فهرس الكتاب

الصفحة 1661 من 1942

إن الكثير من المهندسين في بلداننا يواجهون، عقب تخرجهم في الجامعة، وحصولهم على درجتهم العلمية، تحديًا مباشرا عندما تسند إلى الفرد منهم مهام أساسية تجعله في موضع كبير من مسؤولية اتخاذ القرار، بجانب الإشراف على مجموعة من مهندسين وخبراء، من داخل وخارج الحدود، فالحاجز النفسي الذي يفصله عنهم يجب إزالته؛ لأن رصيده الأساسي وثروته الحقيقية، هي الخبرة العملية، التي يستطيع اكتسابها خلال فترة احتكاكه بهم، إذا تنازل قليلًا عن كبرياء المنصب، دون تفريط في مسؤولياته؛ لأن مهندسًا لديه عشر سنوات من الخبرة العملية المكتسبة، أفضل بكثير من مهندس حصل حديثًا على درجة الدكتوراه في الهندسية بدون خبرة عملية، ذلك لأن استفادة الوطن من الخبرة العملية للأول لا تقدر بثمن وهذه الحقيقة تقودنا إلى رصد ظاهرة نلمسها عند بعض العاملين في الحقول العملية كالبلديات، والإسكان، والمواصلات، والطرق، وهي اختيارهم لبعض المشكلات التي واجهتهم في الحقل، ثم مسارعتهم الخطى إلى جامعة خارج الحدود ليتقدموا لها بتلك المشكلات من أجل الحصول على الدكتوراه، وكأن الدكتوراه أصبحت غاية في حد ذاتها؛ إذ تجر بعض هؤلاء في مراكز مرموقة لن تزيدها الدكتوراه سموقا.

هذا الحديث ليس موجها ضد الاستزادة من العلم والمعرفة، والوصول عن طريقهما إلى أعلى الدرجات، لكن المقصود منه هو التأكيد على أهمية الخبرة العملية، وتفضيلها على درجة الدكتوراه بدون خبرة عملية في الحقول الهندسية، للذين سوف يمارسون المهنة على وجه الخصوص، مهما كان البريق الاجتماعي للشهادة؛ لأن المكان الطبيعي لحملة الدكتوراه هو الجامعة، أو معهد البحوث، والحديث عن الدكتوراه يقودنا إلى المطالبة بتغيير مفهومها السائد في عالمنا العربي؛ لأنه أصبح مفهومًا معوقا للعلم والتعليم وللتنمية، ولابد من إعادة صياغته، وربطه بفعالية إنتاجية محددة على خريطة المهام الوطنية وذلك لكي لا يصبح الحصول على درجة الدكتوراه هدفا في حد ذاته، وحتى تقل الهالة الاجتماعية التي تحيط بهذه الدرجة.

التوازن بين ما هو زينة وما هو وظيفي

لا يعني ما أسلفنا أن على المهندس أن يجعل من نفسه مطية لتحقيق عالم أشياء سريع في خطاه .. فيحقق للمجتمع كل ما يريد، من غير أن يحمل في أعماقه غربالًا حضاريًا يساعده على عمليات الانتقاء، والاصطفاء، فيفرق بين ما هو زينة، وما هو وظيفي، ويميز بينهما، فلا يحرص على الأولى أكثر من حرصه على الثانية.

لنأخذ لهذا مثلا في الهندسة المعمارية حيث يحرص على التصميم الأمثل؛ من حيث تحقيق الجوانب الجمالية والحضارية. وإذا كان له أن يبرز في تصميمه الناحية الزخرفية التي تحقق أهدافا جمالية فإننا نطالبه بالحرص نفسه على الجوانب الوظيفة والعملية التي تؤكد خصائص مجتمعه. بمعنى أنه يؤكد على الاستخدام الحضاري الأمثل للتصميم، بما يتمشى مع طبائع الأشياء. وإلا فما معنى أن يصمم مسجدا ـ مثلا ـ على أحدث طراز، وينسى أن يحقق وظيفته الأساسية، وما يخدمها من أماكن مريحة ومجهزة للوضوء مثلا.

فالمهندس يجب أن يحمل في قلبه رؤية اجتماعية واضحة، يميز بها بين الغث والسمين، ويحرص من خلالها على الانتقال بأمته من حالها التكنولوجي المتخلف إلى حال أحسن وأرقى.

بإيجاز نقول: إن دور المهندس في صياغة الحياة دور أساسي وهام، وليس أدل على ذلك مما كتب ابن خلدون في مقدمته من أن أشياخه كانوا يعلمونهم الهندسة لأن الهندسة كالصابون، يغسل العقل من الأوساخ وينقيه من الأضرار. ولقد قيل: أن أفلاطون كتب يافطة على باب داره: (( من لم يكن مهندسا فلا يدخل بيتنا ) ).

إن ابن خلدون وأفلاطون يعلقان هنا على المنهج التحليلي الذي يحمله المهندس في عقله، فلا جدال بأن دراسة الهندسة دراسة تفيد العقل، وتعطيه قدرة رائعة على مواجهة المشاكل الجدية.

ومن هنا فان للمهندس أدوارًا متعددة:

-فهو الذي يحقق للمجتمع رغباته في عالم الأشياء.

-وهو الذي يصون هذا العالم ويطوره ويقلده ثم يبدعه خلقا آخر.

-وهو بحكم العقلية التحليلية التي تعيش في جنباته، قادر على المشاركة في صياغة حياة عقلانية معاصرة.

-ثم إنه بحكم عمله الإنشائي، تبهره كل يوم آيات الله في نفسه، والكون، والحياة فيشعر بالجمال والكمال، وينساب ذلك كله في إشارات روحية إبداعية يغني بها حياة أمته.

محنة المسلم مع حضارة عصره

دوائر المحنة:

-الانبهار بحضارة العصر حتى الغشاوة، واللهث خلفها حتى الإعياء.

-الإفراط في التغني بالماضي التليد.

-خمول العقل المسلم وغيابه عن مجريات الأحداث.

شروط الخروج من المحنة:

-الإنسان ركيزة التطور وهدفه.

-تحقيق الذاتية في التطور ومن خلاله.

إن ما ذكرناه في الفصل السابق عن الضغط المتواصل، والتأثير الديناميكي المستمر الذي تتعرض له أمتنا من حضارة العصر التي ما كانت لتسود العالم وتحكمه ويتحكم أصحابها بمجريات الأحداث فيه، لولا سلطان القوة التي تمتلكه، بما تنتجه مصانعها من وسائل ومعدات، واكب العلم فيها التقنية، وبما تذخر به نظمها الحاكمة في مجالات السياسة، والاقتصاد. والاجتماع، والفكر، والإدارة من إبداعات. عن الضغط الحضاري وتأثيره الديناميكي يقوم دليلا واضحا أن على أمتنا أن تعقد العزم للتصدي لهذا الضغط الموجه نحوها، من حيث تعلم ولا تعلم، وأن تقف من ذاتها بإصرار وحزم موقفا صادقا لا تبالغ إن هي رددت فيه عبارة شكسبير الشهيرة.

نكون أولا نكون؟! .. ذلك هو السؤال.

ولا تكتفي بالإجابة على هذا السؤال، بل عليها أن تحدد على أي حال حضاري تكون؟! ومن أين تبدأ.

لقد آن لنا ـ نحن المسلمين ـ أن ندرك أن الحضارة المعاصرة بتقنياتها ونظمها وهما مصدر سلطانها وقوتها، أصبحت تشكل ـ بحق ـ تحديًا مباشرًا للإنسان المسلم، وأسلوب حياته جدير به أن يتقبله، ويسعى ما وسعه الجهد لمواجهته، فالنظم الاجتماعية والاقتصادية والفكرية الوضعية التي ترتكز عليها تلك الحضارة، والتي يحمل بعضها في ثناياه تعارضًا جذريًا مع أمر الله وشرعه، تضغط بقوة على المجتمع المسلم أيًا كان، وتحيط به من كل جانب، وتلك محطة لا يستطيع الفرد المسلم أن يجتازها إلا بحرصٍ شديد على ذاتيته وتمسكٍ تامٍ بخصوصيته، مع البحث المستفيض والجاد عن البدائل الإسلامية الفاعلة، لما تفرضه حضارة العصر من حلول لمشكلاته، وما تقدمه من خيارات قد لا تتطابق مع التطلعات والأشواق الروحية للأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت