فهرس الكتاب

الصفحة 1722 من 1942

لذلك فالحوار معهم ليس حوارًا مع الآخر ، وإنما هو لون من النرجسية الثقافية ، والتخاطب مع الذات ، فالمؤسسات الغربية ومراكز البحوث والجامعات ، عندما تدعوهم ، فهي لا تدعو الآخر المسلم ، وإنما تدعو تلامذتها وخريجيها ، وحاملي ثقافتها ، وتحاور بهم نفسها ، وعلى ذلك فهي تزداد جهلًا بالإسلام ، والعالم الإسلامي ، وتعجز عن فهمه من الداخل ، وتكرس الصورة المشوهة ، والتفسيرات البعيدة ، عن الحقيقة ، هذا إذا أحسنا النية بأسباب الحوار وأهدافه .. كل هذا يتم اليوم باسم الحوار .

أما الحوار الحضاري أو الحوار مع الآخر ، وإتاحة الفرصة لتوسيع دائرة التفاهم ، وإبلاغ رسالة الإسلام إلى العالم ، التي إنما جاءت لاستنقاذه ، وإيصال دين الله إليه ، بأفضل الوسائل ، والمجادلة له بالتي هي أحسن ، مع مراعاة أدب الحوار وشرائطه .. فهو من الفروض الشرعية الكفائية ، التي تعتبر من مسؤولية الأمة جميعها.

وأحب أن أوضح هنا: أن الحوار مع الآخر ، وإتاحة الفرصة لتبادل الرأي ، للوصول إلى قناعات معينة ، أو للوصول إلى صيغ مشتركة ، للتفاهم والتعاون ، هو مطلب إسلامي ، وإحدى وسائل الدعوة والبلاغ المبين ، إذا توافر للحوار شروطه ، من إتاحة الفرص المتكافئة ، وتحرير موضوع الحوار ، والالتزام بآدابه ، وأخلاقه ، بل هو أكثر من مطلب إسلامي ، أو أحد خيارات المسلم ، إنه تكليف شرعي ، يقع تحت مدلول قوله تعالى: ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (النحل:125) ، ذلك أن الدعوة إلى دين الله ، وسبيله ، محلها ابتداءً: الآخر .

ولم يقتصر القرآن على الأمر بالمجادلة ، وإنما نص على أسلوبها , واشترط أن يكون بالتي هي أحسن حتى لا يكون منفرًا ، وحتى يحقق الاقتناع عن اختيار ، ولا يشكل حاجزًا نفسيًا يحول بين الآخر والإسلام ، خاصة أن الإسلام لا يخص جنسًا ، ولا لونًا ، ولا قومًا.

وأحسب أن المبادرة بالحوار ، والدعوة إليه ، يجب أن تبدأ من عند المسلم ، وأن يكون المسلم أكثر حرصًا عليها من الآخر .. ولعلي أرى في قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) (آل عمران:64) ، تكليفًا شرعيًا لا يخص عصرًا بعينه ، ولا حادثة بعينها ، ولا يجوز أن يعتبر سبب النزول قيدًا لخلود النص ، وتجرده عن حدود الزمان والمكان .. فمقتضى خلود النص يعني: أن التكليف جار وقائم في كل زمان ومكان .. والدعوة إلى الحوار ، واللقاء بالآخر ، ومحاججته بالتي هي أحسن ، وظيفة المسلم ، لإلحاق الرحمة بالناس .. وما يمتلك المسلم من قيم سماوية معصومة منزلة من رب العالمين ، وتجربة تاريخية فذة ، وشخصية حضارية وثقافية ، تجعله في موقع مكين ، يدفعه إلى الإيجابية ، وطلب الحوار ، ويجعل مكاسبه من الحوار مقدرة ابتداءً ، ذلك أن الآخر سوف يتأثر على كل حال ، وليس بالضرورة أن تظهر النتائج بشكل سريع ، فكثير من الصحابة رضوان الله عليهم سمع القرآن لأكثر من عشر سنوات ، وكان الحوار بالقرآن ، وكان المحاور الرسول صلى الله عليه و سلم الذي أوتي جوامع الكلم ، وجاء إيمانه متأخرًا ، ومع ذلك أبلى في الإسلام بلاءً حسنًا ، وانتصر هذا الدين على يده ، في معارك كثيرة ، فكرية ، أو فقهية ، أو عسكرية.

وكان الآخر هو الذي يتهرب من الحوار ، ويغلق منافذه ، ولعل قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) (فصلت:26) ، مؤشر واضح على موقع المسلم في الحوار ، وموقع الآخر ، لذلك لا أرى عذرًا ولا مصلحة في إقفال باب الحوار مع الآخر أو نفيه ، أو إلغائه ، مهما كانت الأسباب ، أو ترك المبادرة له ، لتنظيم ندوات الحوار ، وتحديد أهدافه ، وموضوعه ، واستدعاء بعض الاسلاميين لملء المربعات المرسومة لهم مسبقًا ، بحيث تنتهي ندوات الحوار لتصب في مصلحة الآخر في نهاية المطاف خاصة اذا كان الإسلاميون المدعوون ممن استنبتوا على التربة الإسلامية ، وغرسوا فيها لهدف ، حيث جعلت مهمتهم توهين القيم الإسلامية ومقاربتها بقيم الحضارة الغربية ، التي تمثل الآخر في الحوار الدائر اليوم.

وقضية الحوار مع الآخر ، وإعادة النظر بمواصفات الخطاب الإسلامي المعاصر ، وأدوات توصيله ، ووسائل إبلاغه على مختلف الأصعدة ، لم تعد خيارًا للمسلم ، في عصر ثورة المعلومات والاتصالات ، وتطور وسائل الإعلام ، حتى يكاد العالم يصبح قرية إعلامية صغيرة ، وحيث امتدت حواس الإنسان من خلال وسائل الإعلام ، لترى ، وتسمع ، وتستقبل ، وترسل ، إلى أقاصي الدنيا ، وتعالت الأصوات في الدعوة إلى الحضارة الواحدة ، والنظام العالمي الجديد ..

والمطروح: كيف يستطيع المسلم استشعار التحدي الإعلامي والمعلوماتي ، وامتلاك القدرة على أن يصب في هذه الأوعية الإعلامية ، المواد النافعة ، ويسجل حضورًا ، أو شهودًا حضاريًا ، ويحول النقم التي تصب من فوق رأسه إلى نعم ، في إيصال الإسلام إلى الناس؟

وهنا قضية ، أرى أن إعادة التذكير بها ، في غاية الأهمية ، وهي أن الحضارة الإسلامية ، هي في حقيقتها ، وتاريخها ، ونواتجها ، حضارة إنسانية ، لا تخص جنسًا ، أو لونًا ، أو عرقًا ، أو منطقة جغرافية ، أو طبقة اجتماعية ، وإن كان العرب وبلادهم هي قاعدتها ، وهم حملتها الأوائل ، لقد تجاوزت بدعوتها وممارستها كل الفوارق القسرية ، التي لا يد للإنسان في وجودها ، وجعلت معيار الكرامة ، فعلًا كسبيًا ، بمقدور كل إنسان أن يرقى إليه ، وليس أمرًا قسريًا لا يد له فيه ، قال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (الحجرات:13) .

لقد جاءت معظم آيات القرآن المكية ، تؤكد الوحدة الإنسانية ، وتحطم الفوارق التمييزية ، قبل أن يكون للمسلمين أمة أو دولة ، أو حكومة ، أو موقعًا جغرافيًا ، وكانت الوحدة الإنسانية ، أو وحدة الأصل البشرية ، من المقومات الأساسية التي نص عليها الوحي ، ولم يدع مجالًا لا للمساومة عليها ، أو يسمح بتجاوزها ، وكان عطاء الوحي موجهًا إلى العالمين ، بل لقد كانت الغاية من الرسالة السماوية وإنتاجها الحضاري ، هو إلحاق الرحمة بالناس كافة ، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107) ، وكان الإسلام أول من دعا إلى فكرة المواطن العالمي ، في أمة الإسلام ، والتمتع بالحقوق ، والواجبات كافة ، في دولة الإسلام ، بمجرد أن يعتنق الإنسان الإسلام ، كائنًا من كان ، وبذلك انتفت عن الإسلام وحضارته إصابات العنصرية ، والعرقية ، ولوثة وعقدة الشعب المختار التي لم تبرأ منها الحضارات البشرية بشكل أو بآخر.

وبذلك فالإسلام بطبيعته يناقض التعصب ، والانغلاق , ويعتبره من الجاهلية وآفاتها ، ونخوتها ، وتعاظمها بالآباء ، وسفهها ، لأن أسوار التعصب المحتمل ، أو العارض ، لا يلبث أن يكسر بمجرد الإيمان ، والدخول بالإسلام ، بينما نرى الحضارة الغربية ، هي حضارة اللون والعرق والقوم ، رغم ادعائها بالإنسانية .. إنها توبخ نفسها بادعاء الإنسانية ، والمعيار الحضاري الإنساني ، في أكثر من موقع من العالم ، ولسنا بحاجة للتذكير ، بتاريخها الإستعماري، كما أننا لا نرى أنفسنا بحاجة إلى القراءة في واقعها وممارساتها في فلسطين ، والبوسنة ، والشيشان ، وغيرها من بلاد العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت