فهرس الكتاب

الصفحة 1850 من 1942

يقول (مارتن بوير ) -وهو مدير جامعة، ورجل اجتماع- (1) : (إن الإسرائيليين شعب فريد، يختلف عن بقية الشعوب الأخرى، فهو الشعب الوحيد الذي يعتبر شعبًا، وفي الوقت نفسه يعتبر مجتمعًا دينيًا، وكل من يقطع العلاقة بين هذين العنصرين، يقطع حياة إسرائيل نفسها ) .. والسؤال: ما الدليل على صحة هذا؟

وهل يهود روسيا وأوروبا والفلاشة من أثيوبيا، ويهود الهند وسيرلانكا واليمن، يشكلون شعبًا واحدًا؟

ويقول (آحاد هعام ) وهو اسم مستعار للكاتب الروسي (أشرغنزبرغ ) (2) : (من الطبيعي أن نسلم بحقيقة وجود درجات كثيرة في سلم الخليقة مرورًا بظهور الكائن غير العضوي، فالنباتات، والمخلوقات القادرة على النطق، يتقدمها جميعًا الجنس اليهودي ) .

ما الدليل العلمي على ذلك؟

وأختم هذه (النقول ) بنص للكاتب الصهيوني (يوسف حييم بريبر ) يتساءل عن هذه (النرجسية ) الغريبة، فيقول (3) : (من أين أتى هذا الاحتقار من جانب اليهود للأغيار، والشعور بالسمو عليهم؟ هل كان اليهودي عديم الشعور حقًا؟ وميتًا إلى درجة لم يشعر معها أن حياة الأغيار -أي غير اليهود- أكثر غنى، وأكثر جمالًا من حياته؟ إن هذا مستحيل، ولا نستطيع أن نصدق هذا، فإذا كان هناك احتقار للأغيار، فلم يكن ذلك سوى حسد طبيعي، يشعر به الفقراء تجاه الأغنياء، والرهبان تجاه الفرسان، والعاجز تجاه القادر، إن هذا الاحتقار لم يكن سوى استسلام لنصيبنا في الدنيا، وأحيانًا نوع من العزاء لآمالنا في العالم الآخر، يتلوه صرير أسنان، وغضب داخلي، عن وعي أو دون وعي ) .

تسويق العنصرية وتبرير الاستعمار:

حاول بعض العنصريين أن يسوق نظريته في العالم، ويغطيها أو يحجبها ببعض المغالطات، ثم ليفلسف استعمار الإنسان لأخيه الإنسان.. تقول النظرية (1) ما يلي:

1-العروق مختلفة متباينة، ولكل صفاته المحددة، التي تميزه عن غيره.

2-هناك ارتباط وثيق بين الصفات الجسدية والروحية والعقلية، بحيث يمكن الاستدلال من الصفات الجسمية، على الصفات الأخرى.

3-العروق ليست مختلفة فقط، بل متفاوتة، أفضلها وأرقاها وأنقاها العرق (الآري ) (الفرع النورديكي ) ، وأدناها وأحطها الأفارقة السود.

ولي على هذه النظرية أكثر من تحفظ:

أولًا: العروق اختلطت لأكثر من سبب، والبحث عن عرق لم يختلط شبه مستحيل.

ثانيًا: الارتباط أو الربط بين الصفات البدنية والروحية والعقلية، لا أساس له، فالإنسان يتأثر بالبيئة، ويكتسب الكثير من العلوم والمعارف، فيختلف ذكاؤه الفطري بثقافته، حتى يصعب الفصل بينهما، فليس كل أبيض ذكي، ولا كل أسود بليد، تلك قضية يستحيل إثباتها أو تصديقها.

ثالثًا: اختلاف الأعراق قضية، وكون العرق الآري أرقاها وأنقاها، قضية أخرى يصعب التسليم بها، والأبيض الآري لو عاش الظروف التي يعيشها الأفريقي بفقره وأميته لكان أسوأ منه.

ولو عاش الأسود في مجال آخر، بعيدًا عن الفقر والأمية والتخلف، لتجاوز الأبيض، وتفوق عليه، وطلاب البعثات في الغرب يثبتون ذلك يوميًا.

تسويق العنصرية لدى تلاميذ (دارون) :

تلاميذ دارون درسوا النظريات العنصرية، لكنهم زادوا في الطنبور نفخًا -كما يقال- وقد طرحوا نظريتهم على الوجه التالي (1) :

1-البشر مختلفون، كما تثبت ذلك سماتهم البدنية والعقلية.

2-إن (البعض ) منهم أصلح بالطبع، ولذا فهم أرقى وأرفع شأنًا.

3-بعض الأجناس والأمم أصلح بالطبع، ولذا فهم أرقى وأرفع.

4-إن الطبيعة والتطور صنعا البشر، على هذه الشاكلة، ولذا فإن بعض العناصر والأمم يجب أن تسود، و (البعض ) يجب أن تكون مسودة وخادمة.

الطبيعة العمياء لم تصنع بشرًا ولا فأرًا ولا ضفدعة، والتطور لم يصنع ذلك، هكذا يعتقد جميع أصحاب وأتباع الديانات السماوية.

