قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ} (3) سورة الملك
والخاصية الرابعة في هذا التصور هي .. التوازن .. التوازن في مقوماته، والتوازن في إيحاءاته. وهي تتصل بخاصية"الشمول"التي سبق الحديث عنها. فهو تصور شامل. وهو شمول متوازن.
وقد صانته هذه الخاصية الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك، والغلو هنا وهناك، والتصادم هنا وهناك. هذه الآفات التي لم يسلم منها أي تصور آخر. سوءا التصورات الفلسفية، أو التصورات الدينية التي شوهتها التصورات البشرية، بما أضافته إليها، أو نقصته منها، أو أوّلته تأويلًا خاطئًا، وأضافت هذا التأويل الخاطئ إلى صلب العقيدة
وتتمثل هذه الخاصية في عدة موازنات، نذكر منها أبرزها:
هناك التوازن بين الجانب الذي تتلقاه الكينونة الإنسانية لتدركه وتسلم به، وينتهي عملها فيه عند التسليم، والجانب الذي تتلقاه لتدركه، وتبحث حججه وبراهينه، وتحاول معرفة علله وغاياته وتفكر في مقتضياته العملية، وتطبقها في حياتها الواقعية.
والفطرة البشرية تستريح لهذا ولهذا، لأن كليهما يلبي فيها جانبًا أصيلًا، مودعًا فيها وهي تخرج من يد بارئها. وقد علم الله أن الإدراك البشري لن يتسع لكل أسرار هذا الوجود، ولن يقوى على إدراكها كلها، فأودع فطرته الارتياح للمجهول، والارتياح للمعلوم، والتوازن بين هذا وذاك في كيانها، كالتوازن بين هذا وذاك في صميم الوجود.
إن العقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول، ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود، ليست عقيدة، ولا تجد فيها النفس ما يلبي فطرتها، وأشواقها الخفية إلى المجهول، المستتر وراء الحجب المسدلة .. كما أن العقيدة التي لا شيء فيها إلا المعمّيات التي لا تدركها العقول ليست عقيدة! فالكينونة البشرية تحتوي على عنصر الوعي. والفكر الإنساني لا بد أن يتلقى شيئًا مفهومًا له، له فيه عمل، يملك أن يتدبره ويطبقه.. والعقيدة الشاملة هي التي تلبي هذا الجانب وذاك، وتتوازن بها الفطرة، وهي تجد في العقيدة كفاء ما هو مودع فيها من طاقات وأشواق.
فإذا كانت ماهية الذات الإلهية. وكيفية تعلق إرادة الله بالخلق وحقيقة الروح .. من الحقائق التي لا سبيل إلى الإحاطة بها -كما أسلفنا- ( ) فهناك خصائص الذات الإلهية: من وجود، ووحدانية، وقدرة، وإرادة، وخلق، وتدبير … وكلها مما يعمل الفكر البشري في إدراكه، ومما يستطيع أن يدرك ضرورته ومقتضياته في الوجود. والإسلام يعرض هذه الخصائص ببراهينها المقنعة.. وهناك"الكون"وحقيقته، ومصدر وجوده، وعلاقته بخالقه، وعبوديته له، واستعداده لاستقبال الحياة، وعلاقته بالإنسان وعلاقة الإنسان به.. وهناك"الحياة"بشتى أنواعها وأجناسها وأشكالها ودرجاتها، ومصدرها، وعلاقتها بطبيعة الكون، وعلاقتها بمبدعه ومبدعها.. وهناك"الإنسان"وحقيقته، وخصائصه ومصدره، وغاية وجوده، ومنهج حياته.. وكلها ترد في منطق مفهوم واضح، مريح للعقل والقلب. مدعم بالبراهين التي تتلقاها الفطرة بالقبول والتسليم:
"أم خُلِقُوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خَلقُوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون". (الطور: 35-36)
"أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟ لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون! لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أم اتخذوا من دونه آلهة؟ قل: هاتوا برهانكم. هذا ذكر من معي وذكر من قبلي. بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون". (الأنبياء: 21-24)
"أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون". (يس: 81، 82)
"وضرب لنا مثلًا ونسي خلقه. قال: من يحي العظام وهي رميم؟ قل: يحيها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم". (يس: 78، 79)
وهكذا تجد الفطرة البشرية في التصور الإسلامي ما يلبي أشواقها كلها: من معلوم ومجهول، ومن غيب لا تحيط به الأفهام ولا تراه الأبصار، ومكشوف تجول فيه العقول وتتدبره القلوب. ومن مجال أوسع من إدراكها تستشعر إزاءه جلال الخالق الكبير، ومجال يعمل فيه إدراكها وتستشعر إزاءه قيمة الإنسان في الكون وكرامته على الله.
وتتوازن الكينونة الإنسانية بهذا وذلك، وهي تؤمن بالمجهول الكبير، وهي تتدبر المعلوم الكبير..
والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية.. فالمشيئة الإلهية طليقة، لا يرد عليها قيد ما، مما يخطر على الفكر البشري جملة. وهي تبدع كل شيء بمجرد توجهها إلى إبداعه. وليست هنالك قاعدة ملزمة، ولا قالب مفروض تلتزمه المشيئة الإلهية، حين تريد أن تفعل ما تريد:"إنما قولنا لشيء -إذا أردناه- أن نقول له: كن. فيكون". (النحل: 40)
وفي الوقت ذاته شاءت الإرادة الإلهية المدبرة، أن تتبدى للناس - عادة - في صورة نواميس مطردة، وسنن جارية، يملكون أن يرقبوها، ويدركوها، ويكيفوا حياتهم وفقها، ويتعاملوا مع الكون على أساسها.. على أن يبقى في تصورهم ومشاعرهم أن مشيئة الله - مع هذا- طليقة، تبدع ما تشاء، وأن الله يفعل ما يريد، ولو لم يكن جاريًا على ما اعتادوا هم أن يروا المشيئة متجلية فيه، من السنن المقررة والنواميس المطردة. فسنّة كذلك -وراء السنن كلها- أن هذه المشيئة مطلقة، مهما تجلت في نواميس مطردة وسنن جارية - ومن ثم يوجه الله الأبصار والبصائر إلى تدبر سننه في الكون، والتعامل معها، والنظر في مآلاتها - بقدر ما يملك الإدراك البشري- والانتفاع بهذا النظر في الحياة الواقعة:
"قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق. فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر". (البقرة: 258)
"لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار". (يس: 40)
وبين ثبات السنن وطلاقة المشيئة، يقف الضمير البشري على ارض ثابتة مستقرة، يعمل فيها، وهو يعلم طبيعة الأرض، وطبيعة الطريق، وغاية السعي، وجزاء الحركة. ويتعرف إلى نواميس الكون، وسنن الحياة، وطاقات الأرض، وينتفع بها وبتجاربه الثابتة فيها منهج علمي ثابت. وفي الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله، معلق القلب بمشيئته لا يستكثر عليها شيئًا، ولا يستبعد عليها شيئًا، ولا ييئس أمام ضغط الواقع أبدًا. يعيش طليق التصور، غير محصور في قوالب حديدية، يضع فيها نفسه، ويتصور أن مشيئة الله -سبحانه- محصورة فيها! وهكذا لا يتبلد حسه، ولا يضمُر رجاؤه، ولا يعيش في إلف مكرور!
والمسلم يأخذ بالأسباب، لأنه مأمور بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة، لأنه مأمور بمراعاتها. لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج. فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء واجبه في الحركة والسعي والعمل واتخاذ الأسباب .. طاعة لأمر الله.
وهكذا ينتفع المسلم بثبات السنن في بناء تجاربه العلمية وطرائقه العملية، في التعامل مع الكون وأسراره وطاقاته ومدخراته. فلا يفوته شيء من مزايا العلوم التجريبية والطرائق العملية. وهو في الوقت ذاته موصول القلب بالله، حي القلب بهذا الاتصال. موصول الضمير بالمشاعر الأدبية الأخلاقية، التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه، وتسمو بالحياة الإنسانية إلى أقصى الكمال المقدر لها في الأرض، وفي حدود طاقة الإنسان.
والتوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة.. وهي القضية المشهورة في تاريخ الجدل في العالم كله، وفي المعتقدات كلها، وفي الفلسفات والوثنيات كذلك باسم قضية"القضاء والقدر"أو الجبر والاختيار.
والإسلام يثبت للمشيئة الإلهية الطلاقة -كما أسلفنا- ويثبت لها الفاعلية التي لا فاعلية سواها، ولا معها - كما بينّا ذلك في خاصية الشمول وكما سيجئ في خاصية الإيجابية - وفي الوقت ذاته يثبت للمشيئة الإنسانية، الإيجابية - كما سنفصل ذلك في خاصية"الإيجابية"- ويجعل للإنسان الدور الأول في الأرض وخلافتها. وهو دور ضخم، يعطي الإنسان مركزًا ممتازًا في نظام الكون كله، ويمنحه مجالًا هائلًا للعمل والفاعلية والتأثير. ولكن في توازن تام مع الاعتقاد بطلاقة المشيئة الإلهية، وتفردها بالفاعلية الحقيقية، من وراء الأسباب الظاهرة. وذلك باعتبار أن النشاط الإنساني هو أحد هذه الأسباب الظاهرة. وباعتبار أن وجود الإنسان ابتداء، وإرادته وعمله، وحركته ونشاطه، داخل في نطاق المشيئة الطليقة، المحيطة بهذا الوجود وما فيه ومن فيه (على نحو ما سنفصل في خاصية"الإيجابية") .
ويقرأ الإنسان في القرآن الكريم:"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير". (الحديد: 22)
إن قدر الله في الناس هو الذي ينشئ ويخلق كل ما ينشأ وما يُخلق من الأحداث والأشياء والأحياء .. وهو الذي يصّرف حياة الناس ويكيّفها. شأنهم في هذا شأن هذا الوجود كله.. كل شيء فيه مخلوق بقدر، وكل حركة تتم فيه بقدر .. ولكن قدر الله في الناس يتحقق من خلال إرادة الناس وعملهم في ذات أنفسهم، وما يحدثون فيها من تغييرات.
"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". (الرعد: 11)
وكون مرد الأمر كله إلى المشيئة الإلهية المطلقة، لا يبطل هذا ولا يعطله. فالأمران يجيئان مجتمعين أحيانًا في النص القرآني الواحد، كما رأينا في المجموعة الثالثة من هذه النماذج.
ونحن إنما نفترض التعارض والتناقض، حين ننظر إلى القضية بتصور معين نصوغه من عند أنفسنا، عن حقيقة العلاقة بين المشيئة الكبرى، وحركة الإنسان في نطاقها. إلا أن المنهج الصحيح: هو ألا نستمد تصوراتنا في هذا الأمر من مقررات عقلية سابقة. بل أن نستمد من النصوص مقرراتنا العقلية في مثل هذه الموضوعات، وفيما تقصه علينا النصوص من شأن التقديرات الإلهية، في مجال الذي لا دليل لنا فيه، غير ما يطلعنا الله عليه منه ..
فهو قال:"فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا".. وهو قال:"وما يشاءون إلا أن يشاء الله"..
وهو قال:"بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره".. وهو قال:"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعّد في السماء". (الأنعام: 125)
إن الإسلام يقول: إن الدنيا دار ابتلاء وعمل. وإن الآخرة دار حساب وجزاء. والحياة في هذه الأرض مرحلة محدودة في الرحلة الطويلة. وما يقع للإنسان في هذه الأرض ليس خاتمة الحساب ولا نهاية المطاف. إنما هو مقدمة لها ما بعدها. واختبار تقدر له درجته هناك في دار الحساب.
بهذا يحل الإسلام الجانب الشعوري من هذه المشكلة في الضمير البشري، ويكسب فيه الطمأنينة والاستقرار. فالألم الذي يلقاه الخيّر في هذه الأرض من جراء وجود الشر والنقص فيها، ليس هو كل نصيبه، فهناك النصيب الذي يعادل بين كفتي الميزان في شطري الرحلة، والشطران موصولان. تسيطر عليهما إرادة واحدة. ويحكم فيهما حكم واحد لا يند عن علمه شيء ولا يختل في ميزانه شيء!
ثم هو يخاطب الحقيقة الشعورية التي يجدها الإنسان في أعمال ضميره … وهي أن شعور المؤمن الخيّر الذي يحقق منهج الله في حياته، ويجاهد لتحقيقه في حياة البشر، يجد - وهو يعاني الألم من جانب الشر والأشرار - شعورًا مكافئًا من الرضى والسعادة في هذه الدنيا، قبل أن يجد جزاءه المدخر له في الآخرة. شعورًا ناشئًا عن إحساسه بأنه يرضى الله فيما يفعل، وأن الله يرضى عن جهاده الخيّر … وهي شهادة من ذات البنية الحية، ومن طبيعة الفطرة البشرية، على أن الله جعل التكوين الفطري للإنسان، يجد جزاءه الحاضر في كفاح الشر والباطل، ونصرة الخير والحق، وأن له من التذاذة الكفاح في هذا الطريق، جزاء ذاتيًا من كيانه الداخلي، في ذات اللحظة التي يتحمل فيها الألم، وهو يواجه الشر والباطل، ويكافحهما ما استطاع. وأن العوض كامن في ذات الفطرة وفي الاطمئنان إلى حسن الجزاء في الدنيا والآخرة. ولهذا الاطمئنان أثره حتى قبل يوم الحساب الختامي في دار الحساب.
"الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب". (الرعد: 28)
"أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه؟ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين" (الزمر: 22)
أما وجود الشر في ذاته، وما ينشأ عنه من الألم في كل صورة. ولماذا يوجد، والله قادر على ألا يوجده ابتداء، ولو شاء لهدى الناس جميعًا، ولو شاء لخلق الناس كلهم مهتدين ابتداء ؟؟؟ أما هذا السؤال فلا موضع له البتة في التصور الإسلامي!
إن الله قادر طبعًا على تبديل فطرة الإنسان - عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه - أو خلقه بفطرة أخرى. ولكنه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة وأن يخلق الكون على هذا النحو الذي نراه. وليس لأحد من خلقه أن يسأله لماذا شاء هذا؟ لأن أحدًا من خلقه ليس إلهًا! وليس لديه العلم والإدراك - ولا إمكان العلم والإدراك -للنظام الكلي للكون. ولمقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود، وللحكمة الكامنة في خلقه كل كائن بطبيعته التي خلق عليها.
والله وحده هو الذي يعلم، لنه وحده هو الذي خلق الكون ومن فيه وما فيه، وهو وحده الذي يرى ما هو خير فينشئه ويبقيه، وهو وحده الذي يقدر أحسن وضع للخلق فينشئه فيه:
"فتبارك الله أحسن الخالقين". (المؤمنون: 14)
"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى". (طه: 50)
"ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون". (المائدة: 48)
وبهذا يقطع التعطيل والإرجاء والسلبية، والإحالة على مشيئة الله في المعصية، أو الشلل والجمود والسلب.. وقد علم أن الله لا يرضى لعباده الكفر. وأنه لا يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. ولا يرضى أن يترك المنكر بلا جهاد، ولا أن يترك الحق بلا نصرة، ولا أن تترك الأرض بلا خلافة. وقد علم أن الإنسان في هذه الدنيا للابتلاء بالخير والشر، وللامتحان في كل حركة وكل حالة. وأنه مجزي على الحسنة وعلى السيئة في دار الحساب والجزاء.. وأنه كذلك مستخلف في هذه الأرض، وأن له مكانه في هذا الكون، وله دوره في ما يقع في هذه الأرض من تغيير وتطوير. وأنه إما ناهض بهذه الخلافة - وفق منهج الله- فمثاب. وإما ناكل التبعة فمعاقب. ولو كان النكول خوفًا من التبعة، وفرارًا من الابتلاء!
والتوازن بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون.. وقد سلم التصور الإسلامي في هذا الصدد من كل الهزات والأرجحات التي تعاورت المذاهب والمعتقدات والتصورات .. ما بين تأليه الإنسان في صوره الكثيرة. وتحقير الإنسان إلى حد الزراية والمهانة.
إن الإسلام يبدأ فيفصل فصلًا تامًا كاملًا بين حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية. وبين مقام الألوهية ومقام العبودية. وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية. بحيث لا تقوم شبهة أو غبش حول هذا الفصل الحاسم الجازم:
الله"ليس كمثله شيء"… فلا يشاركه أحد في ماهية أو حقيقة.
والله"هو الأول والآخر والظاهر والباطن"فلا يشاركه أحد في وجود.
و"كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام".. فلا يشاركه أحد في بقاء.
والله"لا يسال عما يفعل وهم يسألون".. فلا يشاركه أحد في سلطان.
و"خالق كل شيء".. فلا يشاركه أحد في خلق.
و"الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر".. فلا يشاركه أحد في رزق.
و"والله يعلم وأنتم لا تعلمون".. فلا يشاركه أحد في علم.
"ولم يكن له كفوًا أحد".. فلا يشاركه أحد في مقام.
"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟".. فلا يشاركه أحد في التشريع للناس … وهكذا في كل خاصية من خصائص الألوهية.
والإنسان عبد لله ككل مخلوق في هذا الوجود.
وهو مستخلف في هذه الأرض، مسلط على كل ما فيها، مسخر له الأرض وما فيها ومحسوب حسابه في تصميم هذا الكون قبل أن يكون:
"وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وعلّم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك! لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟". (البقرة: 30-33)
والإنسان -كما أسلفنا- يكون في أرفع مقاماته، وفي خير حالاته، حين يحقق مقام العبودية لله. إذ أنه -في هذه الحالة- يكون في أقوم حالات فطرته، وأحسن حالات كماله، وأصدق حالات وجوده.
ومقام العبودية لله هو الذي وصف به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مقام الوحي ومقام الإسراء والمعراج -كما ذكرنا من قبل- وهو الذي جعله الله غاية الوجود الإنساني وهو يقول:"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
كما أن قيام الناس في هذا المقام، هو الذي يعصمهم جميعًا من عبودية العبيد للعبيد، وهو الذي يحفظ لهم كراماتهم جميعًا، على اختلاف مراكزهم الدنيوية، وهو الذي يرفع جباههم فلا تنحني إلا لله، وهو الذي يكفيهم -في الوقت ذاته- عن الاستكبار في الأرض بغير الحق، والعلو فيها والفساد، ويستجيش في قلوبهم التقوى للمولى الواحد، الذي يتساوى أمامه العبيد. ويرفض أن يدعى أحد العبيد لنفسه خصائص الألوهية، فيشرع للناس في شؤون حياتهم بغير سلطان من الله، ويجعل ذاته مصدر السلطان، وإرادته شريعة لبني الإنسان!
ومن ثم فإنه لا تعارض -في التصور الإسلامي- بين رفعة الإنسان وعظمته وكرامته وفاعليته، وبين عبوديته لله -سبحانه- وتفرد الله بالألوهية وبخصائصها جميعًا.
ولا حاجة إذن - عندما يراد رفع الإنسان وتكريمه - أن تخلع عنه عبوديته لله، أو تضاف إلى ناسوتيته لاهوتية ليست له، كما احتاج رؤساء الكنيسة والمجامع المقدسة أن يفعلوا، ليعظموا عيسى -عليه السلام- ويكبِّروه!
"ولقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم. إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة. ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار. لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد. وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه؟ والله غفور رحيم. ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقه، كانا يأكلان الطعام. انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون". (المائدة: 72-75)
وهكذا تتوازن هذه المصادر .. كل بحسبه .. وتتناسق في إمداد الكائن الإنساني بالمعرفة. ويتوازن التصور الإسلامي، فلا يشط ولا يضطرب ولا يتأرجح بين هذه المصادر، ولا يؤلّه ما ليس منها بإله!
ومما يلاحظ بوضوح في منهج التربية القرآني كثرة توجيه الإدراك البشري إلى ما في الكون، وما في الأنفس، من أمارات وآيات، وتوجيه هذا الإدراك إلى مصاحبة صنعة الله في الأنفس والآفاق. ذلك أن هذه المصاحبة -فوق أنها تنبه الإدراك البشري إلى معرفة الصانع من صنعته، وإجلاله بإدراك عظمته من عظمة صنعه، وحبه بإدراك عظمة أنعمه - فهي في الوقت ذاته تطبع الإدراك الإنساني بخصائص تلك الصنعة: من دقة وتناسق وانتظام، لا خلل فيه ولا تصادم ولا تفاوت. كما تطبعه بموحياتها كذلك من سنن وحقائق ومقررات .. وليس بالقليل مثلًا ان ينطبع في حس الإنسان وشعوره من متابعة التغير المستمر في أحوال هذا الكون، وفي أحوال البشر، وفي أحوال النفس، أن الدوام لله وحده، الذي يغير ولا يتغير. وأن كل شيء حائل أو زائل، إلا الحي الذي لا يموت. الصمد الثابت المقصود.. وليس بالقليل مثلًا أن ينطبع في حس الإنسان وشعوره من ملاحظة ثبات السنن التي تحكم ذلك التغير، وثبات الناموس الذي يتم به التبدل والتحور، أن الأمور لا تمضي جزافًا، وأن الحياة لم توجد سدى، وأن الإنسان غير متروك لقى. وإنما هو التدبير والتقدير، والابتلاء والجزاء، والعدل الصارم الدقيق في تقدير المصير..
وهكذا .. وهكذا .. مما سنذكر منه الكثير.
ومن ثم يكثر التوجيه إلى هذه المصادر، والظاهرة في الكون والمكنونة في النفس، لتلقي المعرفة من كتاب الله المفتوح، كتلقي المعرفة من كتاب الله المقروء. في تناسق وتوازن، يجمع ين مصادر المعرفة كلها، في غير تصادم ولا تعارض، وفي غير تأليه ولا تحقير، وفي غير خصومات صغيرة، كتلك الخصومات التي رأينا أمثلة منها في تاريخ الفكر الغربي الصغير!
ومن ثم لا يقتضي قيام الوحي - كمصدر أساسي للمعرفة - إلغاء الإدراك البشري، كما لا يقتضي وجود الكون إلغاء هذا العقل، أو إلغاء الله - جل وعلا وتنزه عن التصورات المطموسة البائسة، التي يتعبد لها الغربيون! وعبيد الغربيين!
والتوازن بين فاعلية"الإنسان"وفاعلية الكون. وبين مقام الإنسان ومقام الكون. وقد سلم التصور الإسلامي في هذه النقطة من جميع الأرجحات، وجميع التقلبات التي صاحبت الفكر البشري، كلما انحرف عن منهج الله.
وتتضح استقامة التصور الإسلامي تجاه الكون والإنسان، حين يراجع ركام الفلسفات والتصورات والمعتقدات المختلفة.
وتكريم الوجود الإنساني - مع عدم احتقار الوجود الكوني- يكفل لهذا الإنسان مقامه وكرامته، ويجعل حياته ومقوّماته أكرم من أن تمسّ في سبيل توفير أية قيمة مادية أخرى. وذلك مع عدم الإخلال بالقيم المادية وبالإبداع في عالم المادة.
وهناك ألوان شتى من هذا التوازن في التصور الإسلامي، لا نملك تتبعها وعرضها هنا بالتفصيل - ولا حتى مجرد الإشارة - إنما نحن نثبت هذه النماذج، لتكون هي الإشارة التي يتبعها الناظر في هذا المنهج، إلى نهاية الطريق ( ) …