أما (إشبنجلر ) (2) فهو يؤمن بالفصل بين الحقائق التاريخية والحقائق الطبيعية، ومن ثم فإن المنهج الطبيعي سيقصر عن فهم وتفسير التاريخ البشري، ولذا فالمنهج الوحيد الذي يوقفنا على حقائق التاريخ الإنساني، هو المنهج التاريخي (1) . وقد تلقف الماركسيون (المنهج الطبيعي ) ، وطبقوه في (المادية التاريخية ) ، التي اعتبروها علم الاجتماع الخاص بهم، وبناء على ذلك فقد فسروا التاريخ بأنه (صراع للطبقات ) من بعد الشيوعية الأولى، وحتى الشيوعية الثانية.
ومما قالوه، ونادوا به (2) : (إذا عرفنا الأسباب، وأثرنا عليها، أمكننا خلق الظواهر، التي يريدها المجتمع، أو عرقلة نشوء الظواهر الضارة، أو غير المرغوب بها، والنضال ضدها... ) .
إلا أن الفكرة قوبلت بهجوم شديد، من قبل بعض مفسري التاريخ، على اعتبار أن لكل حدث تاريخي خصوصيته وفرديته، إذ التاريخ لا يعيد نفسه.
كما قرروا أن الأحداث والوقائع التاريخية متشابكة ومعقدة، بحيث يصعب استخدام العلاقات الثابتة بين مجموع منها -كما هو الحال في العلوم الطبيعية- فحوادث التاريخ غير متشابهة، ولا متكررة حرفيًا.
أما (المثاليون ) فردوا الفكرة، بحجة أن التاريخ يتصل اتصالًا وثيقًا بالإنسان، وهو حر ولا يخضع لمنطق الحتميات.
ويمكننا القول: بأن المنهج الطبيعي، القائم على رصد الظواهر واستنباط قانون يشملها، هذا المنهج يصعب تطبيقه على الإنسان وحضارته، فالأمم في تقدمها وتخلفها، لا تخضع لقانون واحد صارم، ولا تحكمها نظرية واحدة، لذا رأينا تفسير التاريخ يعتمد إما أحكامًا عامة أو نظرية فردية.
لكن العمل في هذا الميدان نبه الأذهان إلى ضرورة الربط بين الحوادث، متى تشابهت، بهدف الإفادة من الماضي، لمعرفة ما يحدث في المستقبل. فقيام الحضارات وسقوطها، لابد أن يحمل أسبابًا متشابهة على الأقل، وبذا يفيد من هذا الجانب.
هناك أمر من المفيد ذكره، أن الذين اشتغلوا في تفسير التاريخ وحركة الحضارة، اعتمدوا (الواقع التاريخي للغرب ) ، ثم حاولوا فرضه على العالم -كما فعلت الماركسية مثلًا- فهي وليدة البيئة الغربية، وقد تأثرت بما فعلته الرأسمالية، فصاغت نظريتها، ثم عممتها على العالم، وفي كل العصور، وعلى كافة الأقطار، وزادت بأن تصورت أن (حتمية ) تحكم العالم كله في سيره الحضاري، وهنا كان المقتل!!!
ليس كل ما حدث في أوروبا يجب أن يحدث في العالم، ولكن من المشهود له والمسلم به أن الماركسية أجادت في نقد الرأسمالية أكبر وأعظم إجادة، بل يمكن القول: بأنه النقد الأفضل.. وإن سقطت الماركسية -لأي سبب- فإن نقدها للرأسمالية لم يسقط، وعلى رجال الفكر الرأسمالي أن يفيدوا من ذلك النقد، ولا يمنعهم سقوط الماركسية من ذلك، فالممارسة شيء، والنقد للرأسمالية شيء آخر.
وقبل أن أختم الموضوع لا بد من الإشارة إلى وجود (اتجاه تطوري تاريخي ) (1) ، يرى أصحابه أن السير الرتيب للإنسانية وحضاراتها، لا يمكن أن يكون اعتباطيًا، أو خاضعًا للمشيئة الفردية، أو الأهواء والصدف، بل يقع في مراحل متعاقبة، يضبطها وينظمها قانون، يجمع في ثناياه وسطوره كل تاريخ الإنسانية. هذا الاتجاه ظهر في القرن التاسع عشر.
والإنسان يتمنى ذلك، كما يتمنى عدم تكرار السقطات.. فلو أمكن تحديد أسباب سقوط الحضارات بدقة، وأمكن من ثم تجنبها أو بعضها، فسيكون نافعًا ومفيدًا، أما أن تسقط حضارة في مشكلة، ثم تأتي حضارة فتسقط في ذات الإشكال، فهذا هو المطلوب الهروب منه، وعدم الوقوع فيه.
بالمثل فما تنتجه حضارة من فكر جيد، أو فن رفيع، أو تنظيم حسن، فكل ذلك وأمثاله ينبغي الإشادة به أولًا، والإفادة منه بعد ذلك، وبدون حساسية.
أهم العوامل المؤثرة في التحضر
ابتداءً أود الإشارة إلى أن (التحضر ) وصف وليس قيمة، فالتحضر بنفسه لا يحمل كل الخير، بل يمكن أن تكون الشعوب المتحضرة وبالًا على البشرية، حين يصير التحضر وسيلة استعمار واستعباد ونهب لثروات الشعوب، وتقييد لحريتها.. كما علمتنا الأيام أن المتحضرين هم من أشعلوا الحروب، وخاضوا بالدماء حتى (الركب ) ، ومازالوا يتلاعبون بشعوب العالم الفقيرة، يهبطون بثرواتها وسلعها إلى أسفل سافلين، ويرفعون بضائعهم يوميًا، حتى استحوذ 20% من سكان العالم على 80% من ثرواته، ومازال النهب والسلب على قدم وساق، حتى ازداد الأغنياء غنى، كما ازداد الفقراء فقرًا. وديون العالم الثالث خير شاهد، فهي اليوم عاجزة حتى عن دفع الفوائد.
وتلويث البيئة -اليوم- من نصيب المتحضر، بأكثر من الفقير ألوف المرات. لذا أود أن أكرر بأن التحضر وصف وليس قيمة. وقد حاولت جمع العناصر المؤثرة في التحضر، فجمعت أكثر من عشرة عناصر مثل: عامل الجنس (العرق ) ، العامل الاقتصادي، العامل الجغرافي، عامل العقيدة، عامل المعرفة، الفتوحات العسكرية، الفرد البطل أم المجتمع، شبكة العلاقات الاجتماعية، عامل الثقافة والفكر، الرغبة في التحضر، البيئة الطبيعية للتحضر. وسوف أستعرض هذه العوامل، بما يسمح به البحث من الاختصار والإطالة والمناقشة، ثم أتحول بعد ذلك إلى حركة التحضر ومساراتها، بإذن الله تعالى.
اتجاهات التفسير:
لعل من المفيد أن أشير لوجود مدرستين في تفسير التاريخ، وضبط حركة التحضر: مدرسة تريد مزيدًا من العوامل مترادفة متعاونة، يكمل بعضها بعضًا، ومدرسة تكتفي بعامل أساس واحد، لتفسر به التاريخ، وتضبط به مسار الحضارة. ولكن أتباع هذه المدرسة، لم يتفقوا على عامل واحد، بل كل اختار عاملًا، وجعله قطب رحاه، لذا سأمر عليها بشيء من الاختصار غير المخل.
أولًا: عامل الجنس (العرق) :
لا يجادل أحد أن البشرية تتكون من أجناس مختلفة، يتميز بعضهم عن بعض، وأنها خاضت حروبًا وصراعات ضد بعضها، كما حارب أبناء الجنس، بل أبناء الأمة بعضهم بعضًا.
فهم يتفاوتون في الرضى والإبداع، في الفكر والقناعات، وكل جنس واتته فرصة أقام حضارة تناسبه، وتناسب عصره. وقد شاع في القرنين السابع عشر والثامن عشر فكرة اختلاف الأجناس، وأن بعضها أرقى وأفضل من بعض، لكن الذي يصعب قبوله أن ينادي شعب بأنه المؤهل الوحيد لبناء حضارة، وأن شعبًا آخر لا يستطيع ذلك، ولو واتته كل الفرص.
وسأستعرض بعض الأقوال، مع بعض التصورات الغريبة التي تتصاعد منها أبخرة العنصرية، والنرجسية الغليظة.
لقد كتب الفرنسي (جوبينو ) (1) المتوفى عام (1882م ) رسالة حول عدم تساوي (الأجناس ) ، وأن الآريين وحدهم بناة الحضارة، والمحافظون عليها (وهو ماكانت النازية والفاشية، تبشر به ليل نهار ) .
أما (كريستيان لامس ) (2) فيرى أن الآريين يتفوقون على الساميين في عقولهم وخواصهم.
أما (جوزيف آرثر، وهوستن ) (3) فيرون أن بعض الشعوب من الأجناس (الراقية ) تتقدم، على حين تظل أجناس أخرى محكومة اجتماعيًا وثقافيًا بميراثها العنصري. وقد انتهوا -كالعادة- إلى أن كافة الحضارات من عمل الآريين. أما النازية فقد تكون أقوى مَنْ طرح فكرة (النقاء العنصري ) ، معتبرة الاختلاط بين العناصر والأجناس المختلفة سببًا للقضاء على الحضارة وإفسادها.
وكل من يتحدث عن تفوق جنس على غيره، لابد أن يذكر اليهود، فهم معجبون بأنفسهم إلى أبعد الحدود، ويعيشون وهمًا مخيفًا حين يعتقدون أن الله تعالى قد اختارهم من بين كافة الشعوب، وأنهم الأذكى والأقدر، ولولاهم لحل بالعالم كارثة، حتى دماءهم تختلف عن دماء البشر.