أما الفقرة الأخيرة فأشم منها روائح الاستعمار العفنة، والتي تزكم الأنوف، وكان بالإمكان أن تكون العبارة هكذا (... لذا من واجب الأمم المتقدمة والمتحضرة، أن تساعد وتعاون الأمم الثانية، وتأخذ بيدها ) لا أن تستعبد وتنهب خيراتها ومواردها.

القضية الأخرى: لا نصدق أن هناك أممًا أرقى وأصلح بالطبع، إذ لا دليل على ذلك، وكل جنس -وكل أمة- واتته فرصة تحضر اهتبلها وتقدم، ولو درست حضارات العالم قديمها وحديثها، لوجد مصداق ذلك.

كذلك لا نسلم ولا نصدق بوجود أعراق شريفة وأخرى وضيعة، إذ لا مقياس للشرف والوضاعة، وكل أمة يمكن أن تصف نفسها بالشرف، وعدوها بالوضاعة. فما مقياس الشرف والوضاعة، لدى تلاميذ المعلم (دارون ) ؟

ثانيًا: العامل الجغرافي:

الإنسان قديمًا كان يسكن ويعيش قريبًا من الماء، ليتزود منه ويسقي حيواناته وزرعه، أما اليوم فلديه آلات تدفع بالماء بعيدًا، ويبدو أن الواقع القديم حمل البعض من مفسري التاريخ، ومن الراصدين للتحضر، للربط بين التحضر والموقع الجغرافي، فجل الحضارات القديمة قامت في أحواض الأنهر، فجاء من يعتبر العامل الجغرافي ذا أثر بالغ في التحضر، ومن هنا راح يدرس الأرض وتضاريسها، والموارد وحجمها. ثم عرج البعض على المناخ، ليصل في النهاية إلى أن هذه العوامل تشق لأصحابها طريق التحضر، وسبل التمدن، وهي تفرض على أهل القطر السير في مقدمة القافلة أو مؤخرتها، وبفضل هذا العامل اختلفت الحضارات.

ولما كانت طبيعة الصحراء مثلًا تختلف عن السهول، لذا فحضارتها تختلف كذلك.. وهكذا تختلف البلاد الجبلية عن الأرض السهلة فتختلف حضارتهما، كذلك تساهم وفرة المياه وشحها، حرارة الأرض وبرودتها، جفافها ورطوبتها...إلخ.

لقد ركزوا على العامل الجغرافي، لكنهم عادوا فاختلفوا، فمنهم من قدم المناخ، فجعله العامل الأول، ومنهم من قدم الأرض وجدبها وخصبها، ليأتي من يتعلق بالطرق والمسالك...

ولا يمكن إنكار أثر العامل الجغرافي في تكوين وتلوين الحضارة، لكن العيب الكبير يتمثل هنا بتجاهل الإنسان، وهو صانع الحضارة، فالحضارة أولًا جهد بشري، يستخدم فيه الإنسان المواد المتوفرة، لذا لم تقم الحضارة في جميع أحواض الأنهر، بل في بعضها دون بعض، كذلك نجد بلادًا كثيرة الأمطار، غنية الموارد، الشمس مشرقة فيها طوال العام، ومع ذلك مازالت تنتظر دورها في الحضارة، والذي قد يطول قرونًا.

هذه اليابان مساحتها بقدر مساحة بعض البلاد العربية، ثلاثة أرباع أرضها جبلية، مناخها قاري، حار صيفًا، بارد شتاءً، مواردها شحيحة، يعيش فيها أكثر من (125 ) مليون من البشر.. وبفضل الإنسان الياباني، فقد تخطى كل المصاعب، فكان هذا البلد مثالًا للإنسان الجاد المنتج المتغلب على المصاعب.

لقد عوض الإنسان الياباني كل نقص في موارد بلده، وهناك شعوب تملك كل الموارد، وتعيش تحت خط الفقر.. فالإنسان قبل الأرض، وقبل المناخ، لأن الحضارة صناعة بشرية، قبل أن تكون شيئًا آخر.

ثالثًا: العامل الاقتصادي:

يعتقد الماركسيون أن العامل الاقتصادي، هو المؤثر والموجه للأحداث، ومنها التحضر، فكل العلاقات الاجتماعية والتشريعات والنظم والدين، كلها تتأثر بالعامل الاقتصادي، نشوءًا وتطورًا، وهو (الباعث ) لكل مكونات المجتمع، الفكرية والمادية، وكل عامل آخر فهو ثانوي.

فالعلاقات الاقتصادية التي تتمثل بها أساليب الإنتاج هي الأساس، وكل تغير في أشكال الحضارة فهو عائد في أصله إلى تبدل في وسائل الإنتاج، وليس لشيء آخر.

وقد كتب (ماركس ) رسالة إلى (ف.أنتكوف ) عام 1846م تصور خلاصة فكره، وما توصل إليه بشأن الإنسان وحريته واختياره، لقوى الإنتاج فقال (1) : (... ما المجتمع أيًا كان شكله؟ إنه وليد النشاط المتبادل الذي يقوم به الناس ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت