وهنا قضية قد يكون من الأهمية بمكان معاودة التأكيد عليها، وهي أن التاريخ الإسلامي ليس هو الإسلام، ذلك أن الإسلام هو ما ورد في الكتاب والسنة والسيرة العملية، وإنما هو فعل بشري يجري عليه الخطأ والصواب، وتتعرض الأمة في مسيرتها التاريخية لحالات من السقوط والنهوض، والنصر والهزيمة، والصواب والخطأ، أو هو اجتهاد بشري في تنزيل القيم الإسلامية من الكتاب والسنة على واقع الناس، وهذا الاجتهاد أو التنزيل قد يصيب وقد يخطئ، وصوابه لعصر معين لا يعني بالضرورة صوابه لكل العصور، على تبدلها وتغيرها، ولا عصمة لفعل البشر الذي يشكل التاريخ.
لذلك يمكن القول: بأن التاريخ الإسلامي ليس مصدرا للتشريع، وإن كان مصدرا للعبرة والعظة والمعرفة، واكتشاف السنن، والتعرف على قوانين الحركة التاريخية، للإفادة من التجارب، وتحقيق الوقاية الحضارية، وقد حدد القرآن ذلك بقوله: (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) (آل عمران: 137 -138) .
إنه الاهتداء إلى قوانين الاجتماع البشري، وأخذ العبرة مما أصاب الأمم السابقة، بما فيهم الأمة المسلمة، من خطأ وصواب، وسقوط ونهوض، وزيادة ونقصان في أقدار التدين، حتى لا تنتقل علل التدين والإصابات الحضارية إلينا، بما يمكن أن نسميه: تحقيق الوقاية الحضارية من السقوط، أو التقوى بالمصطلح القرآني .. وما يلحق الأمة من إصابات لا يتعارض مع الاعتزاز بالتاريخ، والتأكيد على أهمية الثقافة التاريخية في مجال التربية والتشكيل الثقافي، لأن اكتشاف الخطأ لا يقل أهمية في العملية التربوية عن إدراك الصواب، إلى درجة يمكن القول معها: إن التاريخ هو أبو العلوم الاجتماعية والإنسانية والتربوية -كما أسلفنا- لكن الانحياز الأعمى للتاريخ بكل ما فيه، يعطل الإفادة منه، ويحجزه عن عطاء الأجيال، وتربية ملكة النقد والتفكير عندها، وبذلك يتحول التاريخ إلى نموذج لتكريس التلقين، والإبقاء على حالة الركود والاستنقاع الحضاري، والاستمرار في تحكم عقدة الافتخار في الماضي، لتعويض السقوط والتخلف في الحاضر.
ومن هنا نقول: إن التاريخ الإسلامي بهذا الاعتبار الذي أشرنا إليه، غير السيرة النبوية، وإن كانت جزءا منه أو حلقة فيه من الناحية الزمانية، إلا أن السيرة تتميز عنه بأنها معصومة بتأييد الوحي وتسديده، وهي خالدة في عطائها، مجردة عن حدود الزمان والمكان، وهي أنموذج للاقتداء والتلقي، وبذلك فهي مصدر للتشريع أو للفقه العملي التطبيقي، وبهذا تفترق عن التاريخ من بعض الوجوه، ولا أبين في ذلك من قولة الإمام مالك رحمه الله: كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد، ويؤخذ من فعله واجتهاده ويرد، إلا صاحب هذا القبر عليه الصلاة والسلام.
ولعل من الخطورة بمكان أن تجعل السيرة من التاريخ الماضي، وأن يجعل التاريخ في منزلة السيرة، ومع شديد الأسف نجد أن الدراسات التاريخية، حتى في المناهج المدرسية والكتب التربوية، في الأدب واللغة والسياسة، تقوم في معظمها على هذا الاعتبار، فتاريخ صدر الإسلام يعني السيرة والخلافة الراشدة، وبعده التاريخ الأموي أو العصر الأموي، وبعده العصر العباسي وهكذا، دون التمييز بين التاريخ والسيرة، وما تمتاز به هذه الفترة من الخلود والأنموذجية، والفقه الميداني لتنزيل القيم الإسلامية على واقع الناس.
ولعلنا نقول: إن وجود أخطاء واجتهادات متنوعة ومتعددة حتى في مرحلة القدوة، هو من لوازم الطبيعة البشرية، وحتى تتحقق عملية الاقتداء والتعامل مع كل الحالات المتوقعة على الزمن، لأن مجتمع الصحابة الأنموذج والمثال مجتمع بشري، وليس مجتمع ملائكة، ولو كانوا ملائكة مسيرين بلا أخطاء، ما كانوا مؤهلين لإثارة الاقتداء.
لكن الفرق واضح بين فترة السيرة وما تلاها من تاريخ، لأن الخطأ الواقع ناله التصويب من الوحي، فما وقع في هذه الفترة إما صواب أقره الوحي بسكوته عنه، وإما خطأ صوبه لذلك فكل ما وردنا عن هذه الفترة هو صواب إذا توفرت له شروط النقل، وإلا كيف يمكن أن يكون قدوة للناس إذا لم يكن صوابا؟
وهنا قضية تجدر الإشارة إليها: وهي أنه على الرغم مما يقال عن المسلمين بأنهم ماضويون أو تاريخيون، وعلى الرغم من أهمية علم التاريخ في تحقيق الوعي بحركة الأمة ومكوناتها، ودور التاريخ في فهم الحاضر والتحضير للمستقبل، والتبصر بوسائل النهوض والتغيير لواقعها، فإن علم التاريخ بأبعاده المطلوبة لم يأخذ المدى المطلوب من تخصصاتنا ودراساتنا المنهجية .. والذين يدعون منا إدراك فلسفة التاريخ، هم نقلة يملؤون أوعيتهم الذهنية من إنتاج الآخرين، أما باقي المسلمين فهم يقتصرون على قراءة التاريخ الذي يكتب لهم، ويعجزون عن صناعته .. إنهم يقرأون تاريخهم بأبجديات وتقسيمات غيرهم.
وقد تكون المشكلة أن التاريخ في هذه الحالة، بدل أن يكون عامل نهوض وتغيير، يصبح سبيل ركود وتمزيق لنسيج الأمة الثقافي والاجتماعي.
لأن المشكلة تبقى دائما، وخاصة في دراسة التاريخ، بين الذات والموضوع بين الدراسة المنهجية والعصبية المذهبية، أو التركيز على جانب واحد في صناعة التاريخ وقراءته .. فالتاريخ دائما لا يكتب من الخارج، ولا يقرأ من الخارج.
لقد أصبح التوجه صوب التاريخ والتعامل معه كمعطى ثقافي، أو كمورد من أهم موارد التشكيل الثقافي، من الأهمية بمكان، لأنه يعتبر إلى حد بعيد من ضرورات الخصوصية الثقافية، وعلى الأخص في عصر العولمة، ومحاولات طمس الهوية وتذويب الخصوصيات، وفرض ثقافة وتاريخ الغالب باسم التطبيع أو نهاية التاريخ والنزوع إلى العالمية والإنسانية.
فالتاريخ هو ذاكرة الأمة ومخزون تراثها الثقافي، ومناخ عمليات التفكير وتحديد الوجهة، وحامل قسمات شخصيتها الحضارية، وهو من أهم عوامل الارتكاز الثقافي .. وهو مفتاح لكل نهوض أو إصلاح أو تغيير، في صفحاته تقرأ الأمم والشعوب، ويكتشف دليل التعامل معها .. ومن خلال استقرائه تعرف السنن الفاعلة في الحياة، والقوانين التي تحكم الفعل التاريخي، وتحقق العبرة التي تختزل لنا التجربة، وتطوي مسافة الزمان والمكان، وتمد أعمارنا إلى الماضي البعيد، وتوجه أبصارنا إلى أفق المستقبل وعالم الغد المديد، وتمنحنا الحكمة، وتزكي عقولنا، وتنمي معارفنا، وتمنحنا القدرة على الموازنة والمقارنة والفهم والتحليل والتعليل، وتحرضنا على التفكير في أسباب السقوط والنهوض، لذلك اعتبر القرآن التاريخ -كما أسلفنا- مصدرا للمعرفة، ودعا إلى السير في الأرض لاستيعابه، واستنكر الركود والاستنقاع وعدم الاكتشاف الحضاري، فقال: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) (الروم: 9) .
وحسبنا أن نقول: بأن الكثير من الموحى به، من أنباء الغيب، كان تاريخا، ومع ذلك فالمسلم اليوم يكاد يعيش خارج التاريخ وخارج الحاضر، الأمر الذي سوف يؤدي إلى إخراجه من المستقبل أيضا، لأن تاريخا ينتقى منه ويقرأ ويفسر لنا بأبجديات تصب في تحقيق أهداف أصحابها، يعني أن حاضرنا يصنع من غيرنا، ومستقبلنا -إذا كانت هذه هي مقدماته- فالله أعلم به .. لذلك فالمؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية مدعوة جميعا إلى إدراك أهمية التاريخ، وموقعه من تشكيل الأمة الثقافي، والتفكير بكيفية تصويب الحال، وكيفية إحياء هذا الفرض الكفائي أو هذا الفرض الحضاري، بعيدا عن الضجيج والصخب، والخطب والحماس، وضرب الطبول، وارتفاع الأصوات، وسماكة الحناجر، والإثارة التي لا تؤدي إلا إلى الإحباط والحسرة.
وبعد: