فهرس الكتاب

الصفحة 1937 من 1942

وإذا كان القرآن الكريم والسنة النبوية، قد وضعا دستور الجمال المؤسس على المبدأ الأخلاقي، فذلك يبين موقع الجمال في المنظور الإسلامي، الذي يعد قيمة غير قابلة للانفصال عن القيم الأخلاقية.. ولهذا فإن مسألة اللباس فيما يخص المرأة، منضبط بقيم الحياء والستر، وغض البصر، وعدم التبرج، وإخفاء المفاتن. أما الجمال في المنظور الغربي، وباعتبار أن الحضارة الغربية تتمحور حول الذوق الجمالي، فإن هذا أنتج موجات الموضة والأزياء التي لا تراعي قيم الحشمة والستر والحياء، وتعتبرها لا قيمة لها قياسًا إلى المنظر الجمالي. وليس هذا في مجال الأدب والزي فقط، بل إن العلاقة: (مبدأ أخلاقي-ذوق جمالي ) ، تدل دلالة واضحة على عبقرية أي مجتمع، وتحدد اتجاهه في التاريخ.

نتائج النزعة الجمالية:

وما يمكن ملاحظته أن ابن نبي يعتبر أن هذا الاختيار، الذي انتهت إليه الحضارة الغربية، أي تقديمها للذوق الجمالي على المبدأ الأخلاقي في سلم ترتيب القيم، أحدث في الثقافة الغربية انفصالًا عن الثقافة الإنسانية، كما أحدث خللًا منهجيًا أدى إلى قلب القيم، وإلى نتائج خطيرة على مصير الحضارة الغربية نفسها، وعلى الإنسانية عمومًا. فأدت النزعة الجمالية إلى الاستعمار، والإباحية والعبثية، وتفكيك الروابط التي تحفظ المجتمع من الانحلال، وإلى تمركز الإنسان. ويضرب ابن نبي مثلًا بظاهرة الاستعمار باعتباره (ظاهر ثقافية ) تعبر عن نمط ثقافة معينة قائمة على السيطرة، فالعقل الأوروبي المحكوم بإطار ثقافي قدم الجمال على المبدأ الأخلاقي في ترتيب القيم، فإن هذا الترتيب أثر في علاقة الغربي بالإنسانية (14) .

ويضيف ابن نبي (رحمه الله) أننا لو تتبعنا الاعتبارات هذه، إلى أبعد مدى، لرأينا كيف أن الثقافة التي تمنح الأولوية لذوق الجمال، تغذي حضارة تنتهي إلى فضيحة حمراء، وذلك لأنها تسيطر عليها دوافع الأنوثة (15) .

خصائص المنهج أولًا: السننية

ينطلق ابن نبي (رحمه الله) من قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ) (الرعد:11) ، ويجعلها أساس كل إنجازه الفكري، ويتخذ منها قانونًا للتغيير بكل مستوياته، ويبحث في وقائع التاريخ ليؤكد للعقل المسلم أن الله تعالى يعلمنا بهذه الآية وآيات القرآن كلها، أن التغيير يخضع لسننٍ علينا أن نكتشفها ونوظفها في بنائنا الحضاري بكل مستوياته.. ونلاحظ أن ابن نبي لم يتوجه إلى تفسير القرآن والسنة، وإنما اتجه إلى محاولة دراسة السنن التي ينبه إليها الوحي، ويستخرجها من حركة التاريخ، ومن تجارب الإنسانية.

فهو (مدرسة في الفكر الإسلامي الحديث، لم ينصب فكره على النص الإسلامي، وإنما على مناط تطبيقه على المجتمع، من أجل بناء الحقيقة الموضوعية في نظر العقل المسلم، بالكشف عن سنن البناء الحضاري وتطوره في اتجاه القوة والضعف... فمالك يرى أن الحضارة ليست نظرية في الفلسفة وفي المعرفة عامة، مهما كانت جميلة ومتناسقة، حتى ولو كان الإسلام ذاته، وإنما الحضارة إنجاز في عالم الزمان والمكان، ثمة تفاعل فكرة مع واقع بحسب شروط موضوعية لا تتخلف ) (1) . فهو قد اتجه إلى كيفية إعمال هذا الوحي واستخراج سنن البناء والسقوط الحضاري، ويقدمها كأدوات عملية في أيدي المسلم الباحث عن طريق للعودة إلى صناعة التاريخ.

وبتأمل أدواته التحليلية التي ابتكرها; مثل الدورة الحضارية، أو الفكرة الدينية، أو دستور الثقافة، أو المراحل الثلاثة للمجتمع، وغيرها، فإننا نجد روح البحث عن القانون الذي يحكم الظاهرة هي التي تقوده، كما أن تأكيده المتكرر على الارتفاع إلى مستوى الحوادث الإنسانية، والتأمل في السنن التي تبني الحضارات وتهدمها (2) ، كان الغرض منه إخراج المسلم من الحتمية التي وقع فيها منذ عصر (ما بعد الموحدين ) ، واستسلم لعوامل التخلف، ليدخل في دورة إنجازية قائمة على أسس ثابتة. وحتى قانون الدورة الذي كثيرًا ما اعتمد عليه ابن نبي، فإنه لا يراه حتمية، بل هو قانون يمكن التعامل معه بقانون آخر. إذ يؤكد على هذا الأمر بقوله: (إن كل قانون يفرض على العقل نوعًا من الحتمية تقيد تصرفه في حدود القانون، فالجاذبية قانون طالما قيد العقل بحتمية التنقل برًا أو بحرًا. ولم يتخلص الإنسان من هذه الحتمية بإلغاء القانون، ولكن بالتصرف مع شروطه الأزلية بوسائل جديدة تجعله يعبر القارات والفضاء... إن القانون في الطبيعة لا يَنصِب أمام الإنسان الدائب استحالة مطلقة، وإنما يواجهه بنوع من التحدي يفرض عليه اجتهادًا جديدًا للتخلص من سببية ضيقة النطاق ) ( 3 ) .. وهذا القانون الذي في الطبيعة، يمكن الاستفادة منه في ميدان التاريخ، فنخلّص (مفهوم التغيير الاجتماعي من قيود السببية المقيِّدة، كما تربطه بها النظرة الشائعة عند المؤرخين أمثال(توينبي) ، الذين يرون الأشياء في التاريخ تسير طبقًا لسببية مرحلية. والأشياء تسير فعلًا كذلك إن تركت لشأنها ) (4) .

وزيادة على ما قاله ابن نبي، فإن الأمر لا يتعلق بـ (توينبي ) فقط، بل بكثير من رواد حركات التغيير من بين المسلمين، الذين رأوا في الهيمنة الغربية قانونًا صارمًا لا يقبل التغيير. وهي فعلًا صارت قانون العصر، لكنها تقبل التغيير والتحدي، إذا علمنا أن الظاهرة الأوروبية نسبية وليست الحقيقة المطلقة، ومن هنا يمكن التعامل معها (5) .

كما أن ابن نبي يفرق بين نوعين من السنن; فهناك ما يقبل التغيير والتحدي -مثل ما سبق الحديث عنه من نسبية الحقائق الأوروبية- وهناك سنن لا تتغير ولا تتبدل، وهذه الأخيرة ينبغي التأمل فيها، وهي السنن التي تبني الحضارات وتهدمها، وتحكم التغيير الاجتماعي، وتوجه التاريخ، وقد أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ً) (الفتح:23) (6) . وهذه الأخيرة أيضًا هي التي دفعته إلى دراسة ظاهرة الحضارة الغربية والبحث في خصائصها، وتأثير هذه الخصائص في مسيرة الحضارة الغربية، والنتائج التي قادتها إليها، وهويدرس في الوقت نفسه الحضارة الإسلامية -واقع المسلمين المتخلف في حقيقة الأمر- ليستخرج القانون العام الذي يحكم ظاهرة تنقل الحضارة، وميلادها، وأفولها، وكذا قوانين تحولها من أمة إلى أخرى، كما يستخرج القوانين الخاصة التي تحكم كل حضارة، وهو ما أسماه بنسبية الظواهر عندما تحدث عن الظواهر الأوروبية كما سبق الذكر.

فالسننية في استعمال ابن نبي (رحمه الله) تُفهم في إطار محدد من خلال تقسيمها إلى مستويين; سنن عامة تحكم الظواهر في إطارها الإنساني، وسنن خاصة تحكم ظواهر جزئية ومحددة.. كما أن السننية في مفهومه مرتبطة بمفهوم آخر هو التسخير، وبالتالي فإن السنة باعتبارها قانونًا، لا تقيد الجهد الإنساني، وهي تمارس حتمية في إطار مدى عمل السنة ذاتها، وليست لها طابع الجبرية المقيد لحركة الإنسان، وبخاصة فيما يتعلق بحركة التاريخ، بل هي جزء من التكليف المنوط بحرية التصرف.. وبتعبير آخر، أن (السنن في النفس والآفاق... قدر من قدر الله سبحانه وتعالى، فهو الذي شرعها وسنّها وناط تكليف الإنسان بها، وربط جزاءه وقيمة إنجازه بمقدار ما يكشف منها، ويلتزم بها... والتعرف عليها والانضباط بمقتضياتها، هو حقيقة التكليف، وحقيقة الإيمان والتوكل، وهي مظهر من مظاهر العدل الإلهي المطلق ) (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت