الترويح في الأسرة المسلمة
الأسرة المسلمة تروح عن نفسها باللعب واللهو المباح، فقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة فسبقته، فسابقها مرة أخرى فسبقها، وقال لها: (هذه بتلك) [أبو داود] .
وكان صلى الله عليه وسلم يداعبها، ويقول لها: (إني لأعلم إذا كنت عليَّ راضية، وإذا كنت عليَّ غضْبى؟) . قالت: وكيف يا رسول الله؟ قال: (إذا كنت عليَّ راضية قلت: لا ورب محمد، وإذا كنت على غضبى قلت: لا ورب إبراهيم) . قالت: أجل والله، ما أهجر إلا اسمك. [متفق عليه] .
وقدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم:، فقاموا يلعبون في المسجد، وروت ذلك السيدة عائشة، فقالت: (فرأيت رسول الله يسترني بردائه، وأنا أنظر حتى أكون أنا التي أسأم) [البخاري] .
وكانت جاريتان تلعبان في المسجد، وعائشة -رضي الله عنها- تنظر من فوق كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم:، فقال صلى الله عليه وسلم: (لتعلم يهود أن في ديننا فسحة؛ إني بعثت بحنيفية سمحة) [البخاري] .
ويقول حنظلة بن الربيع-رضي الله عنه- كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:، فوعظنا فذكر النار، ثم قال: ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت
المرأة. فخرجت فلقيت أبا بكر؛ فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم:. فقلت: يا رسول الله، نافق حنظلة، فقال: (مه(أي: اسكتْ ) ) ، فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: (يا حنظلة، ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق) [مسلم] . ومن اللهو المباح أيضًا في الأسرة المسلمة ما يحدث في حفلة العرس من ضرب بالدف، وإنشاد الأناشيد الإسلامية التي تحث على مكارم الأخلاق، كما في ذلك من إدخال السرور على الزوجين.
رعاية الإسلام لأقارب الزوجين
إن حرص الإسلام على الأسرة لم يقصره على الزوجين والأبناء، بل جعله عامًّا لكل ذي رحم. وأقارب الزوجين أهل للأسرة الناشئة، فأم الزوج في مقام أم الزوجة، وأم الزوجة في مقام أم الزوج، لذلك حث الإسلام الزوج على البر بأهل الزوجة، وحث الزوجة على البر بأهل زوجها، وذلك التواد والتراحم ينمي قوة الترابط والتماسك الأسري. هذه هي بعض أسس الحضارة الإسلامية في مجال الأسرة المسلمة، التي تميزت به عن غيرها من الحضارات.
وإذا نظرنا إلى الأسرة في مدنيَّة الغرب المعاصرة نظرة سريعة، وجدنا هذه المدنية لا تحافظ على قدسية الأسرة وسلامتها كما حافظ عليها الإسلام، وحاطها بسياج من العفة والطهارة، فتشيع عندهم الفاحشة، ويكثر أولاد البغاء والزنى.
ومما يُحزن القلب أن المسلمين في ظل ضعفهم الحضاري تلقوا تعاليم الغربيين، ونظرياتهم في كثير من الأمور والأنظمة، فتعرض نظام الأسرة في المجتمعات الإسلامية لخطر التفكك والانحلال الذي ظهرت عواقبه السيئة، في سلوك كثير من الشباب، وتنكر كثير منهم لتعاليم دينهم، وظهرت في حياة كثير من أسر المسلمين سلوكيات لا تتفق مع قيم الإسلام، وتناقض ما جاءت به الحضارة الإسلامية من مبادئ سامية في مجال الأسرة المسلمة، في الوقت الذي بدأ فيه الغربيون وأعداء الإسلام يأخذون بنظم الإسلام في مجال الأسرة لما رأوا فيه من الخير لبناء المجتمع وتماسكه.
أنزل الله -عز وجل- أول آية من كتاب الله تعالى تحث المسلمين وتحضهم على العلم والتعلم، قال تعالى: {أقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 1-5] . وقد رفع الله -عز وجل- قدر العلماء حيث قال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 17] . وقال الرسول صلى الله عليه وسلم مبينًا أهمية العلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [مسلم وابن ماجه] .
وعندما أُسر المشركون في بدر، جعل الرسول صلى الله عليه وسلم فداء كل واحدٍ منهم أن يعلم عشرة من الصحابة، وقد نشط المسلمون في جميع العصور في طلب العلم والمعرفة حتى تركوا لنا ميراثًا حضاريًّا رائعًا، يعبر عن تفوقهم في كل مجالات الحضارة. وهناك وسائل عني بها الإسلام لاكتساب العلوم منها:
المساجد:
فهي أهم المنارات التي أضاءت للمسلمين طريق العلم والمعرفة، فكان أول شيء قام به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة بناء المسجد، مما يدل على أهميته في حياة المسلمين، وليعلموا أن المسجد هو أول خطوة في بناء الحضارة وتحقيق الازدهار والتقدم، فكان المسجد مكانًا لاجتماع المسلمين مع الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه ويجيبهم، ويتناقشون في أمور دينهم ودنياهم، وتقام فيه حلقات الذكر، ويجلس المسلمون صغارًا وكبارًا ليتعلموا القرآن وأمور الإسلام.
ومن أهم المساجد التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية: المسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في المدينة، والمسجد الأقصى في القدس، والمسجد الأموي في دمشق، ومسجد عمرو بن العاص، والجامع الأزهر في مصر، ومسجد القيروان في تونس، ومساجد أخرى كثيرة خرَّجت لنا أجيالًا مسلمة واعية استخدمت العلم في خدمة الإسلام ورفع شأن حضارة المسلمين، ومن هنا ارتبطت نهضة الحضارة الإسلامية، بقيام المساجد بدورها على الوجه الأكمل.
الكتاتيب:
والكُتَّاب عبارة عن مكتب تعليمي، يتعلم فيه أطفال المسلمين القراءة والكتابة وأحكام تلاوة القرآن الكريم، ويقوم بتعليمهم أساتذة متخصصون في علوم القرآن، ويعد الكُتَّاب خطوة جديدة نحو تطوير المنشآت التعليمية بعد أن ضاقت المساجد عن استيعاب أعداد المتعلمين صغارًا وكبارًا، فانتشرت هذه الكتاتيب في كل بلاد المسلمين، وهذه مرحلة متطورة تدل على ازدهار العلم وارتفاع شأن العلماء والمتعلمين.
المكتبات:
وقد قام الحكام المسلمون بإنشاء المكتبات المملوءة بالكتب النافعة في مجالات العلوم، واشتهرت بغداد ودمشق والقاهرة بمكتباتها الزاخرة بأمهات الكتب في كل فروع المعرفة الإسلامية، ومن بين المكتبات التي نالت شهرة واسعة دار الحكمة التي أنشأها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله عام 395 هـ، ووضع فيها الكثير من الكتب، وقسمها إلى حجرات متعددة، بعضها للاطلاع وبعضها الآخر لحلقات الدراسة، وزينها بمفروشات جميلة، وجعل بها عمالًا لخدمة طلاب العلم، وكانت بها فهارس تسهل للطلاب الحصول على الكتب، وكان بها نظام الاستعارة.
المدارس:
وتعددت المدارس، وتنوعت ما بين خاصة بالخلفاء والحكام وأبنائهم، حيث المعاملة والخدمة المتميزة التي تؤهلهم لتولى المناصب القيادية في الدولة الإسلامية، وعامة لرعاية أبناء المسلمين في مختلف فروع المعرفة.
وقد برع الوزير السلجوقي (نظام الملك) في إنشاء العديد من المدارس، وكانت على درجة عالية من النظام والفخامة، وقد انتشرت هذه المدارس في بغداد وأصفهان والبصرة والموصل وغيرها، ومن أشهر هذه المدارس: مدرسة نور الدين محمود زنكي، وتعرف بالمدرسة النورية الكبرى بدمشق، وأنشأها سنة 563 هـ على مساحة واسعة، وجعل فيها قاعات للمحاضرات، ومسجدًا للصلاة، وحجرتين للمعلمين، ومسكنًا لخادم المدرسة، ومراحيض ليستخدمها الطلاب، وقد تميزت بروعة البناء ودقة وجمال تصميمها، وارتفاع مستوى التعليم فيها.