فإبليس أبى السجود والطاعة لأمر الله ، وتمرد ، منذ بدء الخليقة ، وقال: (انظرني إلى يوم يبعثون ) (الأعراف: 14) فقال الله تعالى: ( فإنك من المنظرين ، إلى يوم الوقت المعلوم ) (الحجر:37-38) ، واستمرت رحلة الغواية والصراع ، وكان لها جولات ممتدة في تاريخ البشرية ، أفرادًا وجماعات ، وأخذت أشكالًا متنوعة ، وفاعليات متفاوتة ، واستراحات ، واسترخاءات ، هي غالبًا ما تكون استعدادًا لجولات جديدة. (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) (هود:118) ، (اولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض ) (محمد:4) .
ولعل من مظاهر رحمة الله ، هذا التدافع والاختلاف ، الذي من خلاله يتحصحص الحق ، ويتمحص، وبسببه تنجو الحقيقة ، من الدمار ، والخير من الجفاف ، قال تعالى: (ولوا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ً) (الحج:40) ، وقال: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) (البقرة:251) ، وقال: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (الرعد:17) .
لذلك رأى بعض العلماء في ضوء ذلك ، أنه من المستحيل واقعًا وشرعًا ، أن يسلط الله على البشرية ظالمًا واحدًا ، يتحكم في مصيرها ، لفترة طويلة ، ذلك أن التدافع يكون بين الظلمة أنفسهم ، وبينهم ، وبين الحق ، وهذا سنة جارية ، في الحياة ، حتى يتوقف التاريخ ، ويتغير نظام الكون.
وأعتقد أن من أعظم الخلل الذي لحق بالعقل المسلم المعاصر ، ما يكمن في عدم التأصيل ، والتأسيس ، لعلم السنن ، من خلال نضج الرؤية القرآنية ، وتنزيلها على الواقع ، في السيرة والسنة ، ومن خلال استقراء محركات الصراع ، في تاريخ البشرية ، وعوامله ، وأسبابه ، ونتائجه .. إن هذا الخلل هو غياب عن الوعي ، تطيش معه السهام ، وتضل معه العقول ، ويقع الإنسان معه فريسة للمفاجآت ، والعجز عن التعامل معها ، لأنه عاجز ابتداءًا عن فهم المقدمات ، والأسباب الموصلة لها.
والذي يدرك سنة التدافع والصراع ، وأطرافه ، وميادينه ، وأسلحته ، ومساراته ، يصبح قادرًا على حسن تسخيره ، والفقه بنتائجه ، ويمتلك القدرة على المداخلة ، والتحكم ، ومغالبة سنة بسنة ، أو بقدر بقدر - كما أسلفنا - ويمتلك القدرة على الحركة في كل الظروف وإيجاد مساحات لزرع الحقيقة وتنميتها.
ومن هنا ندرك بدقة مغزى قول الرسول صلى الله عليه و سلم: (.. وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) (أخرجه البخاري) .
وندرك النتائج العظيمة ، من نصرة الحق التي ترتبت على قدرة وحكمة الصحابي الجليل نعيم بن مسعود رضي الله عنه في غزوة الأحزاب ، عندما رمت العرب المسلمين عن قوس واحدة ن حيث تكالبت عليهم ، وتحالفت: اليهودية ، والوثنية ، والقبلية ، وابتلى المؤمنون هنالك ، وزلزلوا زلزالًا شديدًا ، حتى لقد بلغت القلوب الحناجر ، وبدأت الظنون ، تتسرب إلى النفوس الضعيفة ، قال تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ، هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدا ً) (الأحزاب:10-11) .
في هذه اللحظات الحاسمة وهذه الشدة الشديدة من المواجهة ، أسلم نعيم بن مسعود ، وجاء خفية إلى الرسول صلى الله عليه و سلم ، وقال فيما ترويه كتب السيرة: أسلمت ، ولم يعلم أحد بإسلامي ، فمرني بما ترى ، فقال له الرسول صلى الله عليه و سلم: -بما معناه- ( إنما أنت فينا واحد ، وإن الحرب خدعة، فخذل عنا ما استطعت ) فكان ما كان من نعيم ، من فهم ، واستيعاب ، وفقه لسنة التدافع وعوامله ، ومداخله ، وكان النصر بعد الشدة ، وكان بلاء نعيم في الوقت المناسب وفاعليته ، أعظم من جيش كامل ، بخططه وعدده.
صحيح ، بأن المسلم ، يعتقد بأن النصر من عند الله ، وهي حقيقة ، يجب ألا تغادر نفسه ، لكن صحيح أيضًا ، أن هذا النصر أراده الله أن يتحقق من خلال أقدارٍ وسننٍ ، وعزمات بشر ، وأسباب ومسببات ، وكم يحتاج المسلمون اليوم - في حالات الحصار التي تفرض عليهم ويعانون منها أشد المعاناة - إلى نماذج ذكية ، فقيهة بسنن وأقدار التدافع الحضاري ، قادرة على دخول حلبة الصراع ، بجدارة واقتدار ، إلى درجة قد تمكن من إدارة الصراع ، وتحقيق كسب أكبر ، للقضية الإسلامية.
كم نحن بحاجة إلى نماذج من أمثال نعيم ، قادرة على التحرك في الوقت المناسب ، وحسن استخدام المتاح ، ذلك أن الإنسان المسلم ، بمقدوره أن يحقق الكثير الكثير ، إذا أدرك إسلامه وعقيدته ، وفقه المعادلة الاجتماعية ، التي يعيشها .
ومن هنا ندرك ، كيف يمكن أن يكون الفرد أمة ، وخاصة عند غياب الأمة.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار ، عند قوله سبحانه وتعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (آل عمران:137) .
(إن إرشاد الله إيانا ، إلى أن له في خلقه سننًا ، يوجب علينا ، أن نجعل هذه السنن علمًا ، من العلوم ، لنستديم ما فيها من الهداية ، والموعظة ، على أكمل وجه ، فيجب على الأمة - في مجموعها - أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه ، كما فعلوا في غير هذا العلم ، من العلوم والفنون ، التي أرشد إليها القرآن بالإجمال ، وبينها العلماء بالتفصيل ، عملًا بإرشاده ، كالتوحيد ، والأصول ، والفقه.
والعلم بسنن الله تعالى ، من أهم العلوم وأنفعها ، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة ، وقد دلنا على مأخذه على أحوال الأمم ، إذ أمرنا أن نسير في الأرض ، لأجل اجتلائها ، ومعرفة حقيقتها) (انظر تفسير المنار ، المجلد الأول) .
ويقول الشيخ محمد عبده رحمه الله:
ولا يحتج علينا ، بعدم تدوين الصحابة لها ، فإن الصحابة ، لم يدونوا غير هذا العلم ، من العلوم الشرعية ، التي وضعت لها الأصول والقواعد ، وفرعت منها الفروع والمسائل ، وإنني لا أشك ، في كون الصحابة ، كانوا مهتدين بهذه السنن ، وعالمين بمراد الله من ذكرها ، يعني أنهم ، بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية ، والشعوب القريبة منهم ، ومن التجارب ، والأخبار ، في الحرب وغيرها ، وبما منحوا من الذكاء ، والحذق ، وقوة الاستنباط ، كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ، ويهتدون بها في حروبهم ، وفتوحاتهم ، وسياساتهم للأمم ، التي فتحوها ، وما كانوا عليه من العلم ، بالتجربة ، والعمل ، أنفع من العلم النظري البحت ، وكذلك كانت علومهم كلها.
ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا ، احتاجت معه الأمة ، إلى تدوين علم الأحكام ، وعلم العقائد ، وغيرهما ، كانت محتاجة أيضًا ، إلى تدوين هذا العلم ، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية ، أو علم السياسة الدينية ، سم بما شئت ، فلا حرج في التسمية.
والسنة كما هو معلوم: الطريقة المعتبرة ، والسيرة الحميدة المتبعة ، والقانون المطرد ، الذي يتبدل ، ولا يتحول ، قال تعالى: (ولن تجد لسنة الله تبديلا ً) (الأحزاب:62) ، فالحياة لم تخلق عبثًا، وإنما خضعت لسنن وقوانين ، وأمر البشر في اجتماعهم، وما يعرض فيه من الصراع ، والتدافع الحضاري ، بين الحق والباطل ، وما يتبع ذلك ، من الحرب ، والنزال ، والملك ، والسيادة ، والتداول الحضاري ، يجري على طرق قويمة ، وقواعد ثابتة ، فمن سار على سنن الله ظفر بالفوز ، وإن كان ملحدًا ، أو وثنيًا ، ومن تنكبها ، خسر ، وإن كان صدّيقًا ، أو نبيًا.