فهرس الكتاب

الصفحة 1718 من 1942

الإسلام و صراع الحضارات

الدكتور أحمد القديري

* مولود بالقيروان، تونس، عام 1946م.

* حائز على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون (الأطروحة حول تقييم الإعلام الفرنسي للصحوة الإسلامية الحديثة) .

* خريج الجامعة التونسية، المعهد العالي للصحافة وعلوم الأخبار. قسم السياسة والقانون (الإجازة والأستاذية) .

* صدرت له خمسة كتب، آخرها كتاب باللغة الفرنسية صدر عن دار الفكر العالمي بباريس، بعنوان: (الإسلام والغرب: صراع الألف سنة.. من الحروب الصليبية إلى حرب الخليج) .

* حاصل على وسام الاستقلال، ووسام الجمهورية من الدولة التونسية عامي 1982م و 1986م.

* يعمل حاليًا بجامعة قطر منذ 1992م.

تقديم: عمر عبيد حسنه

الحمد لله ، الذي اصطفى الأمة المسلمة ، لوراثة الكتاب بقوله: (ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا ) (فاطر:32) ، وجعلها خير أمة أخرجت للناس ، بما تحمل من رسالة ، وما تقوم به من وظيفة ، وما تؤديه من أمانة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإيمان بالله ، قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران:110) ، وما تقيمه من موازين العدل ، والرحمة في حياة الناس ، وتقوم سلوكهم بشرع الله ، لأنها الأمة الوسط ، الأمة المعيار التي وكل إليها ، بما تمتلك من قيم الوحي السماوي السليم ، الشهادة على الناس ، وتصويب مسيرتهم ، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا ) ( البقرة:143) ، وبما تمتلك من رصيد التجربة التاريخية للأنبياء مع أقوامهم ، إضافة إلى ما تتمتع به من خصائص ، وصفات إنسانية ، ما تزال مفقودة عند كثير من الأمم ، التي يقوم كيانها على العروق ، والأجناس ، والألوان ، وما يشابهها من الأمور القسرية ، التي لا يد للإنسان في كسبها ، والتي مهما ادعى صاحبها الرقي والحضارة ، لا تنجو من التمييز ، والتعصب ، والروح العدوانية ، تجاه الآخر ، والشعور بالتعالي ، الذي يقود إلى الحقد ، والنزاع غير المشروع ، ويكفي تاريخها وواقعها دليلًا ، على أن هذه الأمم ، بخصائصها ، ومقوماتها ، التي هي عليها ، لا تمتلك رسالة إنسانية ، وعطاءًا عالميًا ، وامتدادًا تاريخيًا ، إلا بفعل السيطرة والاستعمار ، لأنها ترفض بأصل تكوينها ، فلسفة المساواة الإنسانية ، وتحقيق تكافؤ الفرص ، وحرية الاختيار ، التي تعتبر روح الحضارة الممتدة ، حيث تتأصل بها كرامة الإنسان.

وقد تكون مشكلة المسلمين ، وخاصة في مراحل الكمود ، والخمود ، والوهن الحضاري ، وشيوع التقليد، وغياب الوعي الجماعي ، وانطفاء الفاعلية ، في محاولة بعضهم التفكير بدخول جحور الضباب -حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه- التي تعيشها الحضارات الأخرى ، واختزال التاريخ الحضاري ، بعصر واحد ، والانبهار بالطفرات الحضارية ، أو الخداع الحضاري ، واستبدال الذي هو أدني ، بالذي هو خير ، والعجز عن إدراك الإمكان الحضاري ، الذي تمتلكه الأمة المسلمة ، لو تمثلت إسلامها ، واستشرفت ماضيها ، وأبصرت مستقبلها حقيقة.

والصلاة والسلام على الرسول القدوة ، الذي جاء للعالمين بشيرًا ونذيرًا وكانت الغاية من ابتعاثه ، إخراج الناس ، من الظلمات إلى النور ، ووضع الآصار والأغلال التي عليهم ، وتزكية البشرية ، وإلحاق الرحمة بها، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107) ، وتقديم الانموذج الحضاري الإنساني ، على الأصعدة المتعددة ، المتحقق من خلال عزمات البشر ، وهدايات الوحي ، المرشد إلى سنن البناء ، ليكون محلًا للاقتداء والتأسي ، بعيدًا عن عبث الإنسان ، وأهواء الإنسان ، وتسلط الإنسان على الإنسان ، حيث لا أسوة بغيره ، ولا اقتداء بسواه ، لأنه مسدد بالوحي ، ومؤيد به ، وكل إنسان غيره ، يؤخذ من كلامه ويرد ، ويجري عليه الخطأ والصواب ، والانحراف والاستقامة.

لذلك كان من أهم عوامل الإمكان ،والارتكاز الحضاري ، امتلاك الأمة المسلمة للقيم السماوية السليمة ، التي لم يداخلها تحريف ، ولا تبديل ، إلى جانب امتلاكها أنموذج الاقتداء والتجسيد ، والعطاء لهذه القيم ، الذي استوعب جميع الأحوال التي تمر بها الأمة ، من سقوط ونهوض ، واستضعاف وتمكين ، ودعوة ودولة ، على مستوى الفرد ، والمجتمع ، والأمة ، والدولة .. إنها أمة تمتلك القيم ، وتمتلك الأنموذج التطبيقي ، ليكون دليلها في كل حالة تمر بها.

وبعد:

فهذا كتاب الأمة الرابع والأربعون: (الإسلام وصراع الحضارات) ، للدكتور أحمد القديدي ، في سلسلة كتاب الأمة ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات ، بوزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية ، في دولة قطر ، مساهمة في إعادة بناء فاعلية المسلم المعاصر ، الصالح بنفسه ، المصلح لغيره ، من خلال إحياء وعيه ، بموقعه الثقافي ، ورسالته الإنسانية ، وأمته المعيار ، وإمكاناته في النهوض ، وقدرته على استئناف السير ، وإحياء شخصيته الحضارية التاريخية ، وتوضيح ملامح حضارته ، وبيان قسماتها ، ونقاط ارتكازها ، والدور المنوط به اليوم -على الرغم مما يعانيه- (لإخراج الناس ، من عبادة العباد ، إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا ، إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان ، إلى عدل الإسلام) ، واستنقاذه من العبث الثقافي ، والضلال الحضاري ، وتبصيره بالسنن الإلهية ، في الأنفس والآفاق ، التي تحكم الحياة والأحياء ، والتي هي أشبه بقوانين مطردة ، تمثل أقدار الله الغلابة التي لا تتبدل ، ولا تتغير ، ليحسن التعامل معها ، ويمتلك القدرة على تسخيرها ، ومغالبة قدر بقدر ، والفرار من قدر إلى قدر . يقول ابن القيم رحمه الله: ليس الرجل الذي يستسلم للقدر ، بل الذي يحارب القدر بقدر أحب إلى الله (مدارج السالكين ج1) .

وقد يكون من المفيد هنا ، أن نشير إلى أن الصراع ، أو التدافع ، أو التداول ، أو الحوار الحضاري ، سنة اجتماعية ، من سنن الله تعالى وقوانينه ، التي لا تتخلف ، ولا تتبدل ، كما أنها سنة فردية أيضًا ، فالإنسان كفرد ، ليس خارجًا عن دائرة الصراع والتدافع الذاتي ، في الاختيار بين دوافع الخير ، ونوازع الشر ، في نفسه ، لأن في ذلك تتحدد حرية الإنسان في الاختيار ، وتتميز كرامته ، ويبين فضله، والشر من لوازام الخير ، وبضدها تتميز الأشياء.

فالصراع والتدافع ، هو سبيل الحيوية ، والنمو ، والازدياد ، وعلامة الحياة والاستمرار ، ابتداء من الخلية ، وانتهاءًا بالحياة الحية .. وهو إحدى محركات الحياة الاجتماعية ، وامتداد التاريخ البشري ، وله صوره المتعددة ، وشوكاته المتنوعة ، من الحوار ، والمفاكرة ، والمثاقفة ، والمناظرة ، والقتال ، والمواجهة ، والمنافسة ، والسباق ، والمغالبة ، كلها صور ومعارك ، منها: المشروع المحكوم بضوابط ليست من وضع الإنسان ، ومنها ما يستخدم وسائل غير مشروعة ، وكل ذلك يقع ضمن دائرة الصراع الحضاري ، الذي يندفع من عقائد وأنساق معرفية ، ورؤى قيمية ، وأنماط حياتية وسلوكية ، تمتاز بخصوصيتها ، وتسعى للبرهنة على أحقيتها ، وإثبات وجودها ، فهي أشبه ما تكون في خصوصيتها ببصمات الأصابع ، وسحن الوجوه ، وملامح الشخصية ، لا يمكن أن تتطابق ، ذلك أن التطابق ، يعني التوقف والموت.

والصراع بين الخير والشر ، والعدل والظلم ، والحب والحقد ، والعفو والثأر ، والإيثار والأثرة ، والحق والباطل ، وبعبارة أخرى: الصراع بين المعروف والمنكر ، لا يتوقف إلا بتوقف الحياة.

قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا ) (الفرقان:31) وقال: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ) (الأنعام:112) .

إنها ابتلاءات الحياة: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ماءاتاكم ) (المائدة:48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت