فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 1942

كانت المحاولات الأولى في الجغرافيا عند المسلمين قد ظهرت بشكل متواضع جدًا في مطلع القرن (الثالث الهجري - التاسع الميلادي) .. فقد تكوَّن بعدها بنصف قرن ما يُعرف بالجغرافيا الأدبية، وقبل القرن التاسع الميلادي لم تكن هناك مصنفات جغرافية قائمة بمعنى الكلمة، إنما كانت تظهر بين الحين والآخر معلومات جغرافية متفرقة ضمن كتب الأدب.

حتى نشطت الترجمة واطلع المسلمون على أفكار"بطليموس"و"مارينوس الصوري"بدأت سلسلة الجغرافيا العلمية التي سرعان ما تبعتها أنماط متعددة للجغرافيا الوصفية، وفي أواخر القرن الثالث الهجري بدأ ما يُعرَف بالوجيزات الجغرافية في الظهور لمساعدة كتّاب الدواوين، وكان من أهم ما يمثل ذلك الكتاب الذي تصدى لدراسة مشهد الأرض الطبيعي بشكل خاص ويحمل عنوان:"كتاب المسالك والممالك"لابن خردازبة (ت272هـ/ 885م) .. وتلا ذلك وجيزات جغرافية أخرى حتى أصبحت في متناول رجال الأدب ومن ثم عامة الناس، وكان منها:"كتاب البلدان"للجاحظ (159هـ/255هـ) .

2)ازدهار المؤلفات من النوع المبسط:

وكان التطور التالي في القرن (الرابع الهجري - العاشر الميلادي) ، حيث بلغ الأدب الجغرافي ذروته وذلك على أثر ظهور مؤلفات من نوع (المسالك والممالك) ، أي بظهور المدرسة التقليدية للجغرافيين العرب التي كانت على صلة وثيقة"بأطلس الإسلام"الذي يمثل قمة علم المصورات عند العرب، أو علم الخُرُط.. كما حظي التبسيط الجغرافي بترحيب الجمهور الذي أقبل عليه بشغف، وتعددت مناهج وصف الرحلات، و يمكن القول إجمالًا: إن القرن (الرابع الهجري - العاشر الميلادي) كان عصر تكامل الأنماط في المصنفات الجغرافية، حيث تعددت الأسفار الاستكشافية مما زاد من اتساع أفق الجغرافيين الوصفيين، وزادت مع ذلك معلوماتهم دقة ووضوحا.

ففي عام (309هـ/921م) أرسل خليفة بغداد (المقتدر) بعثة إلى بلغار الفولغان وعهد إلى"ابن فضلان"بكتابة تقرير عن أخلاق شعوب تلك المنطقة.. وقد ظل هذا الكتيب حتى القرن الثاني عشر الميلادي أفضل مصدر وثائقي يملكه المسلمون عن الروس وعن سكان بحر الخزر (قزوين) .

3)التطور الختامي للأنماط الجغرافية:

وكان ذلك في نهاية القرن (السادس الهجري - الثاني عشر الميلادي) والقرون التالية، ففي هذه الفترة ظهرت المعاجم الجغرافية، والمؤلفات الكوزموغرافية (التي تهتم بالكوزموغرافيا أو الجغرافيا الكونية) ، والمؤلفات الجغرافية العالمية، واحتلت الموسوعات التاريخية والجغرافية مكانة هامة أيام المماليك في مصر.. وكذلك كثرت أقاصيص الرحالة الجغرافيين.

4)الحقبة العثمانية:

وفيها بدأ الاحتكاك بالجغرافيا الأوروبية الحديثة والاكتشافات الجغرافية الكبرى.

5)النهضة الجغرافية الحديثة:

وقد ابتدأت في مصر مع مطلع العصر الحديث الذي اقترن برحيل الحملة الفرنسية وظهور أسرة محمد علي.. فقد ظهرت عدة مؤلفات في الجغرافيا الرياضية والرحلات، ولاسيما في الشطر الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين.

لقد كانت رحلة علم الجغرافيا في الحضارة الإسلامية رحلة فريدة بكل المقاييس.. ابتدأت بإنقاذ ذلك العلم الهام من الاختناق بيد الكنيسة الأوروبية، والتي حرَّمت البحث فيه كما رأينا قبل قليل.. ثم لم تكتفِ بإنقاذه - وقد كان في طور طفولته - حتى تكفَّلت بتنميته وضخ دماء العافية العلمية في جسده من جديد.. وسنحاول في المقال القادم - بإذن الله - الوقوف أمام بعض الإنجازات الإسلامية المبهرة في علم الجغرافيا..

ونسأل الله عزَّ وجَلَّ أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين

لمراجع

تطور علم الجغرافيا وفضل العرب فيه.... محمد سيد نصر

أعلام الجغرافيين العرب... عبد الرحمن حميدة

الرازي معجزة الطب عند المسلمين ...

بقلم الدكتور راغب السرجانى ... تاريخ الإضافة: 26/04/06

مقدمة

لعل من العجيب أن يُذكر إنسان ما على أنه صورة من صور الحضارة؛ فقد تعودنا على وصف الحضارة على أنها نتاج أعمال كثيرة وأعداد كثر من البشر برعوا سويًا في الإبداع في مجال من مجالات الحياة: كالطب أو الهندسة أو المعمار أو غير ذلك..

ولكن الواقع أن الحضارة الإسلامية صنعت رجالًا ونساءً كانوا بحق صورًا رائعة من صور الحضارة.. بحيث تلتصق بهم كلمة الحضارة.. فإذا ذكروا فهذه هي الحضارة، وإن درست حياتهم فهذه دراسة للحضارة!!

وهذه عظمة الإسلام ولا شك.. الذي نقل البشر نقلة هائلة، حتى جعل بعض أتباعه يمثلون الحضارة بكل أبعادها.. ومن هؤلاء كان الرازي رحمه الله.. فهو لم يكن طبيبًا فحسب، ولا معلمًا فقط.. ولكنه أبدع كذلك في مجالات الأخلاق والقيم والدين.. كما أبدع ـ ولا شك في ذلك ـ في مجال الإنسانية.. حتى أصبح علمًا من أعلام الفضيلة كما كان علمًا من أعلام الطب.. لا شك أن هذا الرجل العظيم من أعظم صور الحضارة الإسلامية

من هو الرازي.. معجزة الطب عبر الأجيال؟!

إنه أبو بكر محمد بن زكريا الرازي.. وقد ولد في مدينة الري, وإليها نُسِب.. ومدينة الري تقع على بعد ستة كيلومترات جنوب شرقي طهران, وكان ميلاده في سنة 250هـ (864م) ، وكان منذ طفولته محبًا للعلم والعلماء، فدرس في بلدته الري العلوم الشرعية والطبية والفلسفية، ولكن هذا لم يُشْبع نَهَمَه لطلب العلم؛ فلم تكن مدينة الري ـ على اتساعها وكثرة علمائها ـ بالمدينة التي تحوي علوم الأرض في ذلك الوقت.. ولذلك يمَّم الرازي وجهه شطر عاصمة العلم في العالم في ذلك الوقت, وهي بغداد عاصمة الخلافة العباسية، فذهب إليها في شبه بعثة علمية مكثفة، تعلم فيها علومًا كثيرة، ولكنه ركز اهتمامه في الأساس على الطب، وكان أستاذه الأول في هذا المجال هو علي بن زين الطبري، وهو صاحب أول موسوعة طبية عالمية (فردوس الحكمة) ..

كما اهتمَّ أيضًا بالعلوم التي لها علاقة بالطب كعلم الكيمياء والأعشاب، وكذلك علم الفلسفة لكونه يحوي أراء الكثير من الفلاسفة اليونان والذين كانوا يتكلمون في الطب أيضًا.. وكان أستاذه الأول في الفلسفة هو البلخي وهكذا أنفق الرازي رحمه الله عدة سنوات من عمره في تعلم كل ما يقع تحت يديه من أمور الطب، حتى تفوق في هذا المجال تفوقًا ملموسًا.. ثم عاد الرازي رحمه الله بعد هذا التميز إلى الري, فتقلد منصب مدير مستشفى مدينة الري، وكان من المستشفيات المتقدمة في الإسلام، وذاعت شهرته، ونجح في علاج الكثير من الحالات المستعصية في زمانه، وسمع بأمره الكبير والصغير والقريب والبعيد.. حتى سمع به عضد الدولة بن بويه كبير الوزراء في الدولة العباسية, فاستقدمه إلى بغداد ليتولى منصب رئيس الأطباء في المستشفى العضدي، وهو أكبر مستشفى في العالم في ذلك الوقت، وكان يعمل به خمسون طبيبًا.. والحق أنه لم يكن مستشفىً فقط, بل كان جامعة علمية, وكليَّة للطب على أعلى مستوى.. وأصبح الرازي رحمه الله مرجعية علمية لا مثيل لها ليس في بغداد فقط، وإنما في العالم كله.. وليس على مدى سنوات معدودة.. ولكن لقرون متتالية!!

إنه الرازي رحمه الله.. معجزة الطب عبر الأجيال!

كيف وصل إلى هذه الدرجة العالية

لعله من المهم جدًا أن نقف وقفة ونتساءل كيف وصل الرازي رحمه الله إلى هذا المجد.. وإلى هذه المكانة؟

لا بدَّ أن نعلم أن النجاح لا يأتي مصادفة، وأن التفوق لا يكون إلا بجهد وتعب وبذل وتضحية.. كما أن الإبداع لا يكون عشوائيًا أبدًا.. إنما يحتاج إلى تخطيط وتدريب ومهارة.. وهكذا كانت حياة الرازي رحمه الله..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت