فهرس الكتاب

الصفحة 1818 من 1942

فهذا الكتاب الذي نقدمه، يعتبر محاولة على قدر من الأهمية في تبيان دور القرآن في تحقيق النقلة الحضارية والثقافية، وإثارة وعي المسلمين بالبعد التاريخي ودوره في التشكيل الثقافي، وتحقيق العبرة، وإخراج العرب من النظرة الدهرية، وتنمية حسهم بالزمن كوعاء للفعل الحضاري، وما قدمه القرآن من منهج في تفسير التاريخ أو فلسفة التاريخ، وأثر منهج القرآن والحديث في التدوين والتحقيق التاريخي، ومحاولة تقديم مسح لملامح المكتبة التاريخية الإسلامية بتنوعاتها وخصائصها المتعددة، والجهود العلمية المتميزة وخصائصها في هذا المجال.

ذلك أن التاريخ هو وعاء الفعل الحضاري، وميدان تنزيل القيم على الواقع، وذاكرة الأمة ومحل تجربتها وعبرتها، وهو مخزون غني يورثه الآباء للأبناء والأحفاد، ونهر متدفق يتجه من الماضي، ويمر بالحاضر، ويصب بالمستقبل، لذلك لا غنى عنه لكل العاملين في مجال الثقافة والتربية والتعليم والإعلام، ولكل رواد الإصلاح لعالم الغد.

والله المستعان.

المقدمة

قد يكون من المناسب أن نعطي فكرة عن مدلولات هذا المصطلح: (المنظور الحضاري في التدوين التاريخي عند العرب، حتى عصر ابن خلدون) ، كي نتجنب ما يمكن أن نقع فيه من الالتباس خلال معالجتنا لموضوع البحث.

ونود أن نشير في البداية أننا لسنا مبتدعين لهذا المصطلح، فقد أخذ يظهر في الكتابات المعاصرة وبأقلام أكاديميين متخصصين (1) .

على أن ذلك لم يكف، فعدنا إلى بعض المعاجم العربية، لعل فيها ما يفيدنا في تحديد مصطلح المنظور، فوجدنا أن (المنظور) كلمة عربية، واشتقاقها من الفعل (نظر) .. و (النظر) و (النظران) ، تأمل الشيء بالعين (2) .. ورجل منظور: .. معين .. وسيد منظور: يرجى فضله وترمقه الأبصار (3) .

ومن هنا يظهر أن كلمة (منظور) هي كلمة عربية، إلا أن معانيها لا تطابق الاستخدامات التي وظفت لها في الكتابات المعاصرة.

لقد وجدنا أن كلمة المنظور في الإنكليزية، جاءت بمعنى:"مظهر الموضوع كما يتبدى للعقل من زاوية تاريخية معينة. أو هو: القدرة على رؤية الأشياء وفقا لعلاقاتها الصحيحة وأهميتها النسبية" (4) .. والمفهوم الأخير للمنظور كما يبدو، هو الذي أخذت به الكتابات المعاصرة، مما جعلنا نأخذ به في معالجة موضوعنا هذا.

فعندما نقول: منظور المسعودي في كتابه:"مروج الذهب ومعادن الجوهر"، فإننا نقصد بذلك ما رآه المسعودي ضروريا وحيويا من المعلومات التاريخية فدونها على صفحات كتابه.

أما الحضارة، فاشتقاقها في العربية من الفعل (ح ض ر) ، و (الحضر) خلاف البدو، و (الحاضر) ضد (البادي) ، و (الحاضرة) ضد (البادية) ، وهي المدن والقرى والريف، والبادية ضدها (5) .

فالحاضرة هي المدينة أو القرية، وهي نقيض البادية . ويقال: فلان حضري، وفلان بدوي، فالحضارة هي الإقامة في الحضر (6) .

على أن الحضارة قد تعدت هذا التخصيص المعجمي الضيق (حضري ضد بدوي) ، أو (حاضرة ضد بادية) ، فاتسعت مدلولاتها لدى الباحثين المعاصرين، رغم عدم اتفاقهم على إعطاء تعريف موحد لها، لا في اللغة العربية ولا في اللغات الأوروبية المختلفة (7) .

وقد وجدنا أن أقرب هذه التعاريف وأقلها التباسا، ذلك الذي يعتبر الحضارة (هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماهير على السواء) (8) .

وعلى ضوء هذا، يكون المنظور الحضاري للمؤرخ: هو ما يراه جديرا بالتسجيل أو التدوين من المعلومات، التي تتصل بالجوانب الحضارية أو ذات المنحى الحضاري، سواء كانت روحية أو ثقافية أو اجتماعية، أو اقتصادية أو عمرانية.

كذلك فقد وردت مصطلحات: (الحس التاريخي) ، و (الوعي التاريخي) ، و (الأمة) ، في صفحات هذا الكتاب، أرتأينا من المناسب تحديدها وضبطها قدر الإمكان، بما ييسر تقنين مضامينها حينما وردت في مظان البحث.

(فالحس) والحسيس، هو الصوت الخفي . قال تعالى:"لا يسمعون حسيسها" (الأنبياء: 102) ، وأحس الشيء وجد حسه .. وأحس معناه: ظن ووجد (9) .

فالحس التاريخي، كما استخدمناه في هذا البحث، هو إحساس جماعة أو أمة بقيمة الزمن، ولو بشكل نسبي، دون أن يترتب على ذلك أية ممارسة متقدمة في مجال المعرفة التاريخية أو التدوين التاريخي المنظم، القائم على ربط الأسباب بمسبباتها، وربط الحوادث في إطار علاقاتها الزمانية والمكانية.

أما الوعي التاريخي: فإن الوعي جاء من الحفظ، (وعى) الحديث يعيه (وعيا) حفظه .. وأذن (واعية) .."والله أعلم بما يوعون" (الانشقاق: 23) . أي يضمرون في قلوبهم من التكذيب (10) .

فالوعي هو الحفظ والإدراك، ولذا فإن الوعي التاريخي حالة متقدمة في مجال المعرفة التاريخية وامتلاك القدرة على ممارسة التدوين التاريخي فالوعي التاريخي هو حالة أكثر تقدما من الحس التاريخي لجماعة أو أمة من الأمم .. ونرى أن الكتابة التاريخية لا تتحقق قبل تحقق الوعي التاريخي عندأمة أو جماعة.

أما الأمة: فهي الجماعة .. والأمة الطريقة والدين .. يقال: فلان لا أمة له، أي لا دين له ولا نحلة .. وقوله تعالى:"كنتم خير أمة أخرجت للناس" (آل عمران: 110) ، يريد أهل أمة، أي كنتم خير أهل دين (11) .

فالأمة هي الجماعة، بصفة الإطلاق، تتميز على غيرها من الجماعات .. وفي العصور الإسلامية تميزت على غيرها بدينها، فصارت الأمة في نظر العربي المسلم جميع الناس الذين يعتنقون الإسلام، فكان يرتحل من أقصى الشرق -في نظر العربي- من خراسان إلى العراق ومكة والمدينة، ويتجه إلى مصر والمغرب دون أن يحس بالوحشة والاغتراب .. وقد بقي هذا الشعور عند العرب والمسلمين حتى بعد ضعف الخلافة العباسية وقيام إمارات ودويلات سياسية مختلفة، إذ ظل الشعور بحقيقة الأمة الواحدة يسيطر على كيان العربي المسلم في تلك العصور.

كان اختياري لهذا الموضوع، قد جاء نتيجة لما يحيط بالدراسات التاريخية المعاصرة من توجهات هدفها دراسة الماضي البشري من وجهة نظر حضارية، أو بعبارة أكثر تحديدا دراسة التاريخ، وتفسير حوادثه على أساس حضاري.

لقد بدأ المنظور السياسي في التفسير التاريخي يتنحى عن مكانته إلى حد ما، تاركا المجال مفتوحا للنظرة الحضارية الجديدة وتفاسيرها التي بدت أقرب إلى الحقائق من التفاسير السياسية.

لقد شهد القرن الثامن عشر الميلادي، ميلاد هذه التوجهات الجديدة في أوربا، فقد وجد بعض الدارسين الأوربيين، أن التاريخ الأوربي في العصور الوسطى، لا يعدو أن يكون تواريخ لملوك أوربا وحروبهم ومنازعاتهم وتحالفاتهم ومعاهداتهم.

فلم يكن التاريخ الأوربي، استنادا إلى هذه المعطيات، ليؤرخ للأمة في مسيرتها الثقافية والاجتماعية والعلمية، وإنما أصبح التاريخ وكأنه قد وضع لتغطية أعمال الملوك فحسب، ولا تتعدى مهمته أبعد من ذلك .. وهكذا بدأت بعض الصيحات في أوربا في القرن الثامن عشر، تدعو إلى لفت الانتباه إلى المعطيات الحقيقية التي تستحق من المؤرخ الدراسة والبحث، وهي الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفنية، وعدم الاقتصار على دراسة النواحي السياسية .. إذ أن الأخبار السياسية وأخبار الحروب في نظر أصحاب هذا الرأي، لا تفصح عن العقل الإنساني خلال العصور، يقول فولتير:

"ولكني بعد قراءة وصف ما بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف معركة، وبضع مئات من المعاهدات، لم أجد نفسي أكثر حكمة مما كنت قبلها، حيث لم أتعرف إلا على مجرد حوادث لا تستحق عناء المعرفة" (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت