فهرس الكتاب

الصفحة 1764 من 1942

(إن مولد الإسلام هو مولد العقل الاستدلالي ، وأن النبوة لتبلغ كمالها الأخير ، في إدراكها العميق لاستحالة بقاء الإنسانية معتمدة إلى الأبد على مقود تقاد منه ، وأن الإنسان لكي يحصل على معرفته بنفسه ، ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو) ويقول الاستاذ جودت سعيد - حفظه الله -: ( يمكن النظر إلى ختم النبوة من جانب آخر على أنها فكرة تعلن انتهاء الدروات الحضارية .. وبانتهاء النبوة ، وختمها ، انتهت الدورات ، وأمسك الإنسان بسنن الحضارة ليجعلها مستمرة .. فمعنى ختم النبوة: ختم الدورة الحضارية .. والميزة الأخرى لمحمد صلي الله عليه و سلم أنه للناس كافة ، وهذه هي عالمية الحضارة ، وانتهاء زمن الدورات ، وإن كنا لا نزال نعيش دورة الحضارة ، وتعددها ، إلا أن إرهاصات زوالها بدأت تبرز لمن تأمل ) .

إن ختم النبوة إعلان رسمي عن انطلاق عهد الجهاد الحضاري الطويل ، وبداية عصر البحث عن البرهان الواقعي ، والعملي على فكرة عالمية الإسلام ، التي تقررت في عالما العقيدة الإسلامي كأساس من أسس الدعوة التوحيدية .

إننا في واقعنا الراهن نعيش معطيات العصر العالمي ، ولكن يبدو أننا لم نفكر بعد ، كما لم تفكر الحضارة الغربية بجد في موضوع العصر العالمي ، وشروط العيش فيه:

(فالحضارة أصبحت مع الثقافة الغربية ، هدفًا مقصودًا ، وعملًا شعوريًا ، وفنًا ، ووظيفة تتطلب ذكاءه ، وإرادته وهو يرى فيها غايته الأرضية . هذه الذاتية الجديدة ، قد وسعت أولًا حقل الحضارة نفسها ، حين مدته من النطاق القومي ، والعنصري إلى النطاق العالمي ، والإنساني ، ولكن الغرب حين حقق امتداد الحضارة في المكان ، بفضل قوته الصناعية ، قد أحدث تحولًا في طبيعتها التاريخية .. إن منعطف التاريخ الحالي .. يجتاز بالإنسانية المرحلة الثانية من تطورها ، بعد التحول الأول ، الذي دخلت به في التاريخ في نهاية العصر الحجري الجديد .. وهذا التحول قد يغير توقعات التاريخ تغييرًا تامًا بحيث لا يدع مجالًا لافتراض(الأفول) إذ في التوقع الجديد لن يكون هناك أمامنا سوى افتراض الكسوف الكلي ، والنهائي الذي لا يمكّن من أن تصاغ (نهضة) .. وتلك هي نتيجة توحيد المشكلة الإنسانية .. هذا التوحيد الذي أوصل مقدرة الإنسان إلي المستوى العالمي ، وهو يتجلى في حياة كل شعب وفي تشكيلاته السياسية ، وفي ألوان نشاطه العقلي ، والفني ، والاجتماعي . فالمقاييس ، وطرائق السلوك ، والتفكير ، لا تكف عن التقارب على محور طنجة - جاكرتا ، ومحور واشنطن - موسكو).

من هذه التحديات الأولية ، تبدو لنا أهمية فكرة عالمية الحضارة كمشروع حضاري ، يطلب منه أن ينقل البشرية إلى طور حياتي جديد على الصعيد العقلي والسلوكي.

خاصية العلمية

ومن الخصائص المميزة كذلك للواقع البشري الراهن ، خاصية (العلمية) .. وأعني بها أن الحضارة المعاصرة ، علمية ، يقودها العلم ، والعلماء ، ولا تتحرك في مواقفها الكلية ، والجزئية إلا إذا قدم الخبراء ، والمتخصصون الإشارة الخضراء . (فحضارة العلم) تعني الحضارة التي أصبح التوجيه فيها عن طريق العلم ثقافة ، أي ميزة سلوكية تابعة لتشكيلها الثقافي . فالعلم مرسم سلوكيًا ، ويتدخل تلقائيًا في كل شؤون الحياة والمجتمع . فالعلم هو القائد للحضارة .. وفي هذه الحالات ، تموت الدروشات ، ويضمحل الجهل ، ويتراجع التكهن الخرص . وعندما يصبح التوجيه بين يدي العلم ، تصبح للفكرة قيمة ، ولصاحبها رسالة ، يعيش من أجلها . وهذه الرسالة في كل الحالات خاضعة لعقيدة الإنسان ، وفلسفته في الحياة .. وبشكل عام ، تمثل العلمية الطاقة الخلاقة التي فتقت الخيرات المركوزة في البشر ، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من الدقة ، والإتقان ، واستطاعوا أن يتحكموا في الكثير من سنن الله في الخلق . ( فالعلمية ) هي الضوء الخافت الذي ينساب بين دروب الجهل ، ليتحول إلى نور ساطع ينير طريق السائرين في الكون إن تدبروا ، وفقهوا ، ووعوا ولكنها قد تتحول إلى مرض عضال تسقط الحضارات العملاقة ، وذلك عندما تمسكها الأيدي التي لا تعرف قيمتها . تمامًا كما يحدث هذه الأيام عند أصحاب الحضارة المعاصرة. .

خاصية العملية

العمل في الحقيقة هو محرك الطاقة الحيوية للبشر ، وإذا انتفى العمل انتفت معه الحضارة البشرية . فالعبادة عمل ، وعمران الكون عمل ، والتفكير عمل ، وإنقاذ الخلق من الظلمات إلى النور عمل ، والتعارف بين الناس عمل ، والبحث عن المعاش عمل ، ونحن لا نقصد هنا هذه القيمة المطلقة للعمل ، كشيء فطري تكويني في الخلق ، وإنما نعني ( بالعملية) ارتباط الفكر بساحات الأداء البشري المعضل ، واتصال المعارف بالتجربة والتطبيق . فالواقع الراهن يؤمن بالحركة العملية ، فهو لم يعد شغوفًا بالفلسفة النظرية ، والعمل هو الذي يعطي للأفكار قيمتها ، وإشعاعها ، ويبرهن على عبقرية الجهد الإنساني الواقعية.

إن استحكام هذه الخاصية في الحياة العقلية ، والثقافية للحضارة المعاصرة ، وفي السلوك العام للإنسان ، مكنه من امتلاك المنطلق العملي الذي يجعله يربط الفكرة بالواقع ، ويربط العمل بوسائله الكفأة بشكل فعال ، ومؤثر . ويصل الكيفيات المنهجية بالغايات البشرية . لقد أصبح لكل جهد إنساني مقياس واقعي واضح يحكمه . فالعملية كذلك تعني ( كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه ، وذلك حتى لا نستسهل أو نستصعب شيئًا بغير مقياس يستمد من واقع الوسط الاجتماعي ، وما يشتمل عليه من إمكانات ) . كما تعني كذلك امتلاك ( الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه ..بين سياسة ووسائلها .. بين ثقافة ومثلها .. بين فكرة وتحقيقها ) .

خاصية التخصص

لقد كان لخاصيتي العلمية والعملية ، دور بالغ الأثر في طبع الواقع العالمي الراهن بميزة التخصص الدقيق في كل شيء . فعلى صعيد المعرفة مثلًا تفرعت المعارف ، وتخصصت بشكل لم يكن يتصوره ( دور كايم) ، وهو يقدم ملاحظاته في موضوع علم الاجتماع ، فقد تعب كثيرًا في موضوع التسمية نفسه ، واليوم نجد هذاا لعلم متفرعًا إلى أكثر من سبعين فرعًا ، كل واحد منها بحاجة إلى وقت كبير جدًا لاستيعابه . لقد انتشر المنطق التخصصي في كل تفاصيل حياتنا العامة ، والخاصة ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والتعليمية ، والتربوية ، والإدارية . إنه فيما يتعلق بهذه الفكرة بالذات ، نتأسف كثيرًا لما يحدث في عالمنا الإسلامي عندما نشاهد متخصصين مطلقين يتكلمون في كل العلوم بلا علم ولا دراية ، مازالت تراودهم فكرة الموسوعة التي قضي عليها عصر العالمية ، والعلمية ، والعملية.

خاصية الواقعية

نحن كثيرًا ما نسمع في ثقافتنا الراهنة أصواتًا تذكرنا بعصر الفلسفة الخرافية المشؤومة ، فنسمع بعضهم يقول: أنت لست واقعيًا ، وأنت خيالي ، وأنت فيلسوف ! .. حالم .!. تهيم في الفراغ ، وتعيش في جزيرة حي بني يقظان . وإذا سألت لماذا ؟ جاءك الجواب الذي يسقط كل الاعتبارات التي يمكنها أن تدخل في توجيه الواقع إلى الأحسن . فماذا تعني الواقعية في حياتنا المعاصرة؟ إنها باختصار شديد تعني: الحكمة في التعامل مع وقائع الحياة الإنسانية ، أي توجيه الأعمال بما يؤدي إلى نجاحها في إنجاز مهامها ، بدون خسائر في الأوقات و الجهود والطاقات .. إدراكه في حالته القائمة ، بدون زيادة ولا نقصان ، ومعالجته انطلاقًا من طبيعته ، وظروفه ، ومعطياته..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت