الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري **أنموذج مالك بن نبي
تقديم عمر عبيد حسنه
الحمد لله الذي جعل الفهم والمعرفة للأمور، وحسن الإدراك والتبصر بالمقاصد، والتقدير للعواقب، من بشائر الخيرية وسبل النهوض والارتقاء، وجعل النفرة للفقه في الدين واكتساب المعرفة الميدانية، واكتشاف السنن الفاعلة في الحياة والأحياء، وتوعية المجتمع بقوانين الحركة الاجتماعية والتاريخية، مصدر العبرة والعظة وتحقيق الحذر والوقاية الحضارية، فقال تعالى: (... فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذر ون ) (التوبة:122) .
والصلاة والسلام على الرسول المعلم، الذي بيّن أن مناط خيرية الإنسان عند الله الفقه في الدين، فقال: (من يُرِد الله به خيرًا يفقِّهْه في الدين ) (متفق عليه) ، ذلك أن الفقه في الدين كسب من الإنسان وتوفيق واصطفاء من الله.
وكان من دعائه المأثور واللافت لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (اللهم فقِّهه في الدين وعلمه التأويل ) (حديث صحيح، أخرجه أحمد) ، فكان ابن عباس ببركة هذا الدعاء، حبر الأمة وعالمها، وأحد منارات فقه الصحابة العظيم.
وبعد:
فهذا كتاب الأمة الثاني والسبعون: (تكوين الملكة الفقهية) ، للأستاذ الدكتور محمد عثمان شبير، في سلسلة (كتاب الأمة) التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في دولة قطر، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري والوقاية الثقافية، ومحاولة إخراج الأمة المسلمة من جديد، اهتداءً بظروف وشروط الميلاد الأول، لأن نهوض أي مجتمع ومعاودة إخراجه منوط إلى حدٍ بعيد بتوفير ظروف وشروط ميلاده الأول، والتدليل على أن سبب التخلف والسقوط الحضاري إنما أصاب عالم المسلمين بسبب الانسلاخ عن القيم الإسلامية وانكماش الفقه في الدين، لا بسبب الاستمساك بها.
والشاهد التاريخي قائم على أن فترات التألق والإنجاز كانت مترافقة مع الالتزام بشريعة هذا الدين والإيمان بعقيدته التوحيدية والانتماء إلى الأمة المسلمة، وأن الإشكالية الثقافية والحضارية اليوم بالنسبة لعالم المسلمين هي في محاولات دراسة الواقع الإسلامي وما لحق به من إصاباتٍ في ضوء أصول وقيم ومسيرة تاريخية حضارية غريبة عنه، أو بتعبير آخر عن هذا الخلل: قياس واقع مجتمع بأصول وقيم حضارة مجتمع آخر، علمًا بأن الفعل الاجتماعي لا يتكرر، ذلك أن القطيعة الثقافية والتاريخية مع معرفة الوحي، وعدم القدرة على تجريد القيم الإسلامية من قيد التاريخ والجغرافيا، أو من قيد الزمان والمكان، وتوليدها في كل زمان ومكان، هي الإشكالية الحقيقية، وهي سبب المعاناة.
ولعل الفقه الحقيقي هو في امتلاك القدرة على تحقيق المناط -بالمصطلح الفقهي- أو القدرة على تجريد النص من قيد الزمان والمكان، والاجتهاد في تنزيله على واقع الناس، ومعالجته لمشكلاتهم، واستشرافه لمستقبلهم، فقد باتت قولة الإمام مالك رحمه الله المبكرة: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ) ، بعد رحلة التجربة المرة، تكاد تكون مسلمة حضارية.
لكن يبقى السؤال الكبير، الذي ما يزال مطروحًا على مدارس الإصلاح ومناهج المصلحين: لماذا تراجعنا ? وكيف نحقق النهوض ونتحقق بالوراثة الحضارية ? ذلك أننا جميعًا أصبحنا نعبر عن قناعتنا من على منابر متعددة أن الإشكالية هي في الانسلاخ عن الإسلام، فلماذا كان الانسلاخ ? وكيف نضع منهج العودة، ونترسم سبيل الخروج أو الإخراج من جديد؟
أما أن سبب التراجع والسقوط هو في الانسلاخ عن القيم الإسلامية، وأن سبيل الخروج هو في العودة إلى الالتزام بالإسلام، فهو شعار ما يزال يتولى طرحه الخطباء والوعاظ من على منابرهم، فإذا نزلوا عن المنابر عاد كثير منهم مع الأمة إلى مألوفهم ومعروفهم، وكأنهم بطرح هذا الشعار خرجوا من عهدة التكليف.
أما بيان كيفية العودة للالتزام بقيم الدين ورسم الطريق، ووضع المنهج، والاجتهاد في فهم الواقع واستطاعاته، وتحديد موقعه بدقة من مسيرة النبوة وقيام المجتمع الأول المشهود له بالخيرية، والتعرف إلى الأسباب والسنن التي كانت تحكمه، والتبصر بآلية السقوط والنهوض، والاجتهاد في محل تنزيل النص، ومدى توفر الإمكانية المطلوبة لتنزيله وحصول التكليف به، والنظر في المقاصد والمآلات والعواقب والتداعيات لتحقيق الخير في الحاضر، وحسن العاقبة في المستقبل، استجابة لقوله تعالى: (ذلك خير وأحسن تأويلا ً) (النساء:59) ، فيبقى مهمة الفقهاء الخبراء والمفكرين والمستبصرين المتمكنين من معارف الوحي ومدارك العقل.
ولعل في بعض الآثار الواردة عن حال تخلف الأمة عندما يكثر الخطباء ويقل الفقهاء، يفسر الكثير من الحال التي نحن عليها اليوم.. فلا أعتقد أن أية أمة تمتلك من المنابر والمحاريب والجمهور المتلقي عن طواعية واختيار، والذي يمكن اعتباره من أعلى درجات الإمكان الحضاري، ما تمتلكه الأمة المسلمة.. لكن تبقى النتائج محزنة، وما ذلك -في رأينا- إلا بسبب غياب الفقهاء والحكماء والمفكرين والباحثين الدارسين القادرين على تحديد مواطن الخلل، ومن ثم وضع منهج الخروج، في ضوء النصوص المعصومة من معارف الوحي.
فالخطيب قد يلهب المشاعر ويثير الحماس ويهيئ الأمة، وذلك قد يكون مطلوبًا في بعض الحالات للتعبئة، لكن الفقيه هو الذي يقوم بدور المعلم الذي يربي العقل ويبصر بالطريق، ويضع الأوعية الشرعية لحركة الأمة، في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة، ويمتلك دقة النظر في محل تنزيل النص على الواقع.
وقد لا نكون مغالين إذا قلنا: بأنه يصعب علينا في كثير من الأحيان، إذا تجاوزنا تاريخ الزمان وجغرافية المكان، أن نحدد زمان ومكان الكثير من الخطب وأهدافها وجدواها! إضافة إلى أن قضايا الأمة ومشكلاتها لا تعالج بالحماس وارتفاع المنابر فقط، وإنما تعالج بفقه الأسباب ومعرفة السنن، وإدراك علل السقوط والنهوض. واستيعاب الحاضر وتحديد موقعه من مسيرة النبوة لتحقيق الاقتداء الصحيح، وذلك باستشراف الماضي وعبرته، واستبصار المستقبل واحتمالاته وتداعياته.. فليس الفقه الذي نقصده هنا هو في حفظ كتاب وسرعة استذكار مسائل، مع استمرار العجز عن توليد مثال غير مثال الأقدمين، الذي ما يزال يتداول وينقل من كتاب إلى آخر مع تغيير الطباعة ونوعية الورق، وقد يكون هذا متوفرًا للكثير من حملة الفقه اليوم.
لذلك فقد تتحول بعض الخطب والحالة هذه، من تقديم حلٍ إلى صناعة مشكلة، لأنها قد تعبئ الشباب وتجمع الجمهور وتوجههم صوب أهداف كبرى، ومن ثم يغيب الفقهاء عن وضع الأوعية الشرعية والمشروعة لحركة الأمة، وإيجاد المناهج والبرامج والخطط لمسيرتها، فيتحرك جمهور الشباب المتحمس على غير بصيرة وبمجازفات تقودهم إلى تقديم التضحيات الكبيرة التي لا تتناسب مع الإنجازات الهزيلة، أو الهزائم الموقعة في إحباطات قد تؤدي في كثير من الأحيان، وغالبًا عند الذين لا يستطيعون التفريق بين الصورة والحقيقة، إلى شكوك في جدوى القيم الإسلامية وقدرتها على انتشال الأمة، لذلك قد يسهل على أعداء الإسلام استخدامهم كرصيد جاهز للتضحية لتصفية الحسابات بدمائهم، في ذات الوقت الذي قد يتحول فيه الكثير من الخطباء لطرح قضايا جديدة تجمع الأمة وتلهب المشاعر، دون أن نفكر في دراسة أسباب الفشل وعدم بلوغ النتائج لمحاولة استدراكها في مستقبل الأمة.. ويبقى هذا هو عمل الفقيه أو الفقه الغائب.
ولعل من القضايا المهمة والجديرة بالطرح والاستدعاء والمناقشة وتوسيع دائرة الرأي حولها، هي في وضوح أو إيضاح الأهداف التي لا بد أن يُؤهل الفقيه القادر على تحقيقها، وطبيعة المعادلات الاجتماعية الإقليمية والدولية التي لا بد من استيعابها، وما هي الشروط والمناهج المطلوبة للإعداد ? ذلك أن الإنتاج الحالي فيما يلاحظ عليه من تكرار الأنماط الواحدة التي قد لا تخرج في عمومها عن أن تكون نسخًا متحركة من الكتب المتوفرة في المكتبة، أو هي على أحسن الأحوال طبعات جديدة لكتب قديمة، بل لعل الكتب القديمة أكثر حفظًا ودقة نظر.
ونحن هنا لا نرمي هنا إلى وضع الخطباء في مقابل الفقهاء الخبراء، إنما ندعو إلى تكامل الأداء الإسلامي، حيث لا يغني جانب عن آخر، ذلك أن المشكلة كل المشكلة في متحمسين لا فقه لهم ولا خبرة لديهم، وأن الكثير منهم يعيش في عزلة عن واقع الحياة ومعاناة الناس، وقد يعاني من تعطيل الطاقات، أو هو خارج المجتمع.
ولو أدركنا أبعاد العمل الإسلامي المتكامل بشكل سليم ومتوازن، لأبصرنا مواقع الخطباء ودورهم في التحفيز والتحضير، ومجالات الفقهاء ومهامهم في قيادة رشيدة لجماهير الأمة.
وهنا قضية قد يكون من المفيد طرحها والتوقف عندها بما يسمح به المجال، وهي أن من الأمور التي تكاد تكون محسومة على مستوى الفكر والعقيدة والفعل والممارسة، أن الإسلام دين شامل لجميع جوانب الحياة، وأن تشريعه ومنهجه ينتظم الحياة جميعًا، فهو نظام للحياة بكل مجالاتها، هذا على الأقل عند المؤمنين به، وأصحاب النظرة الموضوعية ممن لا يؤمنون به، قال تعالى: (...ما فرطنا في الكتاب من شيء ... ) (الأنعام:38) ، الأمر الذي يقتضي أن يوجد الاجتهاد ويتولد الفقه الذي ينير الطريق ويبين حكم الله ورؤية الإسلام في شعب المعرفة جميعًا، وفي التطبيقات العملية والفعل البشري، وعدم الاقتصار على الفقه التشريعي القانوني، إن صح التعبير.
ذلك أن غياب الرؤية الإسلامية أو الفقه الإسلامي الشامل عن أي موقع وعدم امتداده يعني وجود الفراغ الذي يسمح بدخول (الآخر) ، أو يؤذن باستدعاء (الآخر) ليصنع للناس رؤيتهم، ويضع لهم أوعية ومناهج لحركتهم، وفلسفات لمعارفهم، في مجال التربية والتعليم والاجتماع والنفس والاقتصاد وسائر المعارف الإنسانية. وهذا لا يعني، ولا يجوز أن يعني، خروج الفقه التشريعي من دائرة العلوم الإنسانية، لأنه يقع في الصميم منها، لكنه يبقى' يغطي بعض جوانب نظام الحياة لا كلها.
لذلك نرى أنه لابد من إعادة طرح مفهوم الفقه من جديد والخروج به عن المعنى الاصطلاحي أو المدلول الاصطلاحي، والعودة به إلى مفهومه الشامل، إلى مدلول الفقه الحضاري، الذي يشمل الأبعاد الحضارية بكل فضاءاتها، فيكون هناك مناهج استنباط، أو علوم أصول فقه: تربوي، ومجتمعي، وسياسي، واجتماعي، واقتصادي، ومعرفي بشكل عام، ليغطي جميع شعب المعرفة وجوانب الحياة، ولا يقتصر على الجانب التشريعي فقط.
وعليه يمكن القول: إن آيات القرآن الكريم كلها آيات أحكام، أحكام تربوية، وأحكام اجتماعية، وأحكام سياسية وتشريعية، وأحكام أخلاقية، وليس آيات الأحكام في الحقيقة مقتصرة على ما يستنبط منها الحكم التشريعي.