وقد رأينا أن نقسم هذا البحث إلى فصل تمهيدي، تليه أبواب متعددة لمحاولة توضيح فلسفة مشروع النهضة وأسسه ومنطلقاته. وصغنا هذه الأبواب على شكل مشاهد، نتحدث في كل مشهد عن الوضع الراهن ونقطة البدء لتغيير هذا الواقع وتصورنا للمشهد المستقبلي والخطوات العملية لتحقيق هذا المشهد.
تحديات واجهتنا:
لقد قمنا بتحديد الشريحة المستهدفة من هذه السلسلة، ومن هذا الكتاب، فيممنا وجهنا إلى الشريحة الغالبة من الشباب التي تتطلع إلى العمل الجاد. وإحداث التحولات الكبرى. وواجهتنا عدة معوقات، حاولنا التغلب عليها. مثل:
+ كيف يمكن أن يستفيد القارئ مما يقرأ، ليكون خارطته المعرفية المنظمة؟!
* وكيف يمكن تقديم المادة في شكل يجيب على حالة الإحباط المنتشرة بين صفوف الكثير من المجتمعات الإسلامية؟؟!
* وكيف يمكن أن تصبح الفكرة شائعة بين الجمهور؟!
* وكيف يمكن أن تغادر الفكرة رفوف النخب إلى الإنسان المتوسط والبسيط؟؟!
* وكيف يمكن أن تتحول الفكرة إلى مادة قابلة للاستخدام في النهضة في وجه دعاة اليأس والقنوط؟!
تلك هي الأسئلة، وكانت هذه محاولتنا لعمل رأس جسر لهذا المشروع الكبير، لنقله من ساحة التصور النظري البحت للطبقة العليا من المفكرين والمنظرين، إلى الطبقة الوسطى والدنيا التنفيذية في المشروع.
إن هذا الكتاب جزء من سلسلة نسأل الله أن تكتمل وتتكامل. نبدأها بهذه القطرة الأولى لتتبعها قطرات، وقد ترددنا كثيرًا في إخراج هذه الورقات، والحديث عن هذا الموضوع بشكل مفتوح، ولكن تشجيع الأحباب، والكثير ممن استمع إلى هذه المحاولة قاد إلى اتخاذ القرار الأخير بنشرها، رغم يقيننا أنه ما زال الكثير والكثير الذي يتوجب علينا عمله، والقيام به، ولكن الأعمار بيد الله عز وجل، والإنسان لا يضمن إذا وجد اليوم أن يبقى إلى الغد، فالمسارعة في الخير - وإن كان قليلا ً- ونشره واجب لا يجب تأخيره، خاصة إذا حان وقته.
وأخيرا نسأل الله العون والسداد . فإن أصبنا فمن الله وإن أخطأنا فمن أنفسنا ومن الشيطان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هناك الكثير من المفاهيم والنماذج، التي نرى أنه لا غنى عنها في مثل هذا النوع من الدراسات، نحاول أن نبسطها قدر الإمكان، ونبتعد عن التعقيد، وسنشير - في ثنايا هذه الدراسة- إلى المواضع الصعبة، والتي نرى أنه رغم صعوبتها، فإنه لابد للعامل أن يدركها، وأن يبذل الجهد في محاولة استيعابها، لضرورتها في تنظيم الخارطة الذهنية، وسنبذل ما نستطيع في سبيل ذلك والوصول إلى هذا النوع من التبسيط.
المشروع:
ولنبدأ بكلمة المشروع، ويتساءل القارئ ما وجه الحديث عن تفسير كلمة المشروع، ونعتقد أنها من الكلمات الهامة التي تشغب على بعض المتناولين لقضية النهضة، ويتساءلون فيها قائلين بأن وصف المشروع الإسلامي بأنه مشروع قول غير مشروع!! ونقول أن المتعامل مع قضية النهضة، يجب أن تكون لديه إجابة محددة، لمثل هذا السؤال فعندما نتعامل مع كلمة مشروع، ونفتح"منجد الطلاب"مثلًا نجد أن كلمة مشروع تحتمل المعاني التالية: ما سوغه الشارع، والأمر المشروع هو ما بدأت بعمله.
وفي نطاق هذين المعنيين، فالمشروع الإسلامي أمر سوغه الشارع، وهو أمر قد بدأ به وتتم الحركة في إطاره، فمن الناحية اللغوية يجوز لنا أن نتناول وأن نستخدم كلمة مشروع.
ويقول أهل الإدارة: أن كلمة مشروع تعني أنشطة متتابعة مصممة، للوصول إلى مخرجات محددة، من خلال ميزانية محددة، ومدى زمني محدد.3
ومن هذه الزاوية فإن كلمة مشروع التي نتعامل معها، لا تنطبق حرفيًا على مشروع النهضة، ولكن يمكن أن نقارب ونسدد فيها، إذا كان المدخل مدخلًا إداريًا، حيث أن تحديد الزمن بدقة والذي تستلزمه عملية النهضة أو تحديد الموازنات الضرورية لعملية النهضة في إطارها العام الكبير أمر دونه خرط القتاد .
أما في العلوم السياسية فيقصد بكلمة مشروع أي أيديولوجيا2تسعى للهيمنة. وهنا ينبغي التركيز على قولنا أنها تسعى للهيمنة، فكل أيديولوجيا تسعى للهيمنة، يطلق عليها كلمة مشروع3، مثلما يتم الحديث عن الليبرالية كمشروع فيقال: (..Political liberalism as a project..) .
إذًا يمكن التعامل مع الأفكار النهضوية على أنها مشروع، ويمكن أن نطلق ذلك إذا تعاملنا مع الكلمة بسعة في الإدارة أيضًا، أما من الناحية اللغوية فيمكن استخدامها قطعًا بدون تخوف. وفيما يخص العلوم السياسية فهي باب مفتوح يمكن التعامل معه بدون أي حرج، وبذلك تكون كلمة"مشروع"قد اتضحت وأصبح استخدامها مشروعًا في هذا المجال الذي نتحدث عنه.
النهضة:
إن الكثيرين ممن يتحدثون عن النهضة، لا يمتلكون إطارًا يحددون به معنىً للنهضة. ونود أن نشير إلى بعض القضايا المتعلقة بهذا الموضوع. ولن نلجأ إلى المصطلحات الغامضة المتعلقة بتعريفها اللغوي، ولكن سنتناول موضوع النهضة من حيث أنها كلمة دخلت على اللغة العربية للتماهي مع كلمة النهضة التي وردت في التراث الأوربي، وبالتالي لا يمكن إدراك معناها في غياب المعنى الذي اجتلبت منه أساسًا، وهو معنى كلمة النهضة في الثقافة الأوروبية. يقول الدكتور نور الدين حاطوم في كتابه"تاريخ عصر النهضة الأوروبية":" (النهضة) تفتح عجيب للحياة بأشكالها المختلفة، بلغت مظاهره الكبرى بين 1490 و1560.. وهي بالمعنى العام الواسع تدفق من الحيوية أثار البشرية الأوروبية فتبدلت على أثره حضارة أوروبا بكاملها. وهي بالمعنى الضيق نزوة حياتية في أعمال الفكر. إنها ضمة تطلع وتوق وهواية وسمو أكثر منها مذهب أو نظام. إنها دافع داخلي جدد حياة العقل والحواس والمعرفة والفن."
ويقول في مقدمة الكتاب:"إن عصر النهضة الأوروبية أو القرن السادس عشر الذي ندرس تاريخه في هذا الكتاب هو العصر الذي يبدأ برحلة كريستوفر كولومبس الأولى سنة 1492، وحروب إيطاليا 1494، وينتهي بين وفاة اليزابيث ملكة إنجلترا 1603، وموت هنري الرابع ملك فرنسا 1610.. لقد حدثت في هذا العصر حوادث عظيمة، وتبدلات عميقة في أنظمة الدول الداخلية، وفي سيماء أوروبا العامة، وفي علاقات هذه القارة مع القارات الأخرى. ولذا تختلف حوادث القرن السادس عشر اختلافًا كليًا عما نعرفه في القرن الوسيط، الذي انتهى في السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر". ويقول: