فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 1942

وفي الإيمان بعد ذلك قوة لا توجد في أي شيء آخر، ذلك لأنه يقوم بتوجيه رشيد من داخل الذات ويجعل فيه ما يراقبه ويوجه خلجات النفس وانحرافاتها الداخلية. وأخيرا المؤمن يعيش مع الله الخالق القدير الذي يقول ( يا ابن آدم ! أنا أقول للشيئ كن فيكون ، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون.) (1) .. فما أعظمه مقاما. والآن دعنا نسأل: أليس من الأفضل أن نكون مؤمنين حقا وأن نغرس في قلوب الآخرين بذور الإيمان؟ ماذا يضرنا لو آمنا بربنا الذي يدعونا إليه ويهب لنا فلاح الدنيا والآخرة، ويوفقنا للخيرات ويعصمنا من السيئات ويستجيب لنا الدعوات؟ فلنؤمن بالله ولنزدد إيمانا.

الرسالة والرسول

قبل كل شيء لابد لنا من تحديد هذين اللفظين لتتبين بعض الأخطاء التي وقعت في تفسيرهما.

الرسالة تعني:

توجيه الله غيبيا لشؤون الإنسان الفكرية والعملية.

الرسول هو:

الوسيط بين الله والناس في نقل هذا التوجيه. فالرسالة من الله، والرسول من البشر. الرسالة وحي يوحى، والرسول صاحب هذا الوحي. الرسالة أمر مخالف لسنن الحياة، انها أمر جديد في مسيرة الكون، والرسول خليفة الله ليس بطبيعته ولا بمؤهلاته وانما لأن الله قد شاء ذلك، فجعل الرسول خليفة من لدنه جعلا. ان عملية (الجعل هذه ترتبط) بالغيب وليست عملية نمو طبيعية كما ينمو الطفل فيصبح يافعا واليافع شابا أو كما يصبح المفكر مصلحا والعالم مكتشفا.

ان الرسول رجل مختار من قبل الله ومبعوث عنه كما تبعث الدولة سفيرا إلى دولة أخرى وتعتمده عندها.. فالعملية بحاجة إلى اعتماد ولا تكون بتدرج ذاتي. هكذا يحدد الله سبحانه واقع الرسالة وواقع الرسول ويقول: [إِلاَّ بَلاَغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ] (الجن 23) و [إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى الْنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي] ( الاعراف 144) و [يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ] (ص26) . ففي هذه الآيات كما في مئات الآيات الأخرى، تقرير لحقيقتين:

1-ان لله رسالة تنسب إليه وتضاف الى إسمه، انها رسالة الله وكلامه. ورغم ان كل شيء هو من الله ، فإن للرسالة اضافة خاصة إليه نابعة من ان الرسالة انما هي خرق لسنة الله سبحانه في خلق الأشياء عن طريق ، أسبابها فهي موهوبة للإنسان بطريق مباشر بينما أوجد الله سبحانه سائر الأشياء بطريق الأسباب الظاهرة. إذًا فالرسالة آتية بطريق غيبي لا بطريق عادي.

2-ان الله -حينما ينزل رسالة- يحملها رجلا مصطفى من عباده عن علم واختيار. فالرجل الموحى إليه ليس بشيء لولا الوحي. ومن هنا يأتي الاختلاف بينه وبين العباقرة والنوابغ الذين ترتفع بهم العظمة الشخصية إلى قمم الحياة دون ان يكون للغيب أي تأثير في عظمتهم.

هكذا يحدد الله واقع الرسالة وهكذا يدعي الرسل أنفسهم. ولكن الماديين الذين يبغون الحقائق عوجا، يخترعون لكلمة الرسول والرسالة معنى جديدا ، ويقولون: انما الرسول إنسان عبقري يتمتع بمواهب وافرة ترفعه مكانا محمودا عند الناس، شأنه شأن الألوف من العباقرة في التاريخ، ولا فرق إذًا بينه وبين أي عظيم آخر. فالعظماء كلهم من فصيلة واحدة ويجب ان ينظر اليهم بالإجلال دون أي اعتبار لإتجاهاتهم الفكرية ، أهي مستقيمة ام منحرفة، ولا ملاحظة لأعمالهم أهي صالحة ام مضرة، ولا تقييم لمنجزاتهم أهي مفيدة للإنسانية ام لا ، ذلك لأن كلا منهم يملك موهبة تميزه عن سائر الناس وتجعلنا نقدره بها تقديرا. و يقولون: إن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لا يختلف شيئا عن أبي سفيان. كما ان عليا (ع) خليفة محمد صلى الله عليه وسلم لا يفترق عن معاوية ابن أبي سفيان. اما ابراهيم وموسى وعيسى والنبيين (ع) فليسوا إلاّ نظراء أديسن وروسو وماركس.. لأولئك مواهب ولهؤلاء مواهب، فهم جميعا رسل الله إلى البشرية وليست الرسالة سوى انجاز تلك المواهب سواء كانت في طريق مشروع ام غير مشروع، يحبها الله ام يبغضها.

ويزعمون: إن كل كاتب وشاعر ومفكر فهو رسول من عند الله، أبى الله ام رضي، ولكل منهم رسالة أحب الله ذلك ام كره.

والواقع ان الذي يعتقد بالرسول عبقريا ـ فقط ـ وبالرسالة موهبة فحسب ليس بمعتقد بالرسالة أبدا. ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرح انه مبعوث من قبل الله سبحانه وانه عبد كسائر العباد، وانه يتخذ كل اعتباره وقيمته من الوحي ويقول [قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ] (الكهف 110) .. واما القرآن فيقول في صفة الرسول [وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بإِذْنِ اللّهِ] (النساء64) .. [يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ] (ص26) .. في الآية الأولى يؤكد الله سبحانه ان الرسول يطاع بإذن الله لا بما فيه من موهبة ونبوغ. وفي الآية الثانية يصرح القرآن ان الله قد جعل داود خليفة في الأرض جعلا.

وعلى هذه الحقيقة يبني الدين كل بنائه، فالرسول مبعوث من قبل الله ، و حكمه حكم ربه [وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] (النجم3-4) .. وليس الرسول حالا في الله سبحانه انما هو رجل يوحى إليه من ربه، ولا الله تعالى قد ولده ولا هو منطو على جزء من الالوهية ـ كما زعمته الفلسفات الجاهلية والأديان المتأثرة بها ـ ذلك لأن اعتباره لم يكن نابعا من ذاته حتى يكون دليلا على الوهيته ـ كما زعموا ـ بل لو تجرد عن الوحي عاد بشرا مثل سائر البشر.

ولهذا ينسف الإسلام كل مزاعم اليهود والنصارى بما ظنوا في أنبيائهم من مراتب الالوهية زعما منهم ان ما في الأنبياء من علم وحكمة وان ما تجري على أيديهم من معاجز وخوارق للعادة انما هي ناشئة من ذواتهم التي فيها نوع من النبوغ يميزهم عن سائر البشر بدرجة.

فعيسى الذي كان يحيي الموتى كان نبيا وكان إلها ـ بزعمهم ـ وعزير الذي مات ثم أحياه الله كان نبيا وكان إلها في الوقت ذاته، ذلك لأنهم لم يعرفوا واقع الرسالة فزعموا ان عيسى وعزير حين شذا عن الآخرين وعملوا أعمالا خارقة فإنما كان بسبب ما كان فيهما من الالوهية. ومثلهم في ذلك مثل الذين زعموا ان النبوة موهبة ذاتية ونبوغ شخصي للرسول، فكلاهما لم يفهم واقع النبوة فتخبطا في الظلمات خبطا. وانما الفرق بينهما أن الفلسفة القديمة كانت تعترف بأن كل من فاق البشر كان إلها دون أنصار الفلسفة الحديثة.

شبهة المنكرين

شبهة واحدة تشبث بها المنكرون كلما بُعثَ إليهم رسول أو دعوا إلى اتباع رسول. شبهة واحدة لا تختلف منذ عهد نوح وإبراهيم (ع) وإلى هذا اليوم الا في المظاهر والأشكال، فما هي تلك الشبهة؟.. قالوا كيف يمكن ان يتدخل الله سبحانه في أوضاع الأرض. أهو قادر على ذلك؟ كلا؛ إذ انه حين خلق الكون وقدر ما فيه من النظم غُلتَّ يداه -سبحانه- فلم يعد يؤثر فيه أي تأثير.

تلك هي شبهة واحدة ولكن تصاغ في قوالب شتى:

1-فمرة يقولون: [يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ] -كما قالت اليهود- ( المائدة 64) .

2-وأخرى يقولون: [أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا] ؟ كما قال الناس لرسلهم ( الاسراء 94) .

3-وتارة يقولون: أيعتني الله الكبير، خالق هذه السماوات العظيمة، بهذا البشر الحقير ـ كما قال بروفيسور ألماني ـ.

4-وأخرى يقولون: ان الله رب كبير لا شأن له بالتشريع ولهذا فالدين لله والقانون للبشر ـ كما يقول كاتب عربي ملحد ـ.

(1) - بحار الانوار، ج90 ، ص376 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت