فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 1942

ومرد هذه الشبهة إلى ان الله قد صدر منه الخلق صدورا ـ كما يصدر الماء من النبع دون ان يكون له إرادة ومشيئة في ذلك- ولهذا فهو ليس بقادر على ان يغير شيئا مما أوجده.

فالشبهة إذًا ناشئة من عدم معرفة الله سبحانه كما ينبغي أن يعرف..

اما جوابها فيتلخص في كلمة هي ان الله القادر الذي رأينا في الكون آثار قدرته البالغة لا يمكن ان يعجز عن الخلق ، ذلك أن الخلق أضعف من الخالق بصورة ذاتية والأقوى يستطيع ان يؤثر في الأضعف، وإذا ثبتت قدرة الله غير المحدودة، فإن أي اعتراض آخر حول إمكانية الوحي يغتدي تافها جدا. وقد سبق الحديث حول ذلك لدى التكلم حول الفلسفة الميكانيكية.

ويقص القرآن الحكيم نبأ هذه الشبهة التي كانت تثار حول الأنبياء ثم يجيب عنها جوابا متينا فيقول: [قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ] ( ابراهيم10-11) .

-في هاتين الآيتين معالجة شاملة لكافة القضايا الرسالية لابد ان نشير إليها إشارة خاطفة:

أ- ان الناس كانوا يشكون في الأنبياء (ع) وكان مبعث شكهم هو ان الأنبياء ـ عليهم السلام ـ انما هم بشر مثلهم وكيف يمكن ان يبعث الله بشرا رسولا؟

ب- لم ينكر الأنبياء انهم بشر، كما انكر اليهود ذلك في عزير (ع) والنصارى في المسيح (ع) بل قالوا ان نحن الا بشر مثلكم. فلسنا نوابغ أفذاذ، نملك مواهب جمة بها نسئل منكم الطاعة. ولكننا أناس لا نستحق طاعة ولا ولاء لو تجردنا عن الرسالة الموحاة إلينا من الغيب.

ج- بيد انه ليس من العجيب ان يمن الله على من يشاء من عباده بشيء يميزه عن الآخرين إذ ما دمنا عباده فهو الذي يدبر أمورنا كيف يشاء ويختار للرسالة من يشاء. نحن عباده، والعبد لابد ان يكون خاضعا لتدبير مولاه خضوعا تكوينيا شاملا فإذا كان خاضعا هذا الخضوع فليس من المستحيل ان يهب له علما وحكما ويبعثه إلى الناس رسولا مطاعا بإذنه.

د- بيد ان رسالتنا - كما يقول الرسول - لا تجعلنا فوق مستوى الناس ـ من حيث الذات ـ بل اننا لا نزال خاضعين لله ولذلك ما كان لنا ان نأتيكم بسلطان فيه نوع من السلطة عليكم الا بإذن الله ذلك لأننا وان كنا أنبياء الا اننا لا نملك شيئا من دون الله.

و- وليست لدينا أية قوة ظاهرية نعتمد عليها بل كل ما في الأمر اننا نتوكل على الله وكذلك نقول للناس (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) . فالمؤمنون انما يتقون بالله ـ سبحانه ـ لا بما لنا من قوة ذاتية.

هذه هي الرسالة في منطق القرآن وهذه هي الشبهة الوحيدة عليها وهذا هو الرد الحاسم. وسنذكر ـ ان شاء الله ـ ان هذه الرسالة تنسجم مع العقل وفيها حجة على ذاتها.

لماذا يجب ان نستمع لمدعي الرسالة؟

هناك سبب بسيط لوجوب الاستماع إلى مدعي الرسالة هو ان الرسالة ممكنة عقلا ـ كما سبق آنفا ـ وهي ضرورية عقلا ـ كما سيأتي قريبا إن شاء الله ـ فإذا ادعاها أحد وكان من الممكن أن يكون صادقا وجب على الناس الاستماع إليه والبحث عن صدقه أو كذبه لكي يشغل هذا الفراغ. ولكن إذًا ثبت بصورة جازمة انتهاء الرسالات فليس لأحد ان يستمع إلى مدعي الرسالة لأنه إذا كاذب لا ريب في كذبه. وبما ان القرآن هي الرسالة الخالدة التي انطوت على كل حاجات الإنسان، وبما ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين حسب ما ثبت بصورة جازمة، فليس لأحد ان يصغي إلى من يدعي الرسالة بل يجب عليه ان يعتقد كذبه سلفا.

ما هي وجوه الحاجة إلى الرسالة؟

هل البشر يستطيع ان يستغني عن الرسالة؟ فيما يلي الإجابة الموضوعية على ذلك:

قبل أي شيء لابد ان نعلم حقيقتين:

1-ان شواهد كبيرة في الكون تدل على ان الإنسان خلق ليعيش سعيدا.

فهذه آثار رحمة الله وعطفه وحنانه قد غمرت الحياة ، وما هيّأ للإنسان من وسائل العيش، وأسباب الرفاه، وما فطر عليه الخلق من ابتغاء السعادة بصورة دائمة. كل ذلك بعض الشواهد التي تهدي إلى حقيقة ان الهدف من خلق الإنسان هو ان يعيش سعيدا، ولكن هل السعادة تفرض على الإنسان؟ كلا.

2-أما الحقيقة الاخرى التي لابد أن نعترف بها، هي: أن الإنسان خلق حرًا مريدًا، وان الله ضمن للإنسان إستمرار حريته في الحياة الدنيا، ذلك ان الحرية تسوى عند الإنسان السعادة، وتزيد قيمة عليها.

ومن هنا نعلم ان الإنسان خلق حرا سعيدا، وأي تفضيل لسعادته على حريته، أو لحريته على سعادته انتكاس وتجريد له عن إنسانيته.

ان منطلقنا في الحديث عن ضرورة الرسالة، ينبغي أن يكون من هاتين الحقيقتين.

ولكن كيف؟

حاجة العقل إلى مذكِّر

اننا نجد في انفسنا طاقتين تتصارعان، هذه تدعونا إلى الحق والخير والسلام، وتلك تدعونا إلى الباطل والشر، ونسمي أحداهما بالعقل والثانية بالجهل.. والجهل هاوية والعقل قمة.. والناس أهون عليهم النزول من الصعود. ومن هنا كانت الحاجة ماسة إلى ابتعاث أناس منزهين ومؤيدين من قبل الله ليدعوا الناس إلى اتباع عقولهم ونبذ أهوائهم ثم يتحملوا مسؤولية هذه الدعوة الكبيرة، إذ لولا هذه الطائفة لما كان للعقل الداعي إلى الحق والخير فائدة أبدا وكان صنع الله لغوا ـ تعالى الله عن اللغو ـ لأننا نجد كل موجود يؤدي عملا مفيدا وقد خلق لهدف، وان الله قد فتح له المجال لتحقيق ذلك الهدف الذي خلقه من أجله فلا يمكن ان يكون العقل قد خلق دون أية غاية؟!.. فمن الضروري أن يبعث الله الأنبياء (ع) لكي لا يكون خلق الله لغوا.

وبكلمة موجزة؛ للناس عقول هي التي تهديهم إلى الرشاد ولكن هذه العقول لا تفيدهم الا إذا ذكرهم بها مذكر ولا بد لهذا المذكر ان يكون مسددا بالغيب، ليكون هو بنفسه متذكرا مهتديا، وهذا لا يكون الا ببعث الرسل.

وقد سبق القول عند البحث حول العقل بأن من يغفل عن عقله لابد ان يوجه من خارج ذاته إلى عقله.

جاء في الحديث عن الامام أمير المؤمنين عليه السلام: (فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويثيروا لهم دفائن العقول(1) .

فإثارة كنوز العقول ضرورة بشرية يقوم بها الأنبياء عليهم السلام.

2-ضرورة المذكر

لا يعرف الناس ربهم الا بمذكر يذكرهم به وداع يدعوهم إليه، ذلك لان طبيعة البشر الجهل والنسيان (2) فكان على الله ان يختار لهم من يدعوهم إليه حتى يعرفوه فينالوا به السعادة والفلاح (3) .

3-حاجة الإنسان إلى موجه

(1) - نهج البلاغة ، الخطبة رقم 1 .

(2) - يراجع ( دور الأنبياء في المعرفة) في فصل (الدليل الى الله) .

(3) - أنظر ( الإيمان بالله) من فصل ( الدليل الى الله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت