إن الواقعية في العقل الحضاري المعاصر ، خاصية نابعة من ثقافة العامة ، ومن تعامله السلوكي مع الأشياء . كما أنها الوعي التام ، والفهم الشامل لشروط ، وظروف ، ووسائل ، ومناهج ، وأساليب أداء عمل معين . فهي إعطاء الوقت الكافي لإنضاج الأفكار ، وفهم الأحداث ، والمتابعة الواعية لحركة المجتمع ، والإدراك المستوعب لإمكاناته ، ونقائصه ، وقواه.
خاصية المنهجية
العمل إذا لم يكن خاضعًا لقواعد ، وضوابط ، ونواظم معيارية ، ومعرفية ، فإنه لا يسمى منهجيًا . فهو هنا لا يخضع لمنظور استدلالي معين ، ولمنطق برهاني منظم ، أي لا يصدر عن إطار مرجعي يحكمه ، ويوجهه وفق أسس معينة ، ولغاية محددة ، وبوسيلة مشروعة.
فالمنهجية خاصية من خصائص الخطاب العالمي القائم. فهي وعي على كيفيات إنجاز عمل ما ، وفهم لطريق الوصول إلى غرض مطلوب، وفق ترتيبات واضحة ومنظمة . والعقل الحديث ساهم بقسط وافر في تعميق القيمة المنهجية في السلوك الإنساني الراهن ، رغم أن موضوع المنهجية كان موجودًا قبل هذا التاريخ بقرون متطاولة . فكل عمل لا يخضع لمنهجية استدلالية أثبتت صحتها سوف لن يجد مكانه في منطقنا العالمي القائم . وكل إقناع لا يصدر عن توجيه منهجي مؤسس ، سوف يُرد ، فعندما تنعدم الحركة المنهجية في العمل الإنساني يصاب بالعمى ، وتظهر فيه لفوضى ، وتتملكه الحيرة . فالمنهجية هي برنامج العمل ، وخريطة السير ، وروح التوجيه ومنطقه الذي يربطه بالواقع.
خاصية التقنية والتكنولوجية
صحيح أن التكنولوجية والتقنية نتاج من منتوجات الوعي البشري في الحقل العلمي ، والمعرفي ، والعملي والمنهجي .. إلا أنها تمكنت من تحرير موقعها في عالم القرن العشرين كواحدة من خصائص الحضارة القائمة.
فالحياة البشرية اليوم ، مطبوعة بطابع التقنية والتكنولوجية ، التي وحدت القارات ، وقلصت زمن الاتصال والتعامل ، ورفعت درجة الحوار الثقافي بين الحضارات ، بشكل لم يكن يتصوره العقل الإنساني قبل هذا التاريخ . فقد حلت الآلة محل الجهد البشري ، وأصبحت العلاقات الإنسانية متيسرة بوسائل ، وأدوات بسيطة في متناول جميع البشر ، وغزت التكنولوجية الدقيقة عالم الناس.
فإذا كان ابن خلدون من قبل قد كتب مؤلفه التاريخي الضخم في أكثر من سبعة مجلدات ، وإذا كان معاصرنا أرنولد تويمبي قد أنجز عمله الضخم (دراسة للتاريخ) ، في ما يقرب من سبعة آلاف صفحة وقضى فيه أكثر من أربعين عاما ، فإن كتابة هذا الكم من المعارف أصبح اليوم ممكنًا في جهاز بسيط يمكن للإنسان أن يحمله معه ، وهكذا دخلت التكنولوجية في تفاصيل حياتنا الخاصة والعامة ، ونقلتها إلى طور آخر من أطوار تعاملها مع الحياة والكون والناس ، وأخرجتها من طور قتل الأوقات ، وتبديد الطاقات إلى مراحل الاقتصاد في الجهد والوقت ، وإلى عالم الدقة ، والإتقان ، والجمال ، في العمل الإنساني .
فالاتصال السلكي واللاسلكي ، والحاسوبات الإلكترونية ، والأدمغة الصناعية ، وأجهزة الذكاء الاصطناعي ، والأقمار الصناعية ، والتقنيات الاتصالية الحديثة ، والمراكب الفضائية ، والتكنولوجية العسكرية ، والطبية ، وكل الأداتية ، والتقانية ، والألياتية التي نشاهدها في عالم الحضارة المعاصرة هي نتاج طبيعي (للمنطق التكنولوجي) و (للعقل التقني) الذي خلفته النزعة العالمية ، والعلمية ، والعملية ، والتخصصية ، والمنهجية في حياة الناس.
لقد أعطت ( التكنولوجية ) الحديثة للعقل البشري فرصة التفاعل الإيجابي مع سنن الله في الكون والأنفس ، وأمدته ببعض وسائل التسخير المادية التي تتطلب استعمالًا أكثر فاعلية لأجهزة التسخير المعنوية: السمع والبصر والفؤاد والقلب..
والتكنولوجية اليوم تسير بخطى متسارعة إلى عالم جديد أسماه مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق (زبيغنيو بريجنسكي) بـ ( العصر التكنتروني) .
المنهج النبوي وقدرته على البناء
ففي ظل هذا الواقع البشري الخطير الذي يستدعي التفكير الجدي في شروط ، وموجبات العيش في العصر العالمي الذي سيمتد في مستقبل الحضارة البشرية بشكل واسع ، وخاصة في القرن الواحد والعشرين ، يتثبت في الأذهان تساؤل مهم هو:
كيف يساهم المنهج النبوي في حل الإشكال العالمي الراهن؟ وبعبارة أخرى: ما هي المساهمة التي سيقدمها المنهج النبوي في مجال البناء الحضاري الجديد؟
فالمعلوم بالضرورة لدى قطاع ضخم من البشرية في الوقت الراهن أن الحياة الإنسانية موسومة بمسحة الشيطان . فالظلم الحضاري هو المنطق الذي يحكم حضارة البشر القائمة ، في نفس الوقت الذي يبدو فيه أفق الحضارة ، وصانعيها ، ضيقًا ، ولا يحتمل توسيعه - على مستوى المنظور - بشكل يعطي للناس فرصة العيش المشترك في العصر العالمي . فقدرة العقل البشري الراهنة غير قادرة على فهم مقتضيات الانتقال ، وموجبات الاستمرار الحضاري ، على أساس فطري عادل ، يستوعب كل الاتجاهات البشرية القائمة ، دون هدر لحاجات الناس العقيدية ، والعقلية ، مع إلزامية الوعي ، بأن البشرية لن يصلح حالها ما لم تعد إلى (فطرة الله) التي ركبها سبحانه وتعالى في الأنفس ، والآفاق ، وفي الكتاب.
إن هذا النوع من الاستيعاب قد أنجزته من قبل (السنة النبوية) بشكل لا يتوهم فيه أحد تغييره إلى الأصلح منه مطلقًا . وهنا تظهر لنا الأهمية القصوى في مجال دراسة المنهج النبوي كمركب حضاري ساهم من قبل في بناء حضارة التوازن الفطري من خلال المفاعلة بين الوحي الأعلى - قرآنًا وسنة - وبين حاجة الخلق ، والغاية من وجودهم الأرضي (الاستخلاف والمحافظة على الكون) .
فالمنهج النبوي ليس فقط خطابًا أخلاقيًا - (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) - بل هو حركة وعي عقلية، ومنهجية ، وروحية ، وسلوكية لهذا الخطاب الأخلاقي على الصعيد الاجتماعي ، ودراسته في إطار تجربة بناء نموذج حضاري مستوعب للمطلق وللنسبي - أي - مركب على أساس وعي متطلبات الزمان والمكان. لهذا كان (النظام التوحيدي) الأخير (القرآن) أنموذجًا عالميًا مبعوثًا لكافة الخلق ، ولجميع البشر.
ونحن هنا نريد أن نبحث عن ظاهرة المنهج النبوي في هذا المستوى من الوعي ، الذي ساهم في تركيب حضارة ، بدءًا من تركيب إنسان ، وثقافة ، ومجتمع ، وأمة ، في ضوء مذهبية توحيدية ، إلهية المصدر ، ومن أجل غاية شاءت إرادة الله أن تكون لصالح الإنسان في حياته الدنيا والآخرة
من أجل قراءة أخرى للسنة
وبعبارة أخرى نريد أن نقوم بقراءة جديدة للسنة النبوية المطهرة تنطلق من قراءتين سابقتين:
-قراءة الرسول صلي الله عليه و سلم الأخلاقية ، والسلوكية القاصدة إلى وضع أسس البناء الحضاري العالمي ، الذي أصبح مصدرًا أساسيًا لفهم القرآن ، وتنزيله إلى أرض الواقع (قراءة الوحي) .