واليوم في حقبة العولمة وثورة المعلومات، حيث أصبحت الكرة الأرضية قرية واحدة بما انتهت إليه التطورات الهائلة في وسائل الاتصال، حيث اختزل الزمان وطوي المكان وتقاربت المسافات، يمكن النظر إلى الطاقات المهاجرة من وجه مختلف، حيث أصبح الناس وكأنهم يعيشون في غرفة واحدة وليس في غرف متجاورة، وفكرة التكديس البشري أصبحت إلى حد بعيد نوعًا من التخلف والبدائية، حيث يمكن الإفادة من الخبرات العلمية والبحثية من مواقعها وكأنها في الوطن، في كل المجالات، إضافة إلى ما تمتلك من مخزون ثقافي وتجربة حضارية وقيم إنسانية تمكنها أن تحسن اغتنام مواقعها، لتقديم نماذج تثير الاقتداء وتغري بالاعتناق لهذا الدين والعيش في رحاب رحماته، بعيدًا عن التعصب والغلو والعنصرية، التي بدأت تجتاح العالم من خلال تجديد النظرة إلى الأغيار وتشييع فكرة العلو العرقي أو الشعب المختار، هذا إضافة إلى ما يمكن أن تعطيه لمواطنها الأصلية.
ونعود إلى القول: إنه بعد حقبة العولمة وثورة المعلومات وهذا التطور السريع في وسائل الاتصال، حيث أصبح الإنسان يرى العالم ويحاكيه من وراء مكتبه أو من بيته ودائرته ومختبره ومستشفاه، حتى من غرف العمليات الجراحية، لا بد من إعادة النظر والتقويم والمراجعة لظاهرة الهجرة وهذا الرصيد المهاجر من السواعد والأدمغة، الذي يعيش في إطار (الآخر) ، وإعادة التفكير في كيفية استرداد دوره الرسالي؛ لأن التكنولوجيا الحديثة قضت على أسباب وآثار الاغتراب، وأمكنها تحقيق الكثير من الارتكاز الحضاري والتواصل الثقافي وحمل الهم الوطني، لا أقول عن بُعْدٍ، حيث لم يبق بعدًا.
فإلى أي مدى يمكن الإفادة من هذه الثروات، أو هذا الرصيد المهاجر من الكفاءات، في الارتقاء بالواقع الإسلامي على المستويات جميعًا، واعتبار تلك المواقع العلمية والعملية هناك ميادين خبرة ودراية وتخصص تصب نواتجها في العالم الإسلامي، وتساهم بنهضته، وتحقق حضورًا عمليًا واستشاريًا ومعلوماتيًا في عالمها؟
فالسؤال المطروح اليوم: كيف نستفيد من هذا الكفاءات ونوظفها من مواقعها؟
وكيف لها أن تمنحنا بعدًا حواريًا ثقافيًا وحضاريًا ووسائل دعوة بين الإسلام والمسلمين و (الآخر) ؟
وكيف يمكن من خلال التواصل والتثاقف أن تشكل طلائع متقدمة للأنموذج الإسلامي الذي يثير الاقتداء ويغري بالاتباع؟
وكيف يمكنها تصويب الصور المشوهة، واستلال الأحقاد التاريخية، والانتصار لقضايا الحق والعدل؟
إن المهاجرين هم الجسر الحضاري ووسائل الاتصال أو طرق المواصلات لحمل الإسلام وتجسيده في واقع الحضارات والثقافات الأخرى بعيدًا عن المواجهة والاستفزاز، حتى تكون الهجرة لله ورسوله، وتتحقق بالبعد الرسالي وتتحول من ظواهر نزيف سلبية إلى فعل إيجابي يحمل الخير لبلدها الأصلي، بلدها الأم، وموطنها المختار المهجر، وتضيف بعدًا غائبًا بأن الهجرة جهاد بلا شوكة سلاح، فهي ليست جهاد عضلة وساعد وإنما جهاد فكرة ومعرفة ومعلومة، التي سوف تشكل قوة المستقبل -كما أسلفنا- وأن مراغمة الأعداء ليست بالانتصار العضلي عليهم وإنما بمنافستهم في ميدان السبق العلمي والمعرفي والالتزام الخلقي والسلوكي، الذي يحمي مسيرة العلم من البغي والفساد والتسلط، تبصرًا بالعواقب والمآلات البعيدة وليس بالنتائج القريبة التي قد يجول فيها الباطل جولة.
وبعد:
فهذا الكتاب يشكل محاولة جادة لإعادة طرح ظاهرة هجرة الكفاءات وتداعياتها السلبية، على مستوى الذات، وما تشكله من خسارات مادية ونزيف يساهم في إنهاك مواطنها الأصلية وتكريس التراجع والتخلف فيها، في الوقت الذي تعتبر إحدى المكونات والمقومات المهمة في حضارة (الآخر) وتأهيله للغلبة الحضارية، الأمر الذي شكل همًا لكثير من المفكرين والباحثين الذين استشعروا الخطر وأدركوا النتائج.
وقد حاول الكتاب إعادة فتح ملف الهجرة، على كثرة ما كتب فيه وما قدم من معالجات ورؤى، لينظر إليها من وجه مختلف، أو من الوجه الآخر، الوجه الثقافي، أو ما ارتأينا أن يكون عنوانه: «البعد الحضاري لظاهرة الهجرة» ، على اعتبار أن الهجرة ليست ظاهرة سلبية هروبية انسحابية، وإن تضمنت بعض الهجرات شيئًا من هذا، وإنما هي حركة إيجابية ذات أهداف رسالية ووسيلة دعوية متميزة لإلحاق الرحمة بالعالمين.
فالهجرة إلى المدينة هي سبب ولادة الأمة والمجتمع والدولة، والهجرة إلى الحبشة كانت السبب في نقل الإسلام وإيمان ملكها، ومراغمة الأعداء، وإنهاء لحالة الذل والمحاصرة والاستضعاف والركود والاستنقاع الحضاري.. والهجرات هي التي نقلت القيم الإسلامية إلى العالم.
فالهجرة فعل حضاري له أبعاده ورسالته وأحكامه وشروطه، فقد تكون جهادًا من أعلى أنواع الجهاد، والترفع عن الروابط القسرية، والقعود عنها مدعاة لوعيد الله، وقد تكون منهيًا عنها إذا كانت تفريغًا للموقع وسبيلًا لاستيطان (الآخر) وامتداده: «فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» .
والذي نريد أن نؤكده أن ما قدمناه في هذا الكتاب من رؤى بَصُر أصحابها المهجر، وأدركوا الرسالة المنوطة بالمسلم بشكل عام، والمسلم المهاجر بشكل خاص، لا ندعي له، أو نزعم، أنه الرؤية الشاملة لجوانب الموضوع، وإنما هي نوافذ تستدعي الاستمرار في فتح الملف والنظرات الاجتهادية الفكرية في أبعاده وتداعياته، وعلى الأخص في هذا الوقت بالذات، حيث يتحول العالم إلى وطن واحد، تلغى فيه الحدود والسدود، وتختزل المسافات والأزمنة، وتفرض فيه الأنماط الثقافية والاقتصادية والاستهلاكية والاجتماعية للدول الأقوى، ويترافق مع ذلك استيقاظ النزعات العنصرية الهمجية البدائية لما يسمى باليمين المتطرف، التي تنطلق من عقدة الشعب المختار، التي وزعت على العالم بأقدار ثقافية متعددة..
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الكفاءات المهاجرة طلائع لحضارة الإسلام
د. محمد الغمقي
إنّ هجرة العقول المسلمة ليست بمعزل عن واقع أوطان الهجرة. وإذا كان «البعض» قد اختار الهجرة للتحصيل العلمي، فإنّ هجرته في حقيقة الأمر اضطرارية، لأنها تعبّر عن عدم ارتقاء هذه الأوطان إلى اكتفاء ذاتي على مستوى البحث العلمي، والحال أنها تنتمي إلى أمة نزلت فيها كلمة (( اقْرَأْ ) ) ( [1] ) ، كما تعبّر عن ضعف حركة التعاون العلمي وتبادل الكفاءات العلمية بين هذه الأوطان المنتمية للمنظومة الحضارية نفسها رغم ما لهذا التبادل من أهمية، والحاجة إليه في ظل وجود نسبة من خريجي الجامعات في البطالة، فتضطر هذه العقول إلى الهجرة إلى بلاد تنتمي إلى منظومة حضارية أخرى.
وكثيرًا ما تُواجَه الكفاءات التي \"اختارت\"الهجرة بانتقادات مثل أنّها ضعيفة أمام الإغراءات المادية في بلاد الغرب..لكن المسألة أكثر تعقيدًا من مجرّد الحصول على امتيازات مادية في مستوى الجهود العلمية المبذولة. فهناك عوامل نفسية عميقة لدى الباحث منها الرغبة في التجديد والاكتشاف، خاصة ونحن في عصر العولمة وفي زمن العالم-القرية وتقارب الشعوب والثقافات. فلا يمكن حصر الكفاءات في رقعة صغيرة ومنعها من السير في الأرض لتوسيع آفاقها، وهذه سنّة التدافع الحضاري.