطئ ! جلست على الرمال ليلتقط لها المصور صورة ، جلست بهذه البقية الضئيلة من الحياء مضمومة الرجلين .. فقام المصور يفسح ما بين رجليها ليلتقط لها صورة"تقدمية !"ولكنها راحت - في حياء ضئيل - تتأبى عليه . عندئذ قال لها بلهجة ذات معنى"الله ! هوّه أنت فلاحة والا إيه ؟!".
وفي الحال كانت البقية الضئيلة من الحياء قد تلاشت من نفس الفتاة ووجهها ، وجسدها جميعًا .. وجلست منفرجة الرجلين في"طلاقة !"تسجل نفسها في"بوز"تقدمي جميل !!
وهكذا كان حال الاستعمار الصليبي مع المسلمين المستضعفين:"هل أنتم رجعيون ؟ .. أم ماذا ؟!"فتتلاشى المقاومة ويحل محلها الاستسلام !
وكذلك سرت"المدنية"الأوربية في طريقها"الحتمي !"في بلاد العالم الإِسلامي المسلوب العقل والإرادة والتدبير !
وقد كان"التصنيع"مثلا ، تطورا عالميا خيّرا في كثير من جوانبه .. فهل سمح له الاستعمار الصليبي أن يلج باب العالم الإِسلامي ويستقر في أرجائه ؟ أم منعه بكل شدة وحسم ، واحتفظ بالبلاد الإِسلامية في حالة ذريعة من التأخر الصناعي والاقتصادي ليخدم أغراضه الخاصة ؟
وإنما فتح الباب على مصراعيه للفساد الخلقي والديني باسم التطور ، لأن ذلك يخدم أغراضه في حل أخلاق الأمة الإِسلامية وتفتيت قوتها ، ومنع عنها في ذات الوقت كل وسائل القوة والفلاح ، ولو كانت تطورًا عالميًا"حتمي"الانتشار .
وهذا مثل واحد ، لعله يوضح الكثير من القضايا التائهة في أذهان المسلمين وهم يفكرون في"التطور"وفي"الحتمية"وما أشبه ذلك من أضاليل الاستعمار .
بقي أن نعرف ما هذه"التيارات العالمية"التي فتح الاستعمار أبواب العالم الإِسلامي لاستقبالها ، ومنع وسائل مقاومتها وحطّمها ، ونفّر منها باسم الرجعية والجمود والتأخر والانحطاط ...
ليس من السهل تلخيص قرنين من"التطور"في بضعة سطور .
وقد بينت في كتاب"معركة التقاليد"في فصل"جولة مع التاريخ"كيف سارت الأمور في أوربا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وكيف انتقلت أوربا من شعوب متدينة ذات تقاليد مبنية على الدين - أيًا كان هذا الدين ، وأيًا كانت درجة هذا التدين ومتانة تلك التقاليد - إلى أمم لا عقيدة لها ولا أخلاق ولا تقاليد .. تعيش في جو مادي ملحد ، منفلتة من كل قيد ، غارقة في المتاع الحيواني الغليظ .
وقلت هناك إن دارون يمثل خطًا بارزًا في ذلك التطور .. فقد ولد دارون سنة 1809 وفي سنة 1859 نشر كتابه"أصل الأنواع"، وفي سنة 1871 نشر كتاب"أصل الإِنسان".
وحدثت يومئذ زلزلة عنيفة في عقائد الناس .
فقد كان المفهوم المستمد من الدين أن الإِنسان كائن متميز . كائن له روح تميزه عن سائر الحيوان .
وقد ترتبت على هذه الحقيقة قيم روحية ومعنوية ودينية وفكرية .. لا توجد في عالم الحيوان .
وبغض النظر عن درجة تمسك الناس هناك بهذه القيم ، فقد كانت"موجودة"على أي حال .. موجودة ولو في الحس الباطن .. تضبط قليلا من انطلاق الحيوان الكامن في الإنسان .
ولكن دارون جاء يعلن أن الإِنسان حيوان متطور .. ولا زيادة !
حيوان بحت .. لم ينفخ الله فيه من روحه ولم تتدخل قوة عليا في تكوينه .. إنما هو نهاية التطور الحيواني ، لا يزيد على الحيوان سوى ما اكتسبه في أثناء تطوره البطيء في ملايين من السنين !
وقام بين دارون وبين الكنيسة صراع شديد في أمر الإِنسان: هي ترميه بالإِلحاد والكفر ، وهو يرميها بالجهل والتخريف .
ووقفت الجماهير في أول الأمر في صف الكنيسة . فقد عزّ عليها أن يحقّر دارون الإِنسان ويشوه صورته ، برده إلى أصل مادي حيواني ، ونفي النفخة العلوية عنه ، وسلبه مكانه الرفيع في الكائنات .
ولكنها عادت فأيدت دارون ضد الكنيسة !
لقد كانت الكنيسة في العصور الوسطى قد تحولت من معنى الرحمة والروحانية التي توحي بها طبيعة المسيحية ، إلى سلطان دنيوي قاهر مذل . وراحت تفرض على الناس ألوانا من الإِتاوات ، إتاوات مالية وروحية وفكرية . تفرض عليهم الضرائب المرهقة والعشور والعمل المجاني في أرض الكنيسة ، وتفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين ، وتفرض عليهم أفكارا معينة بوصفها كلمة السماء ، من خالفها فهو ملحد وخارج على الدين ..
لذلك وجدت الجماهير المكبوتة المحقورة فرصة سانحة للانتقام من الإذلال الذي كانت تفرضه الكنيسة عليهم ، وقاموا يناصرون دارون رغم تحقيره"للإِنسان"!
ولم يقف الأمر - في فورة الغضب والحماسة - عند تحطيم الكنيسة ذاتها ، بوصفها كيانا"بشريا"مهما تكن قداسته .. وإنما انتهى الأمر بتحطيم الدين ذاته والخروج من كل معانيه ..
وارتدت أوربا منذئذ رومانية خالصة .. مادية وثنية ملحدة ، لا تؤمن بغير المادة المحسوسة والواقع الذي تدركه الحواس .. ولا تستجيب إلا للنفع المادي القريب !
وانساحت تلك الموجة المادية تشمل كل وجه من وجوه الحياة ..
الاقتصاد .. والسياسة .. والدين .. والأخلاق .. والتقاليد .. وعلاقات الناس بعضهم ببعض .
وظهر التفسير المادي للتاريخ . والتفسير الجنسي للسلوك البشري ..
وكلاهما امتداد للمفهوم الدارويني للإِنسان (67) .
التفسير المادي للتاريخ يفسر الحياة كلها تفسيرا ماديا: تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام . القوى المادية هي التي تكيّف حياة البشرية وتنشئ لها أفكارها وعقائدها . الأفكار والمشاعر والعقائد ليست قيما ذاتية ، وليست هي التي تحرك الناس أو ترسم لهم سلوكهم العلمي في واقع الحياة . وإنما هي لاحقة"للتطور"الاقتصادي والمادي ، ومرتبطة به .
ليست هناك قيم ثابتة اسمها الدين . أو اسمها الأخلاق . أو اسمها التقاليد .. لا شيء ثابت على الإِطلاق .
إنما كل عصر له مفاهيمه وقيمه التي تناسبه . والتي لا تناسب غيره من العصور