فهرس الكتاب

الصفحة 1663 من 1942

ثالثا: خمول العقل المسلم وغيابه عن مجريات الأحداث

إن ما أصاب العقل المسلم من ركود وخمول، بل وغياب تام، عن مجريات الأحداث في المجتمعات المسلمة، ترتب عليه خروجه من دوائر التحدي، والاكتفاء بالمشاهدة، فأسقط بذلك عن نفسه المسلمة واجب التكليف، الذي فرضه الله على الإنسان لعمارة الأرض عندما استخلفه فيها. إذ أن ما نلحظه بوضوح في مسيرة مجتمعاتنا اليوم أنها تعيش بالحد الأدنى من التفكير والتنظيم، وأن افرادها ـ في مجموعهم ـ يتعايشون مع واقعهم بشيء من اللامبالاة، وبقدر من عدم الاهتمام، إلى جانب الأنانية الفردية، التي عادةً ما تقود الشخص إلى التمسك بما يملك من فكر ، أو رأي ، أو خبرة، أو حتى متاع الدنيا، ويحرص على الاكتفاء بأدنى ما يستطيع من المشاركة في إنتاجية مجتمعه.

وإن من العدل والإنصاف أن لا يعمم مثل هذا القول على كافة أبناء الأمة الإسلامية، بل إن من الواجب الإشادة بفئات من أبناء أمتنا في مختلف أقطارها آمنت بصدق وعملت بجد، وجاهدت بعزم، وأعطت بسخاء فجاء الإيمان والعمل، والجهاد والعطاء، على قدر ما وقر في القلوب والأفئدة من صدق، وجد، وعزم وسخاء.

والذي يعنينا تشخيصه وتحديده بدرجة أساسية هنا هو الخمول، والركود، والكسل الذي أصاب المجتمعات الإسلامية في مجموعها، فغدت تابعة بعد ان كانت متبوعة، وأصبح العقل البشري فيها لا يتفاعل مع الحياة من حوله.

-فلا عاد يهتم ببحثه، وإن اهتم ففي أضيق الحدود.

-ولا المفكر عاد يدلي بفكره، وإن فعل فبكلمات وتعابير غامضة.

فما الذي أخرج العقل المسلم من دائرة الاهتمام بأمته واعتقله في دائرة الاهتمام بالذات، وجعله يتصف باللامبالاة؟ هل هو قصور الإمكانات الذي نسمع بعضهم يتحدث عنها؟ أو هو انعدام حرية التفكير التي تقيده عن الحركة؟ أو هما معا؟ أو أن هناك أسبابًا أخرى؟!

أسئلة نتركها بلا إجابة، لأنها تحتاج إلى دراسة موضوعية، تظهر الحقائق، وتحدد الأسباب، لكن الذي لا نتركه، بل ونؤكده هو أن غياب المسلم من على مسرح الأحداث جعله يعيش المحنة بكل أبعادها، وصدق أبو الاقتصاد الياباني (دوكو ) (1 ) عندما عبر عن دور العقل فيما تشهده الإنسانية من تطور وتقدم بقوله:

(( إن هذه التطورات الهائلة تدل على عظمة العقل الإنساني، وأن المصدر الحقيقي لكل شيء، هو هذا الجهاز الأعجوبة الذي على كتفيك. إنه المخ الإنساني وإلى هذا المخ الإنسان يجب ان نتجه بأفكارنا، فإذا عرفنا المخ الإنساني، وهو المصدر الذي لا ينفد للإبداع، فكل شيء بعد ذلك هين تماما، وهذه هي البداية لكل عمل عظيم، أو مجتمع يريد أن يكون عظيما ً ) ).

ويؤكد (( دوكو ) )على أهمية العقل الإنساني، وعظمة خالقه في كلمات قليلة ولكنها بليغة فيقول: (1 )

(( عندما يولد الطفل يكون مخه مكونًا من عشرة آلاف خلية، هذه الخلايا منفصلة بعضها عن بعض، ولكن هذه الخلايا لا تستطيع أن تعمل وحدها، لابد أن تتشابك وأن تتماسك، بل إن هذه الخلايا تشبه الأيدي عندما تتداخل أصابعها، وتشبه الكباري التي تربط الشواطئ.

والعلاقات المتشابكة، والترابط بين الخلايا، يشبه بالضبط الأسس الأولى لبناء أي مصنع، الآلات الحديدية، والقواعد الخرسانية، ولكن بعد ذلك يجب ان ننتقل من وضع الأساس الضروري إلى التشغيل، وكيفية استخدام الآلات وتطورها بعد ذلك، ولا يمكن أن نصل الى نتائج رائعة إذا كانت العقول الالكترونية رديئة )) .

شروط الخروج من المحنة

تلك هي المحنة بدوائرها الثلاث فهل إلى الخروج من سبيل؟ نعم ولكن بشرطين اثنين:

الشرط الأول:

أن يكون الإنسان المسلم ركيزة التطور والتقدم وهدفه.

الشروط الثاني:

أن تتأكد ذاتيته في التطور والتقدم، ومن خلاله .. وليكن تناولهما بالتفصيل ليتبين المقصود منها.

الشرط الأول: الإنسان ركيزة التطور وهدفه:

للإنسان في المشوار الحضاري مكانة هامة، وعليه واجبات جسام، وإذا كانت الحضارة تتجه إليه بجوهرها، وفنونها وعلومها،وآدابها، وقيمها وسلوكها، وكل ما يتمخض عنها، وتنطلق منها وبها ـ وهذا أمر طبيعي على أي حال ـ فإن الهدف الأول من مناهج التطور، وخطط التنمية، واستراتيجيات التقدم ، يجب أن توضع بحيث توجد منه إنسانًا سويًا متوازنًا، فتشحذ فعالياته، وتقوي عزائمه، وتعبئ طاقاته، ليؤدي دوره، ويقوم بواجباته، لأن الإنسان النامي يختلف في متطلبات حياته، وفي حوافز نشاطه، ومنطلقات طاقته، عن الإنسان المتطور، الذي بلغ بمجتمعه قمة الحضارة، وبلغ به مجتمعه شموخ التحضر، في حين نجد أن إنسان التنمية يعاني من قصور ملموس في الخدمات الأساسية، ومتطلبات الحياة الكريمة في الوقت الذي يجد نفسه فيه مطالبًا بأن يعمل بجد وجهد فائقين، لتحقيق خطط التنمية، حتى توفر له ما هو أكثر من الخدمات الأساسية، وما هو أبعد من المتطلبات الضرورية هذا إلى جانب أن واجب إنسان التنمية المسلم السوي أن يبتعد عن كل ما يمس الصالح من قيم مجتمعه، من تصرفات وعادات، لها ما لها من بريق الحضارة، وانبهار التقدم، وعليها ما عليها من تفسخ وانحلال يدعوان إلى تحطيم المجتمع، وانهيار أسسه الصالحة، وركائزه السليمة، وهو إن فعل هذا فإنه يبعد عن مجتمعه ما يقوض أركانه، ويهز جذوره، فيعيش المجتمع المسلم معافى من أمراض الحضارة، سليمًا من خبائثها وشرورها، والعاقل من اتعظ بغيره.

الشرط الثاني: تحقيق الذاتية في التطور ومن خلاله:

يتفق علماء التنمية ومختصوها على أن مسيرة التنمية في أي مجتمع لا تكون راسخة الأركان، عميقة الجذور، وفائضة المردود، ما لم تكن نابعة من ذاتية ذلك المجتمع، متطابقة مع تصوراته، متمشية مع احتياجاته، لأن تبني أفكارًا تنمويةً غريبةً عن مجتمع ما، وصبها في القوالب الاجتماعية لذلك المجتمع لا يأتي بخير، ولا يفضي بالنتائج المرجوة.

كما أصبح من المؤكد، أن التنمية لا تخدم مجتمعها إلا إذا تمت داخل إطاره الاجتماعي المحدد، الذي يعكس قيمه، وأخلاقياته، ومبادئه، وعاداته، وتقاليده، وطرق معيشة أبنائه، وكل ذلك لابد أن يلعب دورًا أساسيًا في صياغة فكر التنمية، وذهنية مخططيها.

لذا يظل البعد الاجتماعي للتنمية والتطور في المجتمع المسلم، مسئولية أبناء ذلك المجتمع من المختصين، لأن ما يترتب على خطط التنمية من تحولات سلوكية متوقعة، وتغيرات اجتماعية منتظرة، ما كان منها على مستوى الفرد، أو الجماعة، أمر هام يحتاج إلى رصد، وتحليل، ومتابعة، لا يكون قادرًا على تحقيقها إلا أبناء المجتمع. وإذا اقتضى تنفيذ بعض المشروعات التنموية استقدام خبراء ومختصين أجانب، فإن الواجب يفرض أن تفرغ المشروعات تلك من محتواها الاجتماعي ليتولى المواطنون المختصون معالجته، لأنهم على فهم تام لصفات ومميزات، وعادات مجتمعهم، بحكم أنهم جزء منه، وبالتالي تأتي استشاراتهم في قضاياه الاجتماعية أبعد عمقًا، وأنفع علمًا، وأكثر إدراكًا، ويترك للمختصين من الأجانب التصرف في الجانب التقني البحت بما تميله طبيعة كل مشروع؛ لأن الخبير القادم من خارج الحدود تكونت معادلته الاجتماعية، وخلفيته البيئية، في مجتمع بيئته مختلفة تماما عن بيئة المجتمع المسلم، برغم كل ما أوتي من عبقرية، وعلم، وقدرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت