فهرس الكتاب

الصفحة 1857 من 1942

يقول مالك يرحمه الله (1) : ...والمراحل الثلاث في هذه الدورة، تعبر عن الأدوار الثلاثة، التي يمر بها المجتمع: الحالة الكاملة، حيث تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (الروح) ، ومتصلة بالاعتبارات ذات الطابع الميتافيزيقي .

والمرحلة التالية هي التي تكون فيها جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (العقل ) بخاصة، ومتجهة نحو المشكلات المادية .

أما المرحلة الثالثة، فتصور نهاية تحللها تحت سلطان (الغرائز ) المتحررة من وصاية الروح والعقل، وفيها يصبح النشاط المشترك مستحيلًا، ضاربًا بأطنابه في أغوار الفوضى والاضطراب، وهو مانجده في حالة المجتمع الإسلامي بالأندلس، في العصر المشؤوم، المسمى بعصر ملوك الطوائف .

هذا الطرح يشاركه فيه بعض مفكري الغرب أيضًا، لكنه يبدو منتزعًا من الحضارة الإسلامية في الأندلس والمشرق، كما أن التداخل في المراحل قائم.

رابعًا: عدم التزام حركة التحضر خطًا معينًا:

هؤلاء لا يرون في حركة التحضر سنة ظاهرة، ولا شكلًا محددًا، بل أحداثًا تتتابع وتتشابه مرة، وتختلف أخرى، لكنها تبقى فريدة طارئة، لا يجمعها قانون، ولا تتكرر، فالتاريخ لا يعيد نفسه، ولكل واقعة أو حدث خصوصيته. ولذا فإن محاولة استنباط قانون يحكم الحركة، من الصعوبة بمكان. والتحضر وحركة التاريخ من صناعة الإنسان، وهو صاحب فكر وإرادة، ومن الصعب أن تحكمه حتمية جامدة (1) .

وقد وجدت الدكتور قسطنطين زريق يعترف بصعوبة الجزم في المسألة، لقلة العلم (2) : (ليس بين أيدينا العلم المطلوب في هذا الميدان، الذي يأخذ على عاتقه تنسيق المعلومات المتصلة بالحضارة، والمستمدة من التاريخ والعلوم الاجتماعية والفلسفية، وربطها واستخراج مبادئها وقواعدها، بحيث يتيح لنا أن نتخذ في هذا الموضوع، الواسع المتشابك، مواقف يقينية ثابتة ) . تصور جيد للمسألة وأبعادها، يخلو من الادعاء، ويتسم بالتواضع والموضوعية.

خامسًا: الانقطاع التاريخي:

يتحدث البعض عن الانقطاع التاريخي، ويعني ما يصيب حركة التحضر من انقطاع، وإلا فإن التاريخ لا ينقطع، حتى تقوم الساعة.. إن نهر الحياة جار، وسيبقى حتى ينتهي هذا الكون.

وقد وجدت د. رفيق حبيب في كتابه القيم (تفكيك الديموقراطية ) يضع عنوانًا عامًا: (الحداثة.. موت أمة ) ، ثم يضع عنوانًا أصغر: (التاريخ لا ينقطع ) ، يقول فيه (1) :

(إن مقولة الانقطاع التاريخي، ليست مقولة مادية، لأن التاريخ لا ينقطع، فهو فعل مستمر دائم، يتحرك إلى الأمام ولكننا نصفه بصفات رمزية، فنقول: إنه انقطع، أو إنه يعود إلى الوراء، أو إنه ساكن لا يتحرك ولا يتقدم، وكلها أوصاف لحالة الأمة، وموقفها الحضاري، وليست وصفًا للتاريخ، باعتباره(التسجيل الزمني لحياة الأمم) .

فالانقطاع إذن ليس تاريخيًا في جوهره بل هو حضاري، فحركة الحضارة هي التي أصابها الانقطاع، ويعني ذلك أن المنظومة الحاكمة للحضارة، وجملة المبادئ والقيم الأساسية فيها، قد أصابها الانقطاع فلم تعد سائدة ومؤثرة ومسيطرة، بل تراجعت، وظهر بدلًا منها منظومة أخرى قدر لها أن تحوز قدرًا هامًا من السيادة والسيطرة على مصير الأمة.

ولكن هذا التصور يحتاج لأبعاد أخرى تجعله واقعيًا وتاريخيًا، فليس صحيحًا أن الشعوب تعيش في ظل قيم يمكن أن نضعها أو نخرجها أو نغيرها، فالوقائع العلمية تؤكد أن تركيب الأمم أكثر تعقيدًا من أي فعل مقصود.

ولذلك فإن ما يحدث في أي أمة يتبع قوانين وسننًا، تحدد الممكن والمستحيل، فإذا كانت قيمنا الحضرية قد انقطعت وحلت محلها قيم أخرى، فكيف حدث هذا، وما معناه الحقيقي، في التركيبة الاجتماعية؟!

إن لكل أمة ملامحها الخاصة، التي تشكلت عبر قرون طويلة، وهي بوصفها المميز للأمة، تمثل إفراز الأمة المحقق لتقدمها، وكذلك المحدث لحالة الرضا الداخلي، والقناعة الجمعية. وعبر تاريخ أي أمة يمكن أن نلحظ ما يميزها، وكوامنها الداخلية، وميولها الفطرية، واختياراتها الجمعية، وتفضيلاتها الطبيعية، وكلها تمثل في النهاية الأمة نفسها.

أي أن ملامحها وخصائصها هي ما شاع وساد تلقائيًا، محققًا الاختيار الحر الملائم، الذي تميل له الأمة، فيحقق سعادتها.

ملامح الأمة -بهذا المعنى- هي تلك القسمات البارزة والواضحة والشائعة، فليس صحيحًا أن الأمة -أي أمة- هي سديم متجانس، إلى حد التطابق، ليس فقط بين أفرادها، بل أيضًا بين جماعاتها. وملامح أي أمة، هناك السائد، وهو ما شاع واكتسب عمقًا واستمرارًا، وهناك غير الشائع والنادر، وغير المتكرر، والذي يتميز بأنه غير أصيل، وهناك ملامح هامشية ليس لها نفس الوجود، سواء في قوتها أو انتشارها، وهذه لا تعبر عن الميل الفطري التلقائي للأمة، بل هي بمثابة الاستثناء الذي يثبت القاعدة، وهي كل ما ظهر دون أن يحوز إقبالًا أو إجماعًا من الأمة، وهذه هي السمات التي لم تحقق نجاحًا في الأمة، ولم تحقق الأمة بها أي ازدهار أو تقدم... )

بعد ذلك يتحدث د. حبيب عن السمات السائدة والمتنحية.. فالسائدة هي الشائعة حتمًا، أما المتنحية فهي غير الشائعة، فما شاع في الأمة يصبح سائدًا، ويتنحى ما لم يشع.

(والأمة في ازدهارها تشحذ قيمها ومبادئها وعوامل نهضتها وتقدمها وازدهارها حضاريًا، أي أنها حققت ما تريده وتفضله وتميل إليه، لذلك فالازدهار يرتبط بالقيم السائدة والأفكار الغالبة، والمقدسات محل اعتراف الجميع، بذلك يرتبط الازدهار -في فهمنا- بالملامح السائدة للأمة، محققًا بذلك التواصل مع الماضي بثوابته وملامحه، ومحققًا أيضًا للتطور التاريخي، المعبر عن كيان الأمة وصعودها، وبهذا المعنى يرتبط التقدم بحالة تحقق قيم الأمة في الواقع المعاش، فتصبح هذه القيم هي نظام الحياة بجوانبه السياسية والأهلية والقانونية والأخلاقية... ) (1) .

لكن الأمة قد تمر بحالة تدهور، فهنا تفقد القيم قدرتها الوظيفية، وتصاب بعطب وظيفي، فيختل تماسك الأمة، وتضعف قدرتها على الصمود أو تنهار، تضعف عن مواجهة التحديات داخليًا وخارجيًا، وعندها يرتبط وجود الأمة باستمرار السيطرة السياسية والعسكرية.

وبتدهور حالة الأمة تصير غير راضية عن نفسها ولا عن ثقافتها أو لغتها أو آدابها، وهنا يحصل صدام بين الأمة وقيمها، وكأن الأمة أصبحت عدوًا لنفسها، أما القيم الأصلية فتضعف، وأما القيم المتنحية فيصبح ظهورها أقوى، وهنا تزداد الأمة ضعفًا، ويباشر بتوظيف القيم الأصلية توظيفًا سلبيًا، وربما يجري ارتكاب الأخطاء والمفاسد في حق الأمة، باسم الأمة، وقد يفرض عليها حكمًا ظالمًا يفسد حياتها ويسممها.

والانقطاع التاريخي يكون هنا بمعنى دورة طبيعية، حيث يفسد النظام الإيجابي للأمة، ويتم تنحيته لمصلحة نظام هامشي تفرض سلطته اغتصابًا، وهنا يكون الانقطاع عبارة عن انقطاع سيادة قيم الأمة عن الأمة ومصيرها، وتقوم عليه أقلية تنتمي لهذا النمط الهامشي، وتفرض سيطرتها على الأغلبية، وعلى نمط الحياة وقيمها، وشيئًا فشيئًا تفقد الشرعية، وتسوء الحالة يومًا بعد يوم.

حاولت جهد الإمكان التلخيص مع المحافظة على المعلومة، وأنصح بقراءة ودراسة (تفكيك الديموقراطية ) .

مع أشهر المفسرين لحركة التحضر

كافة الأفكار والمدارس والمذاهب قامت في أفراد، نادوا بها، وعنهم أخذت ونقلت.

والمهتمون بتفسير حركة التحضر كثير، بعضهم ذهب، والبعض ما زال حيًا، وهؤلاء من الأفضل الانتظار حتى تستقر اجتهاداتهم، لأن الإنسان يمكن أن يغير قناعاته، كما يمكن أن يستفيد من النقد الذي يوجه له، أو لأمثاله.

1-عبد الرحمن بن خلدون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت