فهرس الكتاب

الصفحة 1888 من 1942

البعد الحضاري لهجرة الكفاءات

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنه »

الحمد لله الذي شرع الهجرة وجعلها مجاهدة وجهادًا لتغيير الواقع، وتحقيق الهدف، وتجاوز حالة الضعف والركود، والاستنقاع الحضاري، والركون إلى الذين ظلموا، فهي وسيلة لمراغمة الأعداء والمتربصين بالخير وأهله، المتحكمين بالعباد والبلاد، وتفويت أغراضهم؛ كما جعلها سبيلًا للخلاص من حالة الضعف والعطالة، واسترداد الفاعلية، لمعاودة الإقلاع من جديد، فقال تعالى: (( الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) ) (النساء:97) .

والصلاة والسلام على الرسول المهاجر، الذي كانت هجرته وما تحقق بها ولها من النتائج الإيجابية ومراغمة الأعداء أنموذجًا يحتذى، الذي أذن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة لكسر الحصار وتجاوز الضعف والتحكم من الكافرين.. واختيار الحبشة كمهجر أول جاء لعدة اعتبارات لا مجال لاستقصائها، لكن كان في مقدمتها أن فيها ملكًا لا يظلم الناس عنده، قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما طلب إليهم الهجرة إليها: «إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فألحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه» ، فكان من نتائجها -إلى جانب حماية بعض أجنة الإسلام الأولى- أن أسلم النجاشي، ملك الحبشة، وفاضت عيناه من الدمع عندما سمع شيئًا من القرآن، ونزل في إسلامه قرآن خالد مجرد عن حدود الزمان والمكان والإنسان، ما يزال يتلى ليؤكد في كل الأحوال المعاني الكبيرة والأهداف الممكنة، التي يمكن أن تتحقق من الهجرة في كل زمان ومكان، إضافة إلى ما فيها من السعة في الرزق والأمن ومراغمة العدو وتوفير إمكانية الانتصار عليه.

ولعل هذا المعنى، أو هذه المعاني جميعًا، تجلت وتجسدت بكل أبعادها في هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى المدينة المنورة، بعد ثلاثة عشر عامًا من الصبر والتحمل والمعاناة والمقاطعة، بعد أن استعصت أرض مكة في تلك الظروف والأحوال، لأمر يريده الله، عن الاستجابة وقبول الخير العام، على الرغم من أنها تاريخيًا مكان البيت الأول للتوحيد، الذي وضع للناس، قال تعالى: (( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لّلْعَالَمِينَ(96) فِيهِ ءايَاتٌ بَيّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْراهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا )) (آل عمران:96-97) ، وقال: (( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْراهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) ) (الحج:26) ، وموطن ومهجر أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: (( رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) ) (إبراهيم:37) .

ومع ذلك كانت الهجرة إلى المدينة، معقل يهود ومحل سيطرتهم وتحكمهم، فرجًا ومخرجًا، فمن ذا الذي كان يظن أن المهجر المدينة، وليس الموطن مكة، يمكن أن يكون مكان الانطلاق للدولة والأمة والمجتمع الإسلامي وحمل الخير إلى مكة نفسها والعالم، إضافة إلى ما حصل بسبب الهجرة من سعة الرزق ونعمة الأمن وإرغام أنوف كفار مكة الذين آذوا المسلمين أذى شديدًا.

لذلك اعتبرت الهجرة في بعض أحوالها وأزمانها جهادًا، بل من أعلى أنواع الجهاد، واعتبر التقاعس عنها سقوطًا في حالة التربص والانتظار والخذلان وفقدان الإرادة ومدعاة لسخط الله ومجلبة للعذاب، قال تعالى: (( قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) ) (التوبة:24) .

والناظر في الهجرة بكل أبعادها الشرعية وتطبيقاتها العملية في عصر النبوة وخير القرون، يبصر أنها ليست ظاهرة سلبية هروبية انسحابية انهزامية وتولٍ عن الزحف وخروج من المعركة، وإنما هي حركة إيجابية قاصدة، وخطة محكمة، وعمل محكوم بنيَّة واضحة الأهداف، وهي أشبه ما تكون بتحرف لقتال، أو تحيز إلى فئة، للخروج من حالة الذل والعطالة، لاكتساب الفاعلية وتحقيق كسب أكبر للقضية الإسلامية.

من هنا نقول: إنَّ الأعمال تَشْرُفُ بشرف مقاصدها، وإخلاص أهلها، وقدرتهم على تحقيق تلك المقاصد بصواب التخطيط لها، وإبصار تداعياتها، وتقدير عواقبها؛ لذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «...فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (أخرجه البخاري) ، وهو الحديث الذي تبدأ فيه معظم كتب العلم والثقافة عندنا.. فالنيَّة، إلى جانب ما تحمله من ركيزة الإخلاص والتنقية والاستعداد والتطهر النفسي من كل الدوافع لغير الله، هي إبصار كامل للحركة، وأهدافها، وتداعياتها، ومتطلباتها، وأهمية تصويب وسائلها لتحقق الهدف وتثبيت الأجر.

لذلك؛ فالمتأمل في أبعاد نيَّة الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى المدينة المنورة، وما سبقها من إعداد واستعداد، من بيعة العقبة الأولى والثانية، وما أعد لها من الوسائل والخطط والاحتياطات في كل جزئية من حركتها يكاد يتوهم وكأن الذي يتخذ كل هذا التحوط ويستوفي كل هذه الأسباب لا علاقة له بالسماء؛ والمتأمل فيما كان من التوكل على الله والاطمئنان لنصره والالتجاء إليه في أحلك الظروف يكاد يتوهم وكأن صاحبها لا صلة له بالأرض وتعاطى الأسباب؛ وهذا هو الفهم الإسلامي السليم.

فالهجرة الإسلامية أنموذج للإيجابية والإحياء واسترداد الفاعلية والمجاهدة وحسن التعامل مع سنة التدافع البشري، وقبل ذلك وبعده إلغاء للثنائية التي كانت سببًا في تمزيق الإنسان وتشطير شخصيته بين تعاطي الأسباب والتوكل على الله؛ ذلك أن تعاطي الأسباب في الرؤية الإسلامية من لوازم التوكل، والتوكل من لوازم تفعيل الأسباب وتجاوز حالات القلق واليأس ومحاولات الإحباط والتضييق لأرض الله الواسعة، والانحباس ضمن دوائر يزيدية محكمة، نرسمها بأيدينا وندعي بأن الشيطان حبسنا فيها، وما هي في الحقيقة إلا من صنع الإنسان، وتسويغ وتبرير لحالة الذل والاستسلام والهوان.

وللهجرة والهَجْر بعد تربوي عظيم لو أمكن إدراكه واستخدامه ضمن سياقه، والتزم به ضمن المساحة المشروعة والمؤثرة، وهو توظيف الهجرة كعامل فاعل من عوامل الضبط الاجتماعي، وهجر أصحاب الفجور والمعاصي والمقصرين، لحملهم على العود إلى طريق الاستقامة والصلاح والفاعلية على أن يكون هذا الهجر مدروسًا وبالنسب المحددة.

ذلك أن هجر أصحاب المعاصي من أقوى الأسباب العملية للضبط الاجتماعي.

ولعل التأمل في قصة الثلاثة الذين تخلفوا، من الصحابة رضي الله عنهم، عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والتي أنزل الله سبحانه وتعالى فيها قرآنًا يتلى على الزمن، فقال تعالى: (( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ) (التوبة: 118) ، وما كان من تعامل المجتمع الإسلامي معهم، وهجرهم حتى من قِبَل زوجاتهم وأقاربهم، والتعرف إلى أسباب نزول الآية بدقة - فأسباب النزول تشكل وسائل الإيضاح المعينة على كيفية تنزيل النص على الواقع، وكل واقع مماثل، في كل زمان ومكان، كما تلقي الضوء على كيفية توظيف الهجرة بالأقدار المحددة والمشروعة- يمكن أن يحقق الكثير من الضبط الاجتماعي والعطاء التربوي لبناء السلوك البشري القويم بالنسبة لمن وقع في الخطأ والتقصير، كما يحقق العبرة والعظة والتقوى للمجتمع المسلم بشكل عام، أفرادًا وجماعات.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة التاسع والثمانون: « البعد الحضاري لهجرة الكفاءات» لمجموعة من الباحثين، في سلسلة «كتاب الأمة» ، الذي يصدر عن مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في إعادة تشكيل العقل المسلم في ضوء مرجعية معرفة الوحي، في الكتاب والسنة وتطبيقات مرحلة السيرة النبوية، التي تجلت فيها هذه المعرفة ونضحت عطاءها في شعب الحياة جميعًا، وتجسدت في حياة الناس، في الفكر والدعوة والحركة، كمرحلة اقتداء معصومة برعاية النبوة وتسديد وتأييد الوحي السماوي، إضافة إلى المقاربة مع ما تمتع به خير القرون من الخصائص والصفات المهمة في ترشيد المسلم المعاصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت