وكان المعمار الإسلامي بعتمد علي النواحي التطبيقية لعلم الحيل وهذا يتضح في إقامة المساجد والمآذن والقباب والقناطر والسدود فلقد برع المسلمون في تشييد القباب الضخمة ونجحوا في حساباتها المعقدة التي تقوم علي طرق تحليل الإنشاءات القشرية (SHELLS) . فهذه الإنشاءات المعقدة والمتطورة من القباب مثل قبة الصخرة في بيت المقدس وقباب مساجد الأستانة والقاهرة والأندلس والتي تختلف اختلافا جذريًا عن القباب الرومانيةوتعتمد إعتمادا كليا علي الرياضيات المعقدة. فلقد شيد البناؤن المسلمون المآذن العالية والطويلة والتي تختلف عن الأبراج الرومانية . لأن المئذنة قد يصل إرتفاعها لسبغين مترا فوق سطح المسجد .وأقاموا السدود الضخمة أيام العباسيين والفاطنيين والندلسيين فوق الأنهار كسد النهروان وسد الرستن وسد الفرات .كما أقاموا سور مجري العيون بالقاهرة أيام صلاح الدين الأيوبيوكان ينقل الماء من فم الخليج علي النيل إلي القلعة فوق جبل المقطم . وكانت ساقية تدار بالحيوانات ترفع المياه لعشرة أمتار ليتدفق في القناة فوق السور وتسير بطريقة الأواني المستطرقة لتصل القلعة . تتميز الحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لاتخرج عن نطاق القواعد الإسلامية . ففي العمارة بنى أبو جعفر المنصورالخليفة العباسي, على نهر دجلة عاصمته بغداد سنة (145- 149 هـ) على شكل دائري، وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية، لأن معظم المدن الإسلامية، كانت إما مستطيلة كالفسطاط، أو مربعة كالقاهرة، أو بيضاوية كصنعاء. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أن هذه المدن نشأت بجوار مرتفعات حالت دون استدارتها . ويعتبر تخطيط المدينة المدورة (بغداد) ، ظاهرة جديدة في الفن المعماري الإسلامي ولاسيما في المدن الأخرى التي شيدها العباسيون مثل مدينة سامراء وما حوته من مساجد وقصور خلافية فخمة. وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والفسطاط والعسكر والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية والجزائروغيرها . كما خلفت الحضارة الإسلامية مدنا متحفية تعبر عن العمارة الإسلامية كإستانبول بمساجدها والقاهرة بعمائرها الإسلامية وبخاري وسمرقند ودلهي وحيدر أباد وقندهار وبلخ وترمذ وغزنة وبوزجان وطليطلة وقرطبة وإشبيلية ومرسية وسراييفووأصفهان وتبريز ونيقيا والقيروان والحمراء وغيرها من المدن الإسلامية . وكان تخطيط المدن سمة العمران في ظلال الخلافة الإسلامية التي إمتدت من جتوب الصين حتي تخوم جنوب فرنسا عند جبال البرانس. وكانت المدن التاريخية متاحف عمرانية تتسم بالطابع الإسلاني . فكانت المدينة المنورة قد وضع النبي أساسها العمراني والتخطيط حيث جعل مسجده في وسط المدينة ,وألحق به بيته وجعلها قطائع حددلها إتساع شوارعها الرئيسية. وكلها تتحلق حول مسجده. وجعل سوقها قي قلب مدينته . لتكون بلد جنده. وعلي نمط مدينة الرسول أقيمت مد ن الموصل و الكوفة وواسط بالعراق والفسطاط بمصر لتكون اول بلدة إسلامية بأفريقيا..
وفي مجال الملاحة وصناعة السفن
كانت صناعة السفن في كل أنحاء العالم الاسلامي في ظلال الخلافة الإسلامية الأموية والعباسية .فلقد ظهرت صناعة السفن والأساطيل في موانيء الشام بعكا وصور وطربلس وبيروت وحيفا . وفي المغرب كانت هناك طرابلس وتونس وسوسة وطنجة ووهران والرباط. وفي الأندلس اشتهرت إشبيلية ومالقة ومرسية وفي مصر اشتهرت المقس والاسكندرية ودمياط وعيذاب( علي ساحل البحر الأحمر (.وكانت المراكب النيلية تصنع بالقاهرة .وكانت ترسانات البحرية لصناعة السفن يطلق عليها دور الصناعة . وكان الأسطول يتكون من عدة أنواع من السفن مختلفة الحجم ولكل نوع وظيفة. فالشونة كانت حاملات للجنود ، والأسلحة الثقيلة
وفي علوم الملاحة وعلوم البحار كتب الجغرافيون المسلمون كتبهم . فضمنوها وصفا دقيقا لخطوط الملاحة البحرية، كماوضعوا فيها سرودا تفصيلية لكل المعارك الإسلاميةالبحرية، ثم وصفوا فيها البحار والتيارات إلما ئية والهوائية, ومن أشهر الجغرافيين العرب المسعودي والمقدسي وياقوت الحموي والبكري والشريف الادريسي ومن الرحالة ابن جبير وابن بطوطة. وهناك كتب ابن ماجد في علوم البحار مثل كتاب"الفوائد في أصول علم البحر والقواعد"وأرجوزته بعنوان"حاوية الاختصار في اصول علم البحار"وهناك مخطوط باسم سليمان المهري عنوانه"المنهاج الفاخر في العلم البحري الزاخر: و"العمدة المهرية في ضبط العلوم البحرية .
روح الحضارة الإسلامية
العدد: 4 (يوليو - سبتمبر) 2006
أ.د. محمد عمارة / قضايا فكرية
... مقالات أخرى للكاتب ... إلى صديق ... طباعة
تمت قراءة هذه المقالة 1300 مرة
لقد كانت الصناعة الثقيلة التي بدأت الدعوة الإسلامية فأقامتها، منذ المرحلة المكية، هي صناعة الصياغة الإسلامية للإنسان الذي تدين بدين الإسلام..
وكانت"دار الأرقم بن أبي الأرقم"في مرحلة سِرّية الدعوة الإسلامية، أي منذ فجر تلك الدعوة هي أولى المؤسسات التربوية التي أقامها رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام.
وقبل فتح المسلمين للمدائن والأمصار والأقطار، وقبل إقامة الدولة، وتغيير الواقع وتطبيق القانون وبلورة العلاقات الدولية كان الفتح الإسلامي للقلوب والعقول بهدي القرآن الكريم. ذلك الذي أصبح خُلق سلوك وممارسات، وسجية للحياة التي يحياها المسلمون، بل إن أولى المدن التي فتحها المسلمون قبل الهجرة النبوية وقبل الدولة الإسلامية -وهي المدينة المنورة- قد فتحها المسلمون بالقرآن الكريم.
وبعد إنجاز الصياغة الإسلامية -بالتربية- للإنسان، جاءت كل الإنجازات والفتوحات، في ميادين الحضارة وعلومها والثقافة وآدابها وفنونها، فكانت تجسيدًا لهذا الذي سبق وتم إنجازه في نفس الإنسان.. جاءت جميعها مصاغة بمعايير الإسلام، التي سبق وصاغت نفوس وعقول وقلوب الذين اهتدوا بهدْي الإسلام.
إن الدعوة الدينية في الإسلام لم تقف عند حدود تدين الإنسان، وتحقيق عبوديته لله بالشعائر المعبِّرة عن الإيمان القلبي، والمفصحة عن علاقته بالسماء.. وإنما امتدت هذه الدعوة لتحقق ائتلاف هذا الإنسان بالأمة والمجتمع والكون، فتوحدت في نفس هذا الإنسان عوالم الغيب والشهادة، وائتلفت فيها وتوازنت علاقات الفرد بالمجموع، والخاص بالعام؛ فتدينت الدنيا، مع بقائها دنيا، عندما صاغ الإسلام نفس الإنسان المسلم ووجدانه وعقله تلك الصياغة التي ائتلفت فيها وتوازنت آيات الله في الوحي السماوي بآياته في الأنفس والآفاق.
إن دين الإسلام لا يقوم ولا يقام بالتبتل الفردي والخلاص الذاتي، وإنما لا بد لإقامته وتحقيق كامل فرائضه من أمة ووطن واجتماع ومجتمع، وفروض اجتماعية، يتوجه الخطاب فيها والتكليف بها للأمة. وهذه الفروض الاجتماعية أهم وآكد من الفروض الفردية، بدليل أن إثم التخلف عن الفريضة الفردية يقع على الفرد وحده، بينما إثم التخلف عن الفريضة الاجتماعية يقع على الأمة جمعاء.
وفي دين الإسلام، اقترنت الهجرة في سبيل الله بتأسيس الدولة، وإقامة المجتمع، وتطبيق القانون، وإقامة نسيج اجتماعي بين الرعية يحقق المؤاخاة، لا في الحقوق الدينية المجردة فقط، وإنما في أمور المعاش الدنيوية أيضًا؛ بل لقد امتد هذا النسيج بمعايير المواطنة، وحق الاختلاف حتى في الدين، إلى حيث ضم هذا النسيج غير المسلمين مع المسلمين.