وإذا ما دققنا النظر فإننا سنلمس حقيقة أن حالة الإنسان النفسية والروحية إذا انعدمت فيها تلك الخصال الحميدة،وهي الغيرة وروح التحدي، ومقاومة الأخطار المداهمة، فلا جدوى بعد ذلك من التضحيات والمزيد من العطاءوالدمار. أما إذا توفّرت فيه تلك الخصال، فإنه ومن خلال مبادرته إلى التحدي سيكون بمقدوره منذ أول مرة أن يبعدالعدو ويجنّب نفسه المخاطر دون أن تكون هناك حاجة لأن يبذل المزيد من التضحيات والعطاء.
التحدي سبيل الحضارة
إن العامل الذي يغير وجه حياة الإنسان ويرتقي به إلى الحضارة، هو التحدي والإرادة، والثقة بالنفس. وفي هذا الإطاريذكر التاريخ أنه في عهد آل عثمان قام وفد تركي بزيارة إلى فينا، وكان هذا الوفد يتألف من خمسين خبيرًا اطلعوا على ما يجري هناك من تقدم، ورأوا بأم أعينهم عظمة ذاك التقدم، ولكنهم كانوا فاقدين للغيرة والحمية، فرجعوا إلى بلادهم ميتي الإرادة، عديمي الثقة بالنفس، ولم يعملوا على تغيير واقعهم المرير، واستمروا على ذلك الحال الذي يرثى له، ولذلك استطاع الأوروبيون غزو الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، فتقاسموها فيما بينهم، وسبّبوا تلك المآسي التي مازلنا نعاني من آثارها إلى اليوم.
إن السبب الحقيقي في هزيمتنا لا يعود إلى قوّة الغرب وتقدمه فحسب، بل ربّما يكون النصيب الأوفر منه عائدًا إلينا نحن؛فالكل له نصيب في التقصير، وما نعانيه اليوم ونقاسيه ما هو إلا حصيلة التقاعس وانعدام الإرادة والاهتمام، فالجميع قدقصّر بحق هذه الأمة المطعونة من كل جانب.
ترى بماذا نختلف عن اليابانيين الذين كانوا هم أيضًا متخلفين وجاهلين بأنواع العلوم والتكنولوجيا؟ إن السر يكمن في أنهم اتصلوا بالغرب، واطّلعوا على الاكتشافات العلمية التي توصّل إليها، فأخذوا هذه التكنولوجيا، والمعرفة العلميةالمتقدمة، حتى أصبحت اليابان اليوم المنافس الأول للبلدان الغربية، بل وربما فاقتها بالتقدم العلمي والتقني، إذ استطاع اليابانيون أن يصنعوا عقولًا إلكترونية بإمكانها إجراء مائتي مليون عملية حسابية خلال ثانية واحدة.
فياترى ماذا ينقصنا نحن الذين نستورد من الغرب حتى إبرة الخياطة، ولم كل هذا التخلف والانهزام؟ فاليابانيوين لم يصلوا إلى تلك الدرجة من التقدم والحضارة عبر البترول.
حاجتنا إلى التحدي والتصدي
إن السبب الحقيقي هو الإرادة والتحدي لا غير، وهذه الصفة هي التي تنفعنا، وبسبب عدم وجودها فينا، حشرنا في زاوية المتخلّفين. فنحن بحاجة إلى تلك الإرادة، وذلك التحدي والهمّة والغيرة التي كان أسلافنا يتمتعون بها في العصورالسابقة، وأما أحرى بنا أن نقرأ قول الإمام علي عليه السلام ونستوعبه عندما يقول في خطبته الجهادية المعروفة: (واغزوهم قبل أن يغزوكم، فو اللَّه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا) (19) .
فكيف يمكن للإنسان أن يركن إلى الجلوس في بيته تاركًا العدو يغزوه، ويدخل عليه بلاده، أو ليس هذا العدو سيدخل البيت بعد أن يدخل البلاد؟
إن روح الإسلام هي روح التحدي، وعلى سبيل المثال، كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يأمر السرية بأن تهاجم قافلة قريش خلف مكة، والمسافة آنذاك بين مكة والمدينة كانت شاسعة قياسًا بوسائط النقل آنذاك، ومع ذلك لم يترددوا من تنفيذهذه المهمة، فراحوا يداهمون قوافل قريش التجارية، كخطوة لفرض لحصار الاقتصادي على المشركين، ومن ثم عادواإلى المدينة المنورة مع الغنائم!
إن هذا هو إحساس التحدي والعطاء، والشعور بالمبادرة، والغيرة، والنظرة الى المستقبل البعيد.. إن أعداءنا يزعمون الآن أن بإمكانهم بدء الهجوم المضاد علينا حسب تحليلهم ونظرتهم إلى أوضاعنا؛ فالمستكبرون كانوا قد أصيبوابالهزيمة النفسية بالإضافة إلى الهزيمة السياسية من خلال التراجع أمام المدّ الإسلامي عند انطلاقته، ولكنهم بدؤوا اليوم بوضع حسابات جديدة وفق تصوّر وتحليل تبلورا في أذهانهم.
ونحن علينا أن نتحدى ونقاوم كل هذه الحسابات والمخططات الجديدة من خلال الإمساك بزمام المبادرة، وعدم الاستلام والضعف والهزيمة وخوار الهمة، لأن استسلامنا يعني - بالتأكيد- موتنا، واندثار قيمنا ومبادئنا وحضارتنا،وهذه سنة إلهية لا تغيير ولا تبديل فيها.
الرؤية الشاملة في الحضارة
لكي نستفيد أكثر فأكثر من تعاليم ديننا الحنيف لابد أن نكوّن في أذهاننا تصوّرًا شاملًا لهذا الدين، وتلك التعاليم، ونحن إذا ما حصلنا على هذه النظرة الشمولية إلى الإسلام، وهذه البصيرة التفاعلية إلى مجموع الدين، فإننا سوف نتقيّدبتعاليمه تقيدًا أكثر، لأننا نعلم أن المجموع سيظل ناقصًا بفقدان أي جزء منه.
وبناء على ذلك؛ فإن خللًا بسيطًا في أي عمل من أعمالنا العبادية من الممكن أن يؤدي إلى انهيار عباداتنا كلها، وعدم قبولها من قبل الخالق تبارك وتعالى، فكلمة غيبة واحدة من الممكن أن تذهب بصومك فلا تحصل من هذا الصيام سوى على الجوع والعطش. فعلينا أن لا نستهين بهذه الكلمة إذ مثلها كمثل قطرة دم سقطت في حوض ماء الورد فجعلته نجسًامهما كان حجمه كبيرًا.
فقد روي عن جابر، عن أبي جعفر (الإمام محمد الباقر) عليه السلام قال: أتاه رجل فقال: وقعت فارة في خابية فيهاسمن أو زيت فماترى في أكله؟ قال: فقال له أبو جعفرعليه السلام: لا تأكله. فقال له الرجل: الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها. قال: فقال له أبو جعفرعليه السلام: (إنّك لم تستخّف بالفأرة، وإنما استخففت بدينك ) (20) .
وهكذا؛ قد يؤدي ذنب صغير كالعجب، والكبر، والاستهزاء بالناس، وإفشاء أسرار الآخرين إلى ضياع عمر من العمل الصالح. وعلى العكس من ذلك فقد تؤدّي كلمة طيبة، أو نصيحة مخلصة، أو عمل صادق، وبالتالي الاهتمام بالجانب الديني إلى محو صحيفة سوداء من الأعمال السيئة.
وروي في هذا المجال عن الحسن ابن الجهم، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: إنّ رجلًا في بني اسرائيل عبد اللَّه أربعين سنة، ثم قرّب قربانًا فلم يقبل منه، فقال لنفسه: وما اُوتيت إلاّ منك، وما الذنب إلاّ لك. قال: فأوحى اللَّه تبارك وتعالى إليه: ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة (21) .
العبادات بأهدافها
إن المطلوب منا لدى صلاتنا هو إيجاد حالة الخضوع في أنفسنا، أما الصلاة التي لا تزيدني خشوعًا، والصوم الذي لاينمّي ملكة التقوى في نفسي، والحج الذي لا يزيد من انسجامي مع سائر المسلمين ولا يجعلني أتبرّأ من الكفار، والجهادالذي لا يؤدي إلى إعلاء كلمة الدين.. كل ذلك لا نفعَ من ورائه.
ومن هنا؛ فإن علينا أن ندرس الدين دراسة جديدة، وأن ندرس تعاليمه من خلال الحكم، والأهداف، والغايات المرجوّة منها؛ والتي جعلت لكل واحدة من فرائض الدين، ولكل تعليم من تعاليمه، وأن ننظر إليه ككلّ ومجموع. فنحن إنما نريد من الدين الإسلامي أن يحملنا إلى المجد في الدنيا، والعظمة، والرقيّ والتطور، ونريد منه في الآخرة أن يكون جسرًا للوصول بنا إلى الجنة.
سورة الحضارة
ونحن إذا نظرنا مثل هذه النظرة الشمولية إلى التعالم الاجتماعية في الإسلام، فإننا سوف نحصل على المفهوم الصحيح للحضارة؛ هذا المفهوم الذي يمكننا أن نستقيه من القرآن الكريم، وخصوصًا سورة المائدة التي هي أساسًا سورةالحضارة الإسلامية، والحكم الإسلامي، وهي السورة التي تبيّن لنا بوضوح الأسس المتكاملة للمدنية الإلهية في الأرض، كما تبيّن من جهة أخرى صفات الجاهلية بكل أبعادها.