فهرس الكتاب

الصفحة 1720 من 1942

وعلى هذا يتخرج انهزام المسلمين في أحد ، وكذلك في أول المعركة في حنين ، ويتخرج انتصارهم على الأصعدة المتعددة ، (انظر تفسير المنار) .

لذلك قد يكون من الأولويات المطلوبة في الفهم والتفكير الإسلامي اليوم ، إدراك أمر السنن والأسباب ، والأقدار ، وامتلاك القدرة على التعامل معها ، وتسخيرها ، ودخول حلبة الصراع الحضاري ، بميادينه المتعددة ، بأدواته ووسائله النوعية المطلوبة ، ذلك أن دخول أية معركة ، بدون أسلحتها الفاعلة ، سوف يؤدي إلى الخسارة الفادحة ، فالتعامل مع أي ظاهرة دون تحليلها ومعرفة أسباب نشوئها واستيعابها ، والإحاطة بها ، سوف يوقع بإحباطات كبيرة ، ومفاجآت غير متوقعة أو محسوبة.

وهذا لن يتأتى بالأماني والرغبات ، ولن يتأتى بالصراخ والعويل ، ولن يتأتى من زيادة الحماس ، وزيادة التوثب الروحي ، ولن يتحقق لعامة الناس ، وإنما لابد له من وعي كامل بمعرفة الوحي ، في الكتاب والسنة ، كأمر لابد منه لبناء المرجعية ، وتشكيل مركز الرؤية ، ومن ثم التحقق بالتخصص في فروع المعرفة والعلوم المتعددة ، وبخاصة العلوم الاجتماعية ، وتأسيس مراكز بحوث ومعلومات ودراسات يقوم عليها متخصصون ، يمثلون أهل الحل والعقد فيما اختصوا فيه ، وإحلال العقل الجماعي المؤسس ، محل العقل الفردي.

وأستطيع أن أقول: بأن أية مفاجأة بالنتائج ، تعني من بعض الوجوه ، نوعًا من البلاهة ، كما تعني عدم إدراك المقدمات ، فلكل قضية علمها المطلوب ، لإدراكها ، وفهمها ، والقدرة على التعامل معها ، ومن هنا يمكن أن ندرك بعض أبعاد قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) (يونس: 39) .

وفي ضوء ذلك يمكن أن نفسر الإصابات والارتكاسات ، وتوالي الهزائم ، واستمرار السقوط ، والانحدار ، والانكسار ، والتراجع ، الذي يمنى به العالم الإسلامي والمسلمون بشكل عام.

ولا سبيل أمامنا للإحاطة بعلم الأشياء ، على الأصعدة المتعددة وعلى الأخص في مجال التدافع الحضاري الذي لا يتوقف ، ما لم ندرك السنن ، التي شرعها الله ، لتحكم حركة الحياة ، وسلوك الأحياء ، ذلك أن الفقه بالسنن ، هو الذي يحقق لنا الفرقان ، من إدراك المقاصد ، وإبصار المخارج ، وامتلاك الوسائل ، ودخول حلبة الصراع ، بالمؤهلات المطلوبة.

وقد يكون من المفارقات العجيبة ، والمؤرقة حقًا ، في الحالة الإسلامية اليوم ، أن المسلمين ما يزالون يمتلكون الخطاب الإلهي السليم ، دون سائر الأمم ، يمتلكون معرفة الوحي ، التي توقفهم على تاريخ الحضارات ، نهوضًا وسقوطًا ، وخلاصة التجربة البشرية ، والسنن التي حكمتها في التدافع ، والسقوط والنهوض ، لكنهم يعجزون عن الإفادة منها.

لقد قدمت معرفة الوحي ، في الكتاب والسنة ، الخلاصات ، والنماذج المطلوبة ، من قصص الأنبياء ، التي تعتبر منجمًا زاخرًا بالعبر والدروس ، وعطاءًا لا ينفد للتدافع ، والصراع بين الخير والشر ، والنتائج والمآلات التي تحققت وفق هذه السنن الإلهية في التاريخ ، الذي يعتبر المختبر البشري الدقيق لفاعلية هذه السنن ، حتى لقد جعلت معرفة الوحي السير في الأرض والنظر في أحوال الأمم السابقة ، وإدراك السنن والقوانين ، التي حركت مسار التاريخ ، أو تحرك التاريخ في مسارها ، من العلوم المطلوبة للمسلمين ، والتي بدون العلم بها سوف يخرجون من التاريخ ، وينقلبون من وسيلة محركة فاعلة ، قائدة ، مُسَخِّرة ، إلى أداة معطلة مُسَخَّرة .. سوف يتحولون من صناعة التاريخ ، إلى أن يكونوا محلًا لحركة التاريخ ، وتجاربه.

وبالإمكان القول: إن علم السنن التي شرعها الله للأنفس والآفاق ، تعتبر من الفروض الكفائية ، أو من الفروض الحضارية ، التي غفل عنها المسلمون جماعات ، وجمعيات ، ودولًا ، وأفرادًا ، اللهم إلا من بعض الملحوظات والاضاءات ، والإشارات ، والبدايات ، التي لم ترق إلى مستوى العلم.

قال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ، هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (آل عمران:137-138) ، فأين السير في الأرض المأمور به شرعًا ن والتوغل في التاريخ ، واكتشاف السنن التي طلب القرآن تحصيلها ، والاهتداء بها إلى فعل الصواب ، والاتعاظ بما تحقق منها ، في إطار الأمم السابقة ، والقيام بعملية المغالبة بين سنة وسنة ، وبين قدر وقدر؟

إن قسمًا كبيرًا من المسلمين اليوم ، يسيرون في الأرض ن ويذهبون إلى بلاد الحضارات الأخرى ، سير البلهاء ، والمغفلين اللاهين ، الذين ينتهي بهم قصدهم ويتحقق على مزابل الحضارة الغربية وإباحيتها ، أو على أحسن الأحوال يقرأون الحضارة قراءة خاطئة لا تسمن ولا تغني من جوع ، وقد تسخرهم وتسحرهم ، بدل أن يسخروها ، ويعتبروا بإصاباتها.

إن السنن هي أمر الله ، وقدره الثابت ، الذي لا يتبدل ، قال تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرًا مقدورًا ) (الأحزاب:38) .

ونعترف أن علم السنن ، تأصيلًا وتأسيسًا ، لما يأخذ بعد طريقه إلى المسلمين ، وأكثر من ذلك ، إلى المؤسسات الإسلامية الرائدة ، المنوط بها إخراج الأمة والعالم الإسلامي ، من حفر التخلف ، التي يعيش فيها ، في الوقت ، الذي أصبحت فيه مراكز البحوث والدراسات ، والمعلومات المتخصصة في نطاق الحضارة الغربية ، التي تسعى إلى الغلبة والتفوق ، والسبق ، تتجاوز التصور.

لقد أصبحت مراكز البحوث والمعلومات ، جزءًا لا يتجزأ من نواتج الحضارة ، ولوازمها ، وأصبحت وسيلتها الفاعلة ، في إدارة الصراع والحوار الحضاري .. أصبحت جزءًا من البيئة العقلية ، للنظام الحضاري الغربي ، ومرتكزًا من مرتكزات النظام المعرفي ، وحاسة متقدمة من حواس صاحب القرار السياسي ، وجانبًا هامًا من مباني الجامعات ، والمعاهد ، والمدارس .. إنها مخبرات الفحص ، والتحليل ، والاختبار ، لكل الظواهر الاجتماعية ، والنواتج الفكرية التي تمكن من التخطيط المستقبلي ، وصناعة القرار.

في الوقت الذي نرى فيه عالم المسلمين - إلا من رحم الله - لا يزال يمارس حالة الانتظار ، أو يعيش في غرفة الانتظار ، حتى تسقط الحضارة الغربية لصالحه ، دون أن يكون صالحًا مصلحًا ، والله سبحانه وتعالى يقول: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) (الأنبياء: 105) .

إن الكثير من المسلمين اليوم ، يعاني من إصابة الأمية ، التي أخبر الله عنها في أهل الكتاب ، حيث قال تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) (البقرة:78) .. إنهم مسلمو اليوم .

قال ابن تيمية رحمه الله: عن ابن عباس وقتادة رضي الله عنهما ، في قوله تعالى: (ومنهم أميون ) ، أي غير عارفين بمعاني الكتاب ، يعلمونها حفظًا ، وقراءة ، بلا فهم ، لا يدرون ما فيها..

وقوله: (إلا أماني ) ، أي تلاوة ، لا يعلمون فقه الكتاب ، إنما يقتصرون على ما يتلى عليهم .

وعن الإمام أحمد رحمه الله قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت