إن في الإسلام تشجيعًا مستمرًّا ومتواصلًا على الجمال وما يؤدّي إليه؛ وعلى سبيل المثال فإن من المستحب في الإسلام أن ينظر الإنسان إلى نفسه في المرآة لكي يهندم نفسه، ويضفي مسحة من الجمال عليها، كما أنّ من المكروه أن يهمل هذاالإنسان شعر رأسه ويتركه دون حلاقة إلا إذا تعهّده بالنظافة المستمرّ،، ومن المستحب أيضًا أن يمشّط الإنسان شعررأسه ولحيته بشكل متواصل، حتى أنه روي عن أبى بصير عن أبي عبد اللَّه (الإمام جعفر الصادق عليه السلام ) ، قال:سألته عن قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلُ مَسجِد) (الأعراف/31) قال: (هو المشط عند كل صلاة فريضة ونافلة) (22) .
الجمال من سمات الحضارة؟
إن علينا أن نسأل أنفسنا في هذا المجال: ترى لماذا هذا التأكيد المستمر والمتواصل على يكون الإنسان ذا مظهر حسن وجميل، ولماذا هذه المجموعة الكبيرة من التعاليم الإسلامية حول النظافة والأمور الجمالية.؟
الجواب على ذلك: لأن تلك التعاليم هي من سمات الحضارة التي هي تكامل في وعي الإنسان، وفي نفسه. ومن المعلوم أن من الأبعاد الحقيقية لوعي الإنسان هو الحس الجمالي، فالإنسان المتكامل هو الذي يتحسّس ويتذوّق، وهو الذي يبحث عن الجمال ويتلذّذ به.
وفي هذا المجال يقول تبارك وتعالى: (يَا بَنِي ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لايُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف/31) . وهذه الآية تعني أن على الإنسان المسلم أن يكون متزينًا بأفضل الثياب،وأن يكون في حالة عالية من الطهر والجمال عندما يريد أن يدخل المسجد لأداء الصلاة.
وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن من المستحب في الإسلام التطيّب، لأن الطيب يمثل جانبًا من الحسّ الجمالي لدى الإنسان إلى درجة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال في حديثه المعروف: (أحب من دنياكم ثلاثًا؛ الطيب، والنساء، وقرّة عيني الصلاة) (23) . ملخّصًا جميع أبعاد الجمال النفسي والروحي في هذه الكلمة القصيرة.
من هنا يجب تنمية الحس الجمالي في أنفسنا، وفي وعينا، وأن نكون ممن قال عنهم الإمام علي عليه السلام: (إنّ اللَّه عزّوجلّ جميل يحبّ الجمال ) (24) ، وأن نعمّم الجمال على جميع جوانب حياتنا؛ فتكون بيوتنا جميلة، وكذلك الحال بالنسبة إلى مساجدنا، وثيابنا، ووجوهنا، والمدينة التي نعيش فيها... وبالتالي يجب أن يكون لدينا الحسّ الجمالي،والبحث الدائم عن الجمال، لأننا عندما نزرع الجمال في كلّ بقعة من بقاع بيوتنا أو مدينتنا، فإنّ قلوبنا - أيضًا - ستكون جميلة، وحينئذ سنعرف معنى الصدق والوفاء وحبّ الآخرين، لانّ قلوبنا ستتألق - في هذه الحالة - بالجمال، فقد تربّت ونمت، وتكاملت من قبل بالجمال.
جمال الكلمة والتعبير
والجمال قد يتجسّد في جانب آخر غير الطهر والنظافة، هو جانب الكلمة. فعندما تجد أمامك مجموعة من المفردات،فحاول أن تبحث عن أفضلها، وأروعها، وأكثرها تأثيرًا من الناحية الجماليّة في الطرف الآخر، وأن تحترز من اختيارالكلمات النابية الثقيلة على السمع، بل عليك أن تختار الكلمات الجميلة الحسنة الوقع على الآذان والنفوس، كما يقول عزّمن قائل: (وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ) (الإسراء/53) . أي إنّ على الإنسان أن يبحث دومًا عن الأحسن لا الأفضل، فحتّى لو كانت هناك كلمتان أحدهما حسنة والأخرى أحسن، فإنّ علينا أن نختار الثانية على الأولى.
إنّ هذا الإحساس الجمالي ينمّي في ذاتنا روح الجمال؛ فالكلمة الطيّبة والخلق الحسن هما انعكاس لجمال الروح، وجمال الروح يفرزه الجمال الظاهري. فعندما يكون الإنسان في جو مشبع بالطهارة والنظافة والجمال، فإن روحه ستكون أيضًاجميلة، كما إن أخلاقه التي هي انعكاس لروحه التي تكون هي الأخرى ذات أخلاق جذابة وجميلة، ولذلك يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: (اطلبوا الخير عند حسان الوجوه ) (25) لأن ذوي الوجوه الحسنة هم - عادة- أبناء النعمةوالجمال، وبناء على ذلك، فإن الخير منهم مأمول، والشر مأمون.
القرآن آية الجمال الكبرى
وفي الآيات القرآنية هناك الكثير من المفردات والأساليب الجمالية، التي لا أريد أن أتوسّع فيها كثيرًا، ولكنني اكتفي بالإشارة إلى أن البيان القرآني مبني أساسًا على جمال التعبير، والتصوير إلى درجة أنه يقع في أعلى مستويات الحسن والجمال. وهذه الظاهرة دليل على أننا كجيل قرآني، وكأناس نتبع القرآن يجب أن نختار في أحاديثنا مثل تلك الكلمات والتعابير الرائعة والجذابة التي من شأنها أن تزيد الطرف الآخر بهاءً وإشراقًا، بل أكاد أن أقول: إن المفترض فينا أن نحاول تعويد ألسنتنا على الطريقة الجميلة في أداء الألفاظ.
فإذا كان الواحد منا ذا أدب رفيع، ومستعملًا للكلمات الجميلة الطيبة، حارصًا على أن يختارها اختيارًا سواء في بيته أومع الذين يتعامل معهم في المجتمع، فإنه سرعان ما سيتعود على تلك الأساليب والتعبيرات الجميلة حتى تكون منسجمةمع عاداته وسلوكياته. وكذلك الحال عندما يريد الواحد منّا أن يؤلف كتابًا، فإن هذا الكتاب سوف يعكس هو الآخرروحه الجمالية، والأدب الرفيع الذي يتحلى به.
أما إذا أراد الإنسان أن يقسّم ويوّزع شخصيته؛ كأن يتكلم فوق المنبر بطريقة، وحين الكتابة بطريقة أخرى، ويتكلم مع أهله بأسلوب، ومع أصدقائه وزملائه بأسلوب آخر، فإن كلامه سوف يتحول إلى تكلّف وتعسّف حتى في التعبيروفي كيفية أداء الألفاظ.
وبكلمة؛ لكي نتمتع بحضارة سامية، لا بد لنا من أن نتحلى بالحس الجمالي في كل مجالات؛ الشخصية والاجتماعية.
الحضارة وفن الحياة
لا ريب في أن الجزء الأكبر من آيات الذكر الحكيم ينير بصيرة الإنسان ويعلّمه فنّ الحياة، ولكنّ هناك حقائق كبرى ينحسر عادة عنها وعي الناس العادييّن، وإنما يرتفع إلى وعيها أولئك الرجال الذين تسامى علمهم، وتعالت روحهم وإرادتهم.
ومما لا شك فيه أن استيعاب هذه الحقائق الكبرى هو الذي يمنح الإنسان القدرة على التعامل مع الطبيعة تعاملًا سليمًا،وتسخير ما في الكون من أجل مصلحته ومصلحة سائر أبناء البشر.
الطريق الخاطئ مشكلة الإنسان
وكثيرًا ما يسلك الإنسان طريقًا خاطئًا، ولكننا نراه دائمًا يفتش عن أفضل السبل لقطع المسافات، ولكن ماذا ينفعه هذاالتفتيش والاجتهاد إذا كان طريقه لا يوصل إلى هدف؟ فالإنسان إنما يستطيع الاستفادة من تعبيد الطريق، ومن البحث عن الوسيلة المناسبة للسير فيه إذا كان هذا الطريق سليمًا مؤدّيًا إلى هدفه.
إن غالبيّة الناس مثلهم كمثل الإنسان الذي تراه يفتش عن أصغر الأمور، وأدقها ليدقق فيها موظفًا ما يتمتع به من وعي وعقل وذكاء، ولكنه لا يكلّف نفسه عناء اكتشاف هل أن الطريق الذي يسير فيه مغلوط أساسًا أم لا؟
إن هذه الظاهرة تمثل إحدى المشاكل الكبرى التي يعاني منها الإنسان في حضارته؛ فهو يهتم بالحقائق الجزئية الصغيرةدون الاهتمام بالحقائق الكبرى.
والقرآن الكريم يحدثنا عن هذه الحقائق الكبرى التي لو عرفها الإنسان لنجح في حياته، ومن هذه الحقائق حقيقةالصراع الأبدي بين أهل الحق والباطل، ولكننا للأسف الشديد وعلى الرغم من قراءتنا المتكررة للقرآن لم نستطع أن نعي أن هناك صراعًا أبديًا بين أهل الحق وأهل الباطل، وأن العاقبة ستكون للمتقين.
إن هذه الحقيقة البسيطة يطرحها القرآن الكريم المرّة بعد الأخرى.
بين الدين والحضارة