فهرس الكتاب

الصفحة 1848 من 1942

ومعلوم أن العبادة مبنية على الحظر أي المنع، فلا يجوز أن نزيد أو ننقص فيها، وقد جاء نفر من الصحابة إلى بيت رسول الله يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم رأوها قليلة، فقال بعضهم: أصوم ولا أفطر، وقال آخر أقوم الليل ولا أنام، وقال ثالث: إنه سيعتزل النساء، فلما سمع رسول الله بذلك قال لهم: (أنا رسول الله، أعرفكم بالله، وأتقاكم له، أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأقرب النساء، فمن خالف سنتي فليس مني ) (1) .

فالعبادة أساسها النص الصحيح، وهي تقوم على الاتباع دون الابتداع.. أما الحضارة فتقوم على الإبداع دون التقليد، لكنا عكسنا الأمر فصرنا مبتدعين في العبادة، مقلدين في الحضارة، فلا سلمت لنا العبادة، ولا أبدعنا شيئًا في الحضارة.

ثانيًا: عمارة الأرض:

إن الهدف الثاني لخلق الإنسان أن يعمر الأرض، كما قال تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها } (هود:61) .

وعمارة الأرض تتطلب معرفة جيدة بعلوم (الحياة ) ، بل آخر ما توصل إليه الإنسان في هذه العلوم، التي تتطور يومًا بعد يوم.

وقد قسم الفقهاء (الفروض ) إلى قسمين: فروض أعيان وفروض كفاية.. وفروض العين مثل الصلاة والصوم.. وأما فروض الكفاية فهي فروض عامة، فإذا قام بها البعض سقطت عن الأمة، لكن إن أهملها الكل أثموا.. فكل علم نافع، أو صناعة مفيدة، فلابد أن يوجد من المسلمين من يحسن أداءها، وإلا حصل الإثم للجميع، لكن إذا جرى تعيين فرد لها، صارت بالنسبة له من فروض العين. ومن العلماء من يقدم فروض"الكفاية"على العين، لأهميتها بالنسبة للأمة.

وعلى ذلك، فعلى كل من يهتم بعمارة الأرض، أن يواكب تطور العلوم والصناعات، كي يستطيع فعلًا أن يعمر. وللأسف فإن ما أطلق عليه ابن خلدون (علم العمران ) ذهب معه، ولم نجد من يهتم به.

لقد تحولنا إلى مستهلكي حضارة، ولم نكن من صناعها، فمن السهولة بمكان أن يكون الإنسان (زبونًا ) يأخذ من منتجات الحضارة ما يحب، ويدفع الثمن، ولكن من الصعوبة أن ينتج حضارة أو يساهم في إنتاجها بجدية أو فعالية.

إن عمارة الأرض أو صنع حضارة، يتطلب الكد والكدح، والسهر المتواصل، والأخذ بناصية العلوم والصناعات، ومن لا يحسن ذلك فهو يعيش على (الهامش ) .

لو قمنا بفحص لهذه المليارات من البشر، التي تدب على وجه الأرض، فماذا نجد بمقياس العبادة الصحيحة، والعمارة المفيدة النافعة؟

1-سنجد ملايين قليلة جدًا تعبد الله تعالى كما أراد وأمر، وأقل منها تشتغل في عمارة الأرض.

2-سنجد ملايين كثيرة في الغرب واليابان مثلًا لا تعرف الله، وإن عرفته لا تعبده كما أمر، لكنها تفني عمرها في عمارة الأرض، وقد تشتغل في خرابها، بما تنشر من معدات القتل الجماعي، وأسلحة ذرية وهيدروجينية وغيرها.

3-ألوف الملايين من البشر لا تعبد الله، كما أمر، ولا تشتغل بعمارة الأرض، والكثير منها تطلب الطعام والدواء من غيرها، فلا الله عبدت ولا عمارة للأرض أشادت، ولم تحقق شيئًا مما خلقت له، وللأسف فهي تبلغ مليارات من البشر، ومن هنا جاءت متاعب البشرية، أو بعض متاعبها.

أبو حامد الغزالي ونظريته في العلم:

أبو حامد من فوارس العلم والثقافة (1051 - 1111م) ، له نظرية في العلم، نشرها في ثلاثة من كتبه، متى جمعت إلى بعضها كونت فكرة واضحة عن العلم الشرعي والدنيوي، وعلاقة أحدهما بالآخر.

أ- في كتابه (إحياء علوم الدين ) ، قسم العلوم إلى شرعية، وهي ما استفيد من الأنبياء عليهم السلام، وغير شرعية، وهي ما أرشد إليهم العقل، كالطب والرياضيات وأمثالها. وغير الشرعية هي من فروض الكفاية، فإذا خلا منها بلد سارع إليه الهلاك (1) .

ب- في (أيها الولد ) يتم فكرته قائلًا: من يقتصر علمه على العلوم الدنيوية، دون الشرعية، فعمره يضيع فيما لا ينفع في الآخرة (2) .

جـ- في كتابه (ميزان العمل ) يقول:... من يقتصر على علوم الدين وحدها، فإنه لا يفهم من الدين إلا قشوره، بل خيالاته وأمثلته، دون لبابه وحقيقته (1) ، إذ لا تدرك العلوم الشرعية إلا بالعلوم العقلية، فإن العقلية كالأدوية للصحة، والشرعية كالغذاء (2) .

من يتطلع لدور في الحضارة، فلا بد أن يكون له حضور متميز، كما ينبغي أن تكون لديه فكرة واضحة تجاه الكون وخالقه والحياة.

ويطرح (اشفيتسر ) في كتابه (فلسفة الحضارة ) (3) : (إذا أنتج المفكرون في عصر من العصور نظرية في الكون ثمينة، فإنها تتداول بين الناس تداولًا يؤدي إلى ضمان التقدم، وإن عجزوا عن ذلك، بدأ الانحلال يدب على نحو أو آخر، فكل نظرية في الكون، تجر وراءها نتائجها التاريخية ) .

والقرآن الكريم يربط بين عمارة الأرض والأخذ بهدي الأنبياء، عليهم السلام، كما أن البعد عن هذا الهدي السماوي يجلب فيما يجلب التعاسة والحروب، وسقوط الحضارة.

يقول تعالى: {وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } (النمل:112) . إن قصص القرآن في مجمله يكشف: كيف تقدمت الأمم، وتوسعت الحضارات، حين أخذت الأمم بهدي السماء، وماذا أصابها من تأخر وفساد وسقوط للحضارة حين تركت شرع الله، وفضلت عليه شرائع وضعية.

التغيير في الحضارة

المتابع للحضارات الإنسانية يجد حضارة تقوم وتزدهر، ثم تشيخ وتموت، مفسحة الطريق لغيرها، وقد عد المؤرخ توينبي ستًا وعشرين حضارة، كان هذا شأنها.

والسؤال: هل يمكن معرفة قوانين التغيير، التي تحكم سير الحضارة؟ وهل يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحصل للحضارة من ارتفاع أو سقوط؟

والسؤال الثالث: ما هو واجب المؤرخ ومفسر التاريخ؟

لا نجد أجوبة متفقًا عليها، فمؤرخ مثل (فيشر ) يرى أن الحوادث تتعاقب، وكل طارئ يتبعه طارئ، كما تتبع الموجة موجة أخرى، لذا فهو لا يرى جدوى من البحث عن نظام التغيير (1) .

وهناك من يرى أن مهمة المؤرخ تنحصر في سرد الوقائع وتسجيلها، بعد التحقق من صحتها، دون حاجة للبحث عن النظم التي تربطها، وهؤلاء يقولون عادة: قد توجد للتغييرات الحضارية صور جامعة، تربط بعضها ببعض، ولكن محاولة كشفها ثم تعليلها ليس من واجب المؤرخ، فقد يقوم بذلك عالم الاجتماع أو الفيلسوف. وهؤلاء لا يرضيهم من يشتغل بتفسير التاريخ، ورصد حركة الحضارة، من أمثال شبنجلر وتوينبي وثورنثروب، وأمثالهم، ويذهبون لأبعد من ذلك حين يستخفون بالنتائج التي توصلوا إليها.

والذي لا جدال فيه، فإن عالم الاجتماع يحسن التعليل للوقائع والمتغيرات الحضارية، لكن ذلك لا يفقد المؤرخ هذه القدرة والقابلية، مادام يدرس التاريخ وحركته، ويتتبع تحولات الحضارة، إذن ليقل عالم الاجتماع ما عنده، وليقل المؤرخ ما عنده، دون أن يحجر أحد على أحد، فالميدان فيه فسحة للاثنين ولغيرهما.

والسؤال: هل يمكن أن نربط بين وقائع التاريخ والنتائج ارتباطًا (كليًا ) بكل ما تتضمنه هذه الفكرة (1) ؟

هناك من يجزم بإمكانية ذلك، وأن ما يحدث يمكن توقعه، بعد مراعاة الظروف التي أحاطت به، وهنا يفترض التسليم بوجود (قوانين ) عامة، تحكم حركة الحضارة والتاريخ، فإذا عرفت هذه القوانين، عندها يمكن، أو لنقل يسهل التنبؤ بالمستقبل.. وأصحاب هذه التوجه يلحون على اكتشاف (حركة المجتمع ) ، كما يطالبون المؤرخين بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت