ذكر النبي صلى الله عليه و سلم شيئًا ، فقال: (.. وذلك عند ذهاب العلم ) . قلنا: يا رسول الله: كيف يذهب العلم ، ونحن قرأنا القرآن ، ونقرئه أبناءنا ، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم ؟ فقال: (ثكلتك أمك يا ابن لبيد ، إن كنت لأراك ، من أفقه رجل في المدينة ، أوليس هذه اليهود والنصارى ، بأيديهم التوراة ، والإنجيل ، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء ) ! ( الحديث رواه أحمد في مسنده ، ورواه ابن ماجه في سننه ، عن زياد بن لبيد الأنصاري ، رضي الله عنه ، في كتاب الفتن ، ورواه الترمذي في سننه في باب: ما جاء في ذهاب العلم ، وقال: وهذا حديث حسن غريب) .
إن الحالة السلبية ، الانسحابية ، الإرجائية ، التي يعيشها معظم المسلمين اليوم انعكست على فهمهم للدين ، لإيجاد مسوغات ، ومشروعيات لحالهم.
إنهم ينتظرون السنن الخارقة ، ويعدلون عن السنن الجارية ، ولا يحسنون فقه الكتاب ، ومع ذلك يندبون حظهم العاثر ، والله تعالى يقول: (من يعمل سوءًا يجز به ) (النساء: 123) .
ولعل من أخطر ميادين التدافع الحضاري ، أو إن شئت فقل: الحوار الحضاري -وما الحوار إلا صورة من صور التدافع- مشكلة تحديد المفاهيم والمصطلحات ، والمفردات المعرفية ، التي تعبر عن الثوابت الحضارية والمرجعية الثقافية ، ذلك أن المفاهيم ، والمصطلحات ، أو ما يمكن أن نعبر عنه بعالم الأفكار ، والعقائد ، هي وسائل التحصين ، وأسلحة التدافع ، وأدوات الحوار الحضاري.
لذلك أعتقد أن الغفلة عن مدلول المفاهيم الشائعة ، أو التي يراد إشاعتها في عالم المسلمين ، والسماح بالاستقرار لدلالاتها بالذهنية الإسلامية ، وتأنيسها أو الأنس بها ، يعتبر من الغفلة عن الأسلحة ، وأول مراحل الوهن ، والاغتراب ، قال تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) (النساء:102) .
من هنا نقول: إن وضوح المفهومات والمصطلحات الإسلامية ، ومحاولة إشاعتها ، وإحيائها ، وإدراك دلالاتها ، يعتبر من الأمور المهمة في بناء المرجعية ، والتحصين الثقافي ، والانطلاق إلى ميادين التدافع والحوار ، بالزاد الكافي ، لأن المفهومات والمصطلحات الإسلامية تشكل أوعية التفكير ، وجذوع النسغ الحضاري ، الممتد ، من الماضي ، إلى الحاضر ، والمستقبل ، وتمثل خلاصات لمعطيات الوحي والعقل معًا ، إضافة لما لها من رصيد نفسي وثقافي ، واختبار تطبيقي تاريخي ، يجعلها محل ثقة واستمساك .. إنها باختصار تشكل ملامح حضارة الأمة ، وقسمات شخصيتها ، ومحصلات الفكر ، وأبجديات قراءة الهوية ، ومعالم الطريق .
لذلك فأي تنازل عنها ، بإسم الحداثة ، أو العصرية ، أو حتى مقاربتها بمصطلحات أو مفهومات الآخر ، هو تخل عن الذات ، وتوهين لقيم الأمة ، في معركة الصراع الحضاري ، وعدول عن الانتماء ، إلى الارتماء ، والسقوط لصالح الآخر.
من هنا نقول: لابد من البصارة ، والفقه ، والدقة الكاملة ، في فحص واختبار المفاهيم ، والمصطلحات السائدة ، والتعرف على منطلقاتها ، وأهدافها ، ودلالاتها ، وخلفياتها الثقافية.
ذلك أن المعركة الثقافية ، التي بدأت تتبلور لصالح الحضارة الغربية ومصطلحاتها على الساحة العالمية اليوم ، هي الأخطر ، ولئن كنا نعاني سابقًا ، من السقوط والانهزام ، والتخلف ، في عالم الأشياء ، فهذا يعني ، أننا مازلنا نحتفظ بالإمكان الحضاري ، أو نحتفظ بعالم الأفكار والقيم ، وخميرة النهوض ، لكن الخطر اليوم يكمن في التضليل أو التطبيع الثقافي ، المراد لهذه الأمة ، ومحاولة توهين قيم الحضارة الإسلامية ، ومقاربتها بالقيم الحضارية الغربية ، لضمان قبولها ومرورها إلى الداخل الإسلامي ، وذلك باستنبات كتاب ، ومفكرين ، وباحثين ، وإعلاميين ، وسياسيين ، ومراكز للبحوث والدراسات في التربة الإسلامية، مسكونين بقيم الحضارة الغربية ، ومفتونين بأشيائها ، وإنجازها المادي ، لتمكين مرورها إلى عالم المسلمين، باسم الانفتاح والحداثة ، وتحقيق المشترك الإنساني ، والعلمية ، والموضوعية ، والتجديد ، والعقلانية ، والوسطانية .. إلخ .
فالشورى الإسلامية المأنوسة ، بما لها من دلالات ، وتطبيقات ، وارتكاز عقيدي ، والتي هي في نهاية المطاف ، دين من الدين ، تصبح الديمقراطية الغربية نفسها ، مع التجاهل ، أو التجاوز الكامل ، لكل الخلفيات الفكرية لكل من الحضارتين والمصطلحين.
وأهل الذمة بكل دلالة المصطلح في السيرة النبوية والفكر والقيم ، والتاريخ ، يصبحون: مواطنين ، لا ذمِّيين ، وكأن الذمي ليس مواطنًا ، يتمتع بحقوق وحماية إسلامية ، قد تتجاوز حقوق المسلم!
وفصل الدين عن الدولة ، وعزل الإسلام عن حكم الحياة ، وحصره في المساجد ، والعبادات التقليدية ، والعلاقات الفردية بين الإنسان وربه ، بعيدًا عن حكم الحياة ، تُفَصّل له عملية التفريق بين الرسول النبي، الواجب الاتباع ، في الأمور العبادية البحتة ، والرسول الحاكم ، الذي تعني سنته هنا اجتهادًا يمكن تجاوزه!
والضرورة الشرعية بكل ضوابطها ودلالاتها ، التي يجوز معها ، وقف الاحكام لمرحلة ، أو لحالة طارئة ، تصبح هي المصلحة ، الموهومة الموقوته ، التي تبيح تعطيل النصوص ومحاصرتها ، ورفعها من التطبيق.
والجهاد في الإسلام إنما شرع لمحاربة الظلم ، وليس لمقارعة الكفر ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول: (والكافرون هم الظالمون ) (البقرة: 254) .
والجهاد الذي هوأعلى أنواع العبادة والتضحية ، هو من الفعل الاجتهادي والسياسات الشرعية ، وليس من شؤون العقيدة ، ومقتضيات الدعوة.
لقد غابت ، أو غيبت من حياتنا الثقافية اليوم ، مفاهيم ومصطلحات الكقر ، والنفاق ، والإيمان ، والإسلام ، والشرك ، والتوحيد ، ومصطلحات أهل الكتاب ، وأهل الذمة ، والمعاهدين ، والنصارى ، واليهود، والوثنيون، والباطنيون ، والملحدون ، والمشركون ، تمامًا ، لتحتل عقولنا مصطلحات ، ومعايير، ومفاهيم ، ومقاييس ، تطبع الهزيمة ، وتقرأ الحضارة المعاصرة ، بأبجديات خاطئة ، غير إسلامية، وتتحول حياتنا الفكرية إلى استخدام مصطلحات ومدلولات حضارة الآخر.
وقد تكون المشكلة أيضًا - إلى جانب من استنبتوا في التربة الاسلامية ، ليعملوا لصالح حضارة الآخر في المجالات المتعددة - فيما يسمى: النخب العربية الاسلامية ، التي مكن لها ، لتحتل مواقع القدوة والقيادة ، والتأثير ، والتي ارتهن معظمها لتلك المفاهيم والمصطلحات الفكرية ، بسبب دراستها وتخصصاتها ، في معاهد ومدارس وجامعات الغرب ، فهي رهينة المدرس ، والمنهج ، والكتاب ، والمرجع ، والتطبيق الحضاري ، مع التوهم بأن ما تعلمته ، هو معيار عام ، لكل تقدم وإنجاز ، حضاري ، يصلح لكل أمة ، مهما كانت عقيدتها ومعادلتها الاجتماعية .. لذلك والحالة هذه ، فإن عملية الصراع أو الحوار الحضاري ، سوف تكون محسومة لصالح الآخر .
فما يسمى اليوم ندوات للحوار الحضاري بين الإسلام والغرب ، أو ندوات ، لدراسة التيارات الفكرية في العالم الإسلامي ، كالصحوة ، وتياراتها ، أو الأصولية وأسبابها ، ودوافعها وأهدافها ، وما إلى ذلك من العناوين التي باتت تملأ الصحف والمجلات ، يدعى للحوار والمشاركة ، وتمثيل الإسلام ، أو الطرف الذي يحاور عن الإسلام في هذه الندوات ، بعض العلمانيين الذين يسكنون جغرافيًا فقط في العالم الإسلامي ، يُدعي هؤلاء الذين لا يمثلون الثقافة والحضارة الإسلامية، ولا يعبرون عن ضمير أمتهم ، لقلة بضاعتهم فيها ، من جانب ، ولأنهم منحازون بطبيعة دراستهم ، وثقافتهم للغرب.