فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 1942

ولو تدبّرنا في هذه السورة الكريمة فإننا سنحصل بالتأكيد على آفاق جديدة من المعرفة وعلم الحضارات.

ولقد قمت سابقًا بتفسير هذه السورة، وأشرت إلى أنها تحدثنا عن معالم المجتمع الإسلامي، ولكنني لم أتوصل إلى الخيطالذي يربط بين مختلف تعاليمها؛ أي التصور الشمولي لهذه السورة. وهذا يعني أننا لم نصل بعد إلى مثل هذا التصورالشمولي فيما يتعلق بالمجتمع الإسلامي، فنحن لا نعرف بالضبط لماذا حرّم الإسلام الغيبة والتهمة والنميمة، ولماذا فرض علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولماذا أمرنا بالتواصي والتحابب، وقول الكلمة الطيبة، والتشجيع على عمل الخير. لأننا ننظر إلى كل واحدة من هذه المفردات الأخلاقية والتبريرية لوحدها؛ دون أن نحاول الربط بينها بخيطواحد لكي نرى صورة المجتمع الإسلامي المتكامل فنحصل من خلال ذلك على مجموعة من القوانين والسنن الإلهية التي يجب أن تتحكم في المجتمع.

وهذه الظاهرة هي مشكلة المسلمين في جميع المجالات؛ أي مشكلة الفكر المتخلّف الذي لا يصل بين مفردة وأخرى،والذي لم يستطع بعد أن يتوصّل إلى الأسلوب الأمثل لفهم الآيات القرآنية. فنحن نقرأ كلّ آية لوحدها دون أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي وهو: ما هي صلة هذه الآية بما سبقها من الآيات، وبماذا تهتم هذه السورة، وما هو إطارهاالعام؟ إلى درجة أن بعض العلماء ما يزالون يطرحون التساؤل التالي: هل هناك ارتباط وعلاقة بين الآيات القرآنية في السورة الواحدة؟

وتوجد في الفقه نفس هذه المشكلة؛ فمن المعروف عند الفقهاء أن هناك مجموعة كبيرة من التعاليم التي تصبّ كلّها في خانةواحدة هي خانة الصلاة، وبناء على ذلك فإن القبلة، والوضوء، والتطهّر، والمكان المباح، والنيّة ، والأذكار وما إلى ذلك من واجبات وأركان تشكّل كلّها وحدة واحدة نطلق عليها اسم الصلاة. ولكن هل نعلم أنه ما ذكرت الصلاة في القرآن إلا وذكرت معها الزكاة، فلماذا - إذن - نربط بين قراءة سورة الحمد في الصلاة والركوع، ولا نربط بين الصلاة والزكاة،مع أن القرآن ذكرهما معًا؟

وعلى هذا؛ فلابد من أن نكوّن في أذهاننا تصوّرًا شاملًا للصلاة والزكاة معًا ولجميع العبادات بشكل عام، وكذلك الحال بالنسبة إلى الجانب التربوي، والاجتماعي، والاقتصادي.

أهداف التعاليم الاجتماعية في الإسلام

وإذا ما تعمّقنا في التعاليم الخاصة بالمجتمع الإسلامي نجد أن هذه المجموعة من التعاليم يُتوقّع تحقيق أهداف كثيرة؛ منها أن يكون المجتمع الإسلامي متماسكًا أكثر فأكثر، فهناك العديد من الفرائض والتعاليم والمستحبات تشكل كلها وحدةواحدة تدعونا إلى المزيد من التماسك في المجتمع الإسلامي، وفيما يلي سأبيّن هذه التعاليم بشكل مختصر.

إن القرآن الكريم يأمرنا ببناء الأسرة، لأنها تمثل الوحدة الاجتماعية الأولى في صرح المجتمع الإسلامي، وبعد الأسرةيأمرنا بصلة الرحم، والاهتمام بالجار، والفقراء، والمستضعفين، والأيتام، ويأمرنا باحترام الذين نتعلّم منهم، والتواضع لمن نعلّمهم، وبالتالي فإنّه يأمرنا بمجموعة من التعاليم يجمعها الإمام زين العابدين عليه السلام في رسالته المعروفةب (رسالة الحقوق ) .

وجميع هذه الأوامر تؤدي إلى نتيجة واحدة؛ هي إيجاد مزيد من التماسك في المجتمع الإسلامي، ومن جهة أخرى، فإن الإسلام يريد أن ينشئ مجتمعًا متماسكًا حيويًا؛ أي أن يكون من خصائص هذا المجتمع بذل المزيد من الحركة والنشاطكما كانت حالة هذا المجتمع في العصر الإسلامي الأول، وإذا ما أردنا أن نعقد مقارنة بين مجتمعنا الآن وبين ذلك المجتمع لوجدنا أن الفرق بينهما هائل يشبه إلى حد كبير الفرق بين المدينة الأثرية القديمة، والمدنية الجديدة المتطوّرة!!

وبناء على ذلك فإننا لسنا بحاجة إلى عملية ترميم فحسب، بل نحن بحاجة إلى بناء صرحٍ جديد في كل الحقول والمجالات. فتعاليم الإسلام موجودة اليوم بيننا، وكذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن شتّان بين تطبيقنا لهذه التعاليم وبين تطبيق أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لها.

لقد قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدنية المنوّرة التي كانت لحين مجيئه قرية موبوأة متخلّفة، يسيطر عليها التخلّف والجمود، وما أن وطأت قدماه المباركتان هذه المدينة حتى دبّ فيها النشاط والحركة، وإذا بمجتمعها يصبح حيويًا، وإذا بالزراعة وحركةالتجارة والاقتصاد تحيى، وفي خلال سنين معدودة تحوّلت إلى مدينة حيويّة متطوّرة تُشع الحضارة إلى جميع أرجاءالعالم، وحتى اليوم فإننا نقتبس نور الحضارة من هذه المدينة التي بناها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بيديه المباركتين.

الكلمة الطيّبة من دوافع الحضارة

إن الإسلام هو دين النشاط والحيوية، ومن أهم تعاليمه في هذا المجال نشر الكلمة الطيبة، فإن رأى الواحد منا صاحبه يقوم بعمل حسن فعليه من خلال الكلمة الطيبة أن يشجّعه، لأن هذه الكلمة - رغم بساطتها - من شأنها أن تترك تأثيرًا بالغًا في نفسيّة هذا الإنسان إلى درجة تجعله يندفع إلى العمل بصورة غريبة.

أما المجتمع المتخلّف؛ فعلى العكس من ذلك تمامًا، فترى الكلمات السلبية المثبّطة منتشرة فيه؛ فإذا ألفَ أحد ما كتابًاونشره، قالوا له: إنك نشرته رياءً، وإن صعد الخطيب المنبر تراهم يبحثون في كلماته عن النقائص والعيوب لينشروهابين الآخرين. ففي بعض الأحيان لا يرى أحدنا الفضيلة، والخير، والعمل الصالح الذي يقوم به طرف من الأطراف، بل تراه ينظر إلى السلبيات والأخطاء فحسب، وهذه الظاهرة ناجمة عن جلوس أولئك المثيرين للسلبيات في زاوية من الزوايا ليكتفوا بالحديث ضد العاملين في سبيل اللَّه سبحانه وتعالى. فهم لم يعملوا لكي يفهموا معنى العمل، ولكي يعرفواكيف يواجه العاملون التحديات والصعوبات، والظروف المعاكسة، بل إن قصارى جهدهم أن يسلّطوا الأضواء على الأخطاء والسلبيّات - إن وجدت -، وبسبب هذه الروح التثبيطية نرى أن عدد العاملين ينقص يومًا بعد آخر.

هذا في حين أن القرآن الكريم يقول: (اَلَم تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَافِي السَّمَآءِ) (إبراهيم/24) . فالإسلام يوصينا بنشر الكلمة الطيبة، ويأمرنا بالتواصي بعمل الخير، وإشاعةالحسنة، وينهانا عن إشاعة الفاحشة.. وكل ذلك ليكون المجتمع حيويًا ومتفاعلًا، ولكي يتحوّل إلى مجتمع حضاري يبني صرح الحضارة الشامخ من خلال التحلّي بأخلاقيات المجتمع المتحضّر التي تقف في مقدّمتها النظرة الشمولية إلى الدين الإسلامي الحنيف، واجتناب النظرة التجزيئية الضيّقة التي تعتبر سببًا رئيسيًا من أسباب الجهل والتخلف، والتي كانت وما زالت السبب الكامن وراء عدم فهمنا الصحيح للمفاهيم والتعاليم والأحكام الإسلامية، وخصوصًا تلك المرتبطةببناء المجتمع المتحضر، الذي تسوده روح التضامن والتكافل والتعاون..

الحس الجمالي في الحضارة

لا ريب أن الحسّ الجمالي يشكّل جانبًا مهمًّا من جوانب الحضارة، وهذا الحسّ يتجلّى - أول ما يتجلّى - في الطهروالنقاء والنظافة، ولكنّه يمتلك بالإضافة إلى ذلك أبعادًا أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت