ومراعاة اختلاف الأعمار الحضارية ، لازمة منهجية في مجال التغيير الاجتماعي ، وقد أشار إليها ابن خلدون بذكاء في قوله: (اعلم أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة ، وحالات متجددة ، ويكتسب القائمون بها في كل طور ، خلقًا ، من أحوال ذلك الطور ، لا يكون مثله في الطور الآخر ، لأن الخلق تابع لمزاج الحال الذي هو فيه) . وابن خلدون هنا ، يوضح قاعدة مهمة في مستوى الدولة ، يمكننا أن نعممها لتصبح حاكمة للسلوك الحضاري ، وهذا ما أكده مالك بن نبي رحمه الله ، بقوة في قوله: (وعليه فلا يجوز لأحد وضع الحلول والمناهج ، مغفلًا مكانة أمته ، بل عليه أن تنسجم أفكاره ، وعواطفه ، وأقواله ، وخطواته ، مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته .. أما أن يستورد حلولًا من الشرق أوالغرب ، فإن ذلك تضييعًا للجهد ، ومضاعفة للداء . إذ كل تقليد في هذا الميدان ، جهل وانتحار .. وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية ، ناتجة عن فكرة معينة ، تؤرخ ميلادها عمليات التطور الاجتماعي ، في حدود الدورة الحضارية التي ندرسها .. فالفرق شاسع بين مشاكل ندرسها ، في إطار الدورة الزمنية الغربية ، ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية) .
ونفس الموقف نجده عند المفكر السيلاني المسلم البروفيسور عبد المجيد مكين ، الذي يرى أنه: (في ظل الطرح الإسلامي ، يبدو لنا معيار الوحي ، هو المدخل الوحيد لدراسة مشكلات وقضايا الفكر الإسلامي ، إذ لا تجدي الطريقة العلمية الحديثة شيئًا ، في استكناه خبايا الظواهر الإسلامية ، ومغازيها الحقيقية ، وأبعادها الجوهرية ، التي لا يمكن فهمها إلا في ضوء معيار الوحي . فالظواهر الإسلامية لا يمكن إدراكها بمعزل عن منهاج الوحي ، وسياقه الذاتي . فالطريقة العلمية الحديثة تبقى دومًا مفتقرة إلى عنصر أساسي ، هو مخ البحث وروحه ، وهو من هبات معيار الوحي للباحث المسلم ، حيث لن يجد هذا العقل ذاته ، ووعيه ، إلا ضمن هذا الإطار) .
فعندما أؤكد على هذه القضية ، فتأكيدي لا ينفي التعامل مع المناهج الاجتماعية السائدة في الحقل التغييري ، وإنما يتطلب الأمر دائمًا أن نستعمل إمكاناتنا العقلية ، ومنهجيتنا الذاتية كيما نتجاوز بعض المراحل الخطيرة .. والمنعطف الحضاري الراهن ، الذي نعيشه ، منعطف من المنعطفات ، التي تحتاج إلى تجاوز أصيل ، لأننا نعيش في مرحلة التأسيس لعمل نهضوي جديد ، سوف يثمر في مستقبل الأمة ، وسترى الأجيال اللاحقة عمل أجدادها الذي قاموا فأعلنوا ضرورة العودة إلى مصدر الطاقة الخلاقة ، الذي أشع من قبل على الإنسانية ، عندما فتح لها طريق التفكير العلمي ، الذي يخضع لقواعد منهجية ومعيارية أخلاقية ، قصد بها الشارع الحكيم تحقيق مقاصد الخلق في الدارين.
التغيير الحضاري في ضوء وعي المنهج النبوي
إذًا لابد لناأن نبحث عن معيار آخر ، نعرف في ضوئه التغيير الحضاري ، ونحدد مضامينه . ولا يمكن ابتداء أن نعثر على هذا المعيار إلا في إطار (النظام التوحيدي) أعني في معيار الوحي الإلهي ، الذي يشتمل على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
فتحديد مضمون للتغيير الحضاري ، لابد أن يتم من خلال استقراء لمقاصد ( الوعي التغييري في المنهج النبوي ) ، وفهم عميق على المنهج التغييري الذي سلكه النبي عليه الصلاة والسلام في عملية البناء الاجتماعي الأولي ، أي في (عملية الإسلامية الحضارية الشاملة) الأولى التي حقق بها مرتبة (الأمة) للجماعة الإسلامية المؤسسة للحضارة التوحيدية.
طبيعة التغيير الإسلامي:
إننا كلما تعمقنا في فهم الأشياء ، وفق نموذج الإيمان التوحيدي ، كلما أحسسنا بضخامة مسؤوليتنا أمام الله، ثم أمام أنفسنا ، وأمام التاريخ ، وأدركنا خطورة واجباتنا أمام الواقع الإنساني المعضل ، وخاصة في مراحله الراهنة ، وأطواره المتوقعة . فموقفنا الحضاري اليوم مازال غامضًا ، وبشكل ملح في ميدان قدرتنا على وعي مناهج التعامل مع خطاب الله تبارك وتعالى ، وفقه ضرورات استيعابه العملية ، أي على المستوى الاجتماعي كمشروع حضاري . وسوف لن يتحقق لنا وعي رسالي اجتماعي ، إذا لم ندرك موقفنا الجماعي (كأمة) إزاء موضوع وجودنا الحقيقي في هذا العالم الأرضي . أعني موضوع (الاستخلاف) وتبعاته على صعيد العبودية والعمران . وهذا الأمر لن يتم لنا على الوجه المرغوب ، إذا لم نفهم موجبات تحصيل (التغيير الاجتماعي) في واقع أمتنا المتردي . فالتغيير اليوم من متطلبات استمرارية الأمة ، ومن شروط استعادتها لهيبتها الحضارية ، وتمكينها للناس ، كيما يسترجعوا ما فقدوا من فطرتهم الخيرة. والحديث عن التغيير هنا لا ينسحب إلى ما رسخه العقل الغربي منذ أربعة قرون ، القرون التي ولدت فوضى العالم الغربي المنهجية والثقافية الراهنة ، ولكن التغيير المنشود هنا هو ذلك الجهد الإنساني ، الذي يتيح للناس فرصة توفير موجبات (الوراثة الحضارية) ويعينهم على السير السنني في الكون . فهو تغيير عالمي ، علمي ، عملي ، سيتجه بالإنسانية من (العهد الحضاري) إلى (الطور الاستخلافي) الذي سيعبر عن الفعالية الكونية للتوحيد من الوجهة الاجتماعية ، ويفسر المشروع الحضاري للإسلام من الوجهتين النفسية والثقافية ، كما سيعلن عن إفلاس المنطق البشري الخاضع لسلطان المستكبرين ، ويخلصه من نزعة: (أتعبدون ما تنحتون) ويمده بالقدرة على فهم قيمة (اقرأ باسم ربك ) إذ بين القراءة باسم ما ينحتون ، والقراءة باسم ربك ، فرق كالفرق الموجود بين الكفر والإيمان ، والباطل والحق.
المنهج النبوي كمركب حضاري مشكلة توجيه العملية التغييرية:
فرغنا فيما سبق ، من الحديث عن بعض الأفكار المتعلقة بالجانب النظري لعملية التغيير ، في ضوء المنهج النبوي ، وبقى لنا في هذا الفصل أن نقدم تفسيرًا نفسيًا ثقافيًا ، واجتماعيًا تربويًا ، لدور المنهج النبوي في تركيب حضارة ، وتوليد أمة في التاريخ هي (الأمة الإسلامية) .
ففي كل عمل تغييري ، أو توليدي لثقافة حضارية ، لابد من فلسفة تغييرية أو (توليدية) تقوم بتركيب عناصر الاجتماع البشري ، لتنتج منها وحدة تاريخية تمثل في جوهرها (المجتمع الوليد) ، الذي سيسعى إلى تحقيق رسالة جماعة من الناس ، في ظرف زمني معين ، استجابة لمذهبية كونية معينة ، وبوسائل معينة ، ولغاية معينة.
مشكلة توجيه العملية التغييرية: