والحرص على الذاتية، والتمسك بالخصوصية، يتمثلان في المحافظة على القيم، والمبادئ، والأسس النابعة من عقيدة التوحيد، التي يجب أن يدين لها، ويلتزم بتطبيق تعاليمها، ويصوغ حياته على منهجها، لأنه إن هو فرط فيها فَقَد تميزه، وافتقد ذاتيته، وعاد كأي إنسان في هذه الدنيا ذهب يبحث عن مخرج من تخلفه فلم يجد إلا طريق الحضارة الغربية المعاصرة، وما تفرضه من نظم، وقيم ومبادئ، وسلوك، ومعاملات فاعتنقها، وأصبح سجين دوامتها بكل ما لها وما عليها، لا يقدر على الفكاك منها، ويجد نفسه ترسًا في آلتها لا يستطيع الخلاص منها، فتلونه بلونها وتشكله بشكلها، وتطبعه بطبعها، وقد تدعوه إلى التفسخ من قيمه فلا يتردد، وتدفع به إلى التحلل فلا يقاوم، كما نرى ذلك واضحًا عند بعض أفراد المجتمعات النامية التي عرفت طريقها إلى الحضارة الغربية دون ضوابط، وبدون انضباط، فاعتنقتها واستبدلت تلك الحضارة من سلوك، وأفكار، ومعتقدات اجتماعية، بما تدين به من قيم، وفلسفة، ومبادئ، وأصالة، فأصبح إنسان تلك المجتمعات كغراب يقلد مشية الحمامة، فلا هو نسخة كاملة من إنسان الغرب، ولا هو بقي على حاله محافظًا على كيانه، ومؤكدًا انتماءه، ومعتزًا بشخصيته.
إذن فمعاناة الإنسان المسلم الحقيقية مع حضارة العصر تبدأ يوم يفقد ذاكرته الحضارية، ويتخلى عن ذاته ويقطع صلته بقيمة الفاعلة، والصالح من تراثه فتزول مقاومته، وتقل مناعته، ويرتمي في أحضان السيئ من السلوك، والمعوج من المبادئ والقيم، باسم التقدم والتطور، والتقدم والتطور من كل ذلك براء.
دوائر المحنة
من هذا نخلص تحديدًا إلى أن محنة الإنسان المسلم مع حضارة عصره تتركز في دوائر ثلاث متصلة، هي في تقديرنا:
أولا: الانبهار بحضارة العصر لدرجة الغشاوة، واللهث خلفها حتى الإعياء
وكل هذا دفع به إلى التقليد والمحاكاة ليجد نفسه في نهاية المطاف منقادًا طواعية إلى الرضوخ لسلطان تلك الحضارة فيصبح تابعا لها. تأمر فيطيع.
ولكن إلى متى سنظل ـ نحن المسلمين ـ هكذا عالة عليها، مبهورين بها، مشدودين إليها؟ إلى متى سنظل هكذا مستخدمين لمنتجاتها، ومستهلكين لبضائعها؟ إلى متى سنظل هكذا أسواقًا لمظاهرها، ومستودعًا لما تقذفنا به من أشيائها وتطرحه في أسواقنا من منتجاتها؟ ! أسئلة حرجة آن لنا أن نوجهها لأنفسنا بصدق وإصرار، حتى يمكننا أن نبحث عن الإجابات المحددة، والواضحة لها.
لا بأس إن ينبهر الإنسان بالجديد عليه، ولا تثريب أن يندهش بالغريب عنه، فتلك جِبِلّة الإنسان أينما كان، فالانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة صورة واقعة وحقيقة لا تنكر من شعوب العالم النامي .
ولا عيب في هذا بذاته، إنما العيب في نظرنا أن يسيطر الانبهار على الفرد والأمة، فتغشى الأبصار، ولا ترى إلا بمنظور تلك الحضارة، وتتوقف العقول، فلا تفكر، إلا اعتمادًا على عقول تلك الحضارة، فيسقط التبصر، ويمحى التفكير، وتلهث الأنفاس خلف (( عالم الأشياء ) )في الحضارة الغربية، ولا تهدأ حتى تنال بغيتها منه، دون أن تسهم في صنعه أو تشارك في إنتاجه.
إن الحق كل الحق أن نعترف بأن هناك فجوة ملحوظة ـ يخشى اتساعها مع الزمن ـ بين تراث الأمة الإسلامية وتاريخها المجيد يوم قادت العالم إلى النور، وبين ما تعيشه من واقع متخلف، وأمية حضارية تعتبر امتدادًا لأميتها الأبجدية، في الوقت الذي تنفجر فيه المعرفة والعلم ، ويحلق فيه إنسان العصر في آفاق رحبة من الإبداع والابتكار.
إننا بهذا الاعتراف ننتصر لأنفسنا على أنفسنا، ونقر: بأن البناء الحضاري، ومظاهر التقدم ما هي إلا محصلة تفاعل الأمة والمجتمع مع البيئة بجميع ما فيها من قيم ومبادئ، وسنن وقوى، وموارد مادية وبشرية، مثلما أن رسوخ البناء الحضاري ما هو إلا تعبير أصيل عن قيم الأمة، وتجسيد حيُ لكيانها العقدي والنفسي، والفكري ، والسلوكي، وبقاء الحضارات وديمومتها رهن دائما بوجود هذه القيم، وديمومة تلك المبادئ تلك المبادئ.
ثانيا: الإفراط في التغني بالماضي التليد كرد فعل غير مباشر لذلك الانبهار
مما يقود المسلم المعاصر ـ في عمومه ـ إلى الاتكاء على مخدة التراث فيروح في سبات عميق، لا يحس بما حوله ومن حوله، من متغيرات، وما يحيط به من تحديات، وعندما يستيقظ ـ إذا شاءت إرادة الله له أن يستيقظ والثقة بالله كبيرة ـ سوف نجده مندهشا للتطورات التي أخذت بعناق مجتمعه، وأحاطت به من كل جانب، ولأن تلك التطورات حدثت أثناء فترة نومه، فإذا لم يستطيع أن يستوعبها يبدأ في مقاومتها، والقدح فيها، بدلًا من أن يحتويها، وينقيها عن شوائبها، ولأن الزمن كفيل بحل الكثير من المشكلات تكون النتيجة في غير صالحه، لأن الزمن دائم الحركة كنهر متدفق لا ينتظر المنكفئين، ولا يهتم بالحائرين، ولا يتوقف من أجل الحالمين.
وبقدر اعتزازنا وفخرنا بتراث أمتنا وتاريخها المجيد، إلا أنه لا يضفي التغني به علينا هالة من شرف، ولا نوعا من تقدم، ولا شيئا من حضارة طالما بقينا نعيش على أطلاله، ونتخذه تكأة نجلس عليها في ساحات الفخر البالي، والحماس المهترئ ومواقع التراخي ، والاستسلام لأحلام الماضي، واليأس المريح.
دعونا نعترف بشجاعة وصدق أننا ـ نحن المسلمين ـ لا نملك اليوم حضارة تحمل سماتنا، وتعبر عن هويتنا، ولكننا نعيش في ظلال حضارة أقامها الأجداد، متمثلة في التراث العريق الذي ورثناه، ولم نبذل الجهد الكافي، ولا الجدية المطلوبة حتى الآن لإحيائه وتقديمه لأمتنا بأسلوب العصر، ليكون أحد مصادر طاقتها ووقود مسيرتها نحو مبتغاها من التطور والتقدم والنهضة.
توقفنا عند نهاية المسيرة لتراثنا، بينما عكف الغرب في فترة انحطاط المسلمين التي صاحبت ذلك التوقف ـ على علومهم ونهل من معارفهم، وأسس على بذورها وبأنفاسها قلاعه الحضارة الشامخة، التي ما فتئ يرفع من ناطحاتها، ويعلي من سوامقها من خلال كشوفه ومخترعاته، في مجالات العلوم والتقنية، والمؤسسات والنظم التي غمرت العالم كله، من مشرقه إلى مغربه، بمنتجاتها السريعة إلى الحد الذي يثير ـ عن جدارة ـ الانبهار والإعجاب بأصحاب هذه الحضارة. هذا هو الوجه الإيجابي لها، والذي يشكل في ذاته تحديًا رهيبًا يزيد في عمق الفجوة الحضارية بيننا وبينه، يجب أن نسعى جاهدين لعبورها.
أما الوجه الآخر لها فإنه سلبي وقبيح يتمثل في أن أصحاب الحضارة الغربية يتوسعون دائما في منتجاتهم، ولم لا فقد قامت حضارتهم على الغزو والتوسع، وفتح الأسواق لمنتجاتهم، إنهم ينتجون كل يوم جديدًا، ويصنعون كل يوم سلاحًا يدعوهم إلى بيع القديم، يشعلون من أجله حروبًا في العالم، إن لم تشتعل بنفسها، وإن خمدت زادوها نارا وأججوها. هذا الاستعمار الجديد القوي لم تكفه الفجوة الحضارية بيننا وبينه، بل يحاول أن يجهض كل مشاريع التنمية الإنتاجية في بلدانا، ومن هنا تعيّن علينا ـ ونحن في حال لا نحسد عليه، بين مطارق التسارع الحضاري من جانب، ومحاولات الإجهاض لتوجهاتنا من جانب آخر ـ تعيّن علينا أن نقف موقفًا صريحًا، وصامدًا، ومضاعف الجهود من الحضارة الغربية، وما تمثله.
إننا لا نستطيع أن نعيش بعزله عن عالم اليوم، بكل ما فيه من حضارة وتقدم، وبجميع ما فيه من إنجازات هائلة، عمقت الفجوة الحضارية بيننا وبينه، وواقع هذه الفجوة إنما يفرض علينا تحديات لامناص منها، ولا مفر عنها، إذا كنا فعلًا على المستوى اللائق من الإحساس بها، وإذا كنا فعلًا جادين في رغبتنا في تضييق هذه الفجوة، وفي تجاوز هذا التخلف التقني القاتل